أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » الحرب الاستخبارية الروسية ـ البريطانية تستعر

الحرب الاستخبارية الروسