أخبار عاجلة
الرئيسية » الشأن السوري » نذر مواجهة أميركية روسية في سورية

نذر مواجهة أميركية روسية في سورية

انتقل الصراع على الغوطة الشرقية لدمشق إلى مستويات تنذر بالأخطر، بعد دخول أميركي على الخط والتلويح بعمل عسكري يردع النظام السوري في حال فشل مجلس الأمن الدولي بالقيام بمهامه، ليأتي الرد الروسي بشكل أعنف بتحذير واشنطن من “عواقب وخيمة” لأي ضربة توجّهها ضد النظام. يأتي ذلك فيما يتزايد التخوف على مصير عشرات آلاف المدنيين المحاصرين في الغوطة، مع استمرار النظام وبدعم من حلفائه في استخدام القوة المفرطة لتحقيق حسم عسكري، بعد نجاحه في تقسيم المنطقة إلى ثلاثة أجزاء، فيما لا تزال فصائل المعارضة تصر على أن خيارها الوحيد هو مقاومة الحملة العسكرية على المنطقة. وليس بعيداً عن تطورات الغوطة، تتسارع الأحداث في الجنوب السوري، وتحديداً في محافظة درعا، حيث واصل النظام، أمس، قصف مناطق في المحافظة، بعد معلومات عن تحضيرات تقوم بها فصائل المعارضة لفتح جبهة هناك بهدف تخفيف الضغط العسكري عن الغوطة، لتبرز دعوة أميركية إلى “اجتماع عاجل” في الأردن لضمان الحفاظ على منطقة عدم التصعيد في الجنوب.

وبعد أقل من يوم على إعلان السفيرة الأميركية أمام مجلس الأمن الدولي نيكي هايلي، أن الولايات المتحدة مستعدة للتحرك في سورية إذا تعيّن ذلك، وأنه عندما يتقاعس مجلس الأمن عن التحرك “فهناك أوقات تضطر فيها الدول للتحرك بنفسها”، جاء الرد الروسي عنيفاً، إذ حذر وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، واشنطن من عواقب وخيمة جداً لأي ضربة يُحتمل أن توجهها ضد قوات النظام السوري، وذلك بعد ساعات من تحذير مشابه أطلقه رئيس الأركان الروسي فاليري غيراسيموف.

وقال الوزير الروسي، في تصريحات صحافية أمس، إن على نيكي هايلي “أن تدرك أن استخدام الميكروفون في مجلس الأمن الدولي بشكل غير مسؤول شيء، وما يحدث بين العسكريين الروس والأميركيين شيء آخر”، لافتاً إلى أن “هناك قنوات للتواصل ومن خلالها يتضح ما يمكن فعله وما لا يمكن فعله”، مشيرا إلى أن “التحالف الأميركي يدرك ذلك بشكل جيد”.

واعتبر لافروف أنه من الضروري تفادي خرق نظام وقف إطلاق النار في الغوطة، مؤكداً أن مشروع القرار الجديد حول هدنة في الغوطة، الذي تنوي واشنطن تقديمه في مجلس الأمن، “يشير إلى فشلها في تنفيذ القرار السابق 2401 وعدم رغبتها في محاربة الإرهاب والحفاظ على خطط تغيير النظام في سورية”. وأضاف: “ما هددت به هايلي بتقديم قرار جديد، كما فهمت هو جاهز، يعني شيئاً واحداً فقط، أنهم فشلوا في تنفيذ القرار السابق، لأن المشروع الجديد الذي يرغب الأميركيون بتقديمه الآن لا يتضمن أي استثناءات للإرهابيين، أي يمنع الاقتراب من الإرهابيين”، معتبراً أن “التحالف الأميركي لا يهتم كثيراً بالقضاء على بقايا الإرهاب بل بالحفاظ على الإرهابيين لتهديد النظام السوري بهم”. من جهة أخرى، رأى لافروف أن لا ضرورة للسعي الآن لزيادة عدد مناطق خفض التصعيد في سورية، مفضلاً التركيز على تأمين نظام وقف إطلاق النار، خصوصاً في الغوطة الشرقية. ولفت إلى أنه سيلتقي، اليوم، نظيره التركي مولود جاووش أوغلو، ويوم الجمعة في أستانة، نظيره الإيراني محمد جواد ظريف، “وسيُعقد اجتماع وزاري للدول الضامنة، يناقش موضوع مناطق خفض التصعيد، والأهم الآن هو تأمين العمل بالنظام الذي تم التوافق عليه”.

جاء ذلك بعدما كان رئيس الأركان الروسية فاليري غيراسيموف قد قال، أمس، إن لدى روسيا “معلومات موثوقة حول إعداد المسلحين في سورية لعملية باستخدام الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين لتظهر كما لو أن القوات السورية هي التي نفذتها، ورداً على ذلك تخطط واشنطن لقصف صاروخي على مواقع حكومية في دمشق”. وشدد على أن روسيا سترد في حال تعرض حياة العسكريين الروس الموجودين في سورية لأي خطر، موضحاً أنه “في حال ظهور خطر على حياة عسكريينا ستتخذ القوات المسلحة الروسية إجراءات رد تجاه الصواريخ ومن يستخدمها”.

في غضون ذلك، واصلت آلة النظام وحلفائه العسكرية قتل المدنيين في الغوطة وتدمير ما بقي في مدنها وبلداتها، إذ قُتل وأصيب مدنيون، أمس الثلاثاء، في قصف على بلدات سقبا وكفر بطنا وجسرين في الغوطة، بعد يوم دامٍ قُتل فيه العشرات من المدنيين. ويبدي ناشطون في الغوطة الشرقية، تواصلت معهم “العربي الجديد”، مخاوفهم من حصول مجازر جماعية بحق عشرات آلاف المدنيين في مدينتي دوما وحرستا تم عزلهم عن بقية بلدات الغوطة الشرقية. وبات أكثر من 400 ألف مدني في مدن وبلدات الغوطة في وضع “كارثي”، إذ تقطعت بهم السبل. ويشير ناشطون إلى أن 220 ألف شخص محاصرون في مدينة دوما وحدها في مساحة لا تتعدى 4 كيلومترات.

ووصفت مصادر محلية تقطن في أحياء دمشق الشرقية بالقرب من الغوطة ما يجري هناك من عمليات قصف جوي لا يكاد يتوقف بـ”المحرقة”، مضيفة في اتصال مع “العربي الجديد”، أن صمود فصائل المعارضة أسطوري في ظل هذا القصف المتوحش الذي تهتز لدويه كل أحياء العاصمة.

على الرغم من هذا الواقع، أكد المتحدث باسم “جيش الإسلام” حمزة بيرقدار، في تصريح لـ”العربي الجديد”، أن مقاومة قوات النظام والمليشيات التي تساندها “لا تزال الخيار الوحيد” لدى فصائل المعارضة في الغوطة. وأبدى بيرقدار خشية من ارتكاب النظام وحلفائه مجازر جماعية بحق المدنيين في الغوطة بعد فرض الحصار على دوما وحرستا، وقال “إن نظام الأسد ومليشياته وحلفاءه لم يتورعوا عبر سنوات الثورة عن سفك الدماء وارتكاب المجازر حتى في ظل القرارات الأممية القاضية بتخفيف التصعيد ووقف إطلاق النار”. وكانت قيادة الأركان في فصيل “جيش الإسلام” أصدرت بياناً، الإثنين، نفت فيه الأنباء عن القيام بإجراء مفاوضات مع النظام وروسيا بخصوص إخراج مقاتلي الجيش من الغوطة الشرقية.

في غضون ذلك، تم صباح أمس، إجلاء أول دفعة من الجرحى والمرضى المحاصرين في الغوطة مع عائلاتهم في إطار اتفاق توصل اليه فصيل “جيش الإسلام” مع الروس بوساطة أممية. وكشف الفصيل المعارض، يوم الإثنين، عن التوصل إلى اتفاق مع روسيا بوساطة أممية يقضي بإجلاء الجرحى والمصابين من الغوطة المحاصرة، مشيراً إلى أن الإجلاء تم “بسبب عدم توفر العلاج واستهداف كل المستشفيات ومنع إدخال الدواء إلى الغوطة ضمن قوافل الإغاثة”. وأوضح رئيس المكتب السياسي لـ”جيش الإسلام” محمد علوش، في تغريدة له أمس الثلاثاء على “تويتر”، أن إخراج الجرحى من الغوطة لا علاقة له بتبادل الأسرى مع النظام. من جهتها، قالت وسائل إعلام روسية إن حوالي 100 مسلح خرجوا عبر معبر مخيم الوافدين، من بينهم جرحى نتيجة المعارك، مشيرة إلى أنه “من المقرر أن يتم نقلهم إلى إدلب في الشمال السوري”.

وفي سياق الحرب النفسية واستعراض القوة التي تستخدمها موسكو في غوطة دمشق الشرقية، نقلت وسائل إعلام روسية أن الجيش الروسي زوّد قوات النظام في الغوطة الشرقية براجمة الصواريخ “9كا55 غراد-1″، مشيرة إلى أنها “تتميز بوجود 36 أنبوب لإطلاق الصواريخ، وتوضع على سيارة “زيل-131″ التي تبلغ سرعتها القصوى 80 كيلومتراً في الساعة، ويقودها طاقم مكون من 3 أشخاص”.

إلى ذلك، أشار المرصد السوري لحقوق الإنسان إلى أن عدد القتلى المدنيين في الغوطة الشرقية ارتفع إلى 1181، بينهم 244 طفلاً دون سن الثامنة عشرة، و164 امرأة، منذ 18 فبراير/ شباط الماضي، خلال تصعيد عمليات القصف الجوي والمدفعي على مدن وبلدات دوما وحرستا وعربين وزملكا وحمورية وجسرين وكفربطنا وحزة والأشعري، والأفتريس وأوتايا والشيفونية والنشابية، ومنطقة المرج، ومسرابا ومديرا وبيت سوى، وعين ترما، ومناطق أخرى في الغوطة المحاصرة. وأوضح المرصد، أمس، أن القصف تسبب خلال هذه الفترة في إصابة أكثر من 4500 مدني، بينهم مئات الأطفال والنساء، بجراح متفاوتة الخطورة، فيما تعرض البعض لإعاقات دائمة، مشيراً إلى أنه لا تزال جثامين عشرات المدنيين تحت أنقاض الدمار الذي خلّفه القصف الجوي المدفعي والصاروخي من قبل قوات النظام على الغوطة. كما أوضح المرصد أن 649 مدنياً، بينهم 103 أطفال دون سن الثامنة عشرة، و81 امرأة، قُتلوا منذ صدور قرار مجلس الأمن 2401 في 24 فبراير الماضي، والذي يقضي بوقف إطلاق النار لمدة 30 يوماً والسماح بدخول المواد الغذائية والإجلاء الطبي.

في موازاة ذلك، يتزايد التصعيد في محافظة درعا، جنوب سورية، وسط مؤشرات عن تمهيد النظام وحلفائه لمعركة متوقعة هناك، كخطوة استباقية بعد الأنباء عن تحضيرات تجريها فصائل المعارضة في الجنوب للبدء بعملية عسكرية بهدف التخفيف عن الغوطة. وفي هذا السياق، كان لافتاً ما نقلته وكالة “رويترز” عن مسؤولين غربيين لم تسمهما، من أن المخاوف تتزايد في الأردن وبين القوى الغربية من أن قوات النظام السوري المدعومة من موسكو ومقاتلين إيرانيين ستمضي قدماً في تنفيذ هجوم كبير لاستعادة الجنوب إذا ما تمكنت من استعادة الغوطة الشرقية.

وأشار الناشط محمد الحوراني لـ”العربي الجديد”، إلى أن مدفعية النظام قصفت، أمس، أطراف بلدة اليادودة في ريف درعا الغربي، وبلدة الصورة في ريف درعا الشرقي، بعد يوم من تعرض أحياء المنشية وطريق السد في منطقة البلد في مدينة درعا لقصف مدفعي من قوات النظام.

أمام هذا التصعيد، قالت وزارة الخارجية الأميركية إنها تشعر بالقلق، ودعت إلى “اجتماع عاجل” في الأردن لضمان الحفاظ على اتفاق عدم التصعيد في تلك المنطقة والذي أبرم العام الماضي. وقال مسؤول من الخارجية “إذا صحت هذه التقارير، فإن هذا يمثل انتهاكاً صريحاً لوقف إطلاق النار (في جنوب غرب البلاد) يمارسه النظام من شأنه أن يوسع نطاق الصراع”.

وقال مصدر مطلع لـ”العربي الجديد”، إنه لم يُحدد ما إذا كان الاجتماع سيضم ممثلين عن فصائل المعارضة السورية المسلحة في الجنوب، أو سيقتصر على أعضاء غرفة الموك الرئيسيين، بريطانيا، فرنسا، الولايات المتحدة الأميركية والأردن، كما لم يتبين موعد الاجتماع. وأوضح المصدر أن الدعوة للاجتماع تأتي بهدف الضغط على روسيا والنظام السوري، مضيفاً أن هناك معلومات تشير إلى نية دول غرفة “الموك” الرئيسية تحديد أهداف تابعة للنظام السوري من أجل ضربها في حال عدم التوصل إلى قرار حقيقي ملزم بوقف إطلاق النار عبر مجلس الأمن. يُذكر أن منطقة الجنوب السوري تضم أكثر من 70 فصيلاً عسكرياً من الجيش السوري الحر وفصائل المعارضة المسلحة وجميعها تتلقى الدعم من غرفة “الموك” ودخلت في اتفاق وقف إطلاق النار.

وكان قائد بارز في الجبهة الجنوبية التابعة للمعارضة قد أكد لـ”العربي الجديد”، أن هناك عملاً عسكرياً آتياً من أجل التخفيف عن الغوطة الشرقية، رافضاً إيضاح أبعاد العملية وأهدافها. وتشير كل هذه المعطيات إلى أن محافظة درعا ستكون مسرح عمليات عسكرية واسعة النطاق بعد انتهاء المعارك في الغوطة الشرقية سواء باتفاق سياسي أو بحسم عسكري من قبل قوات النظام.

محمد أمين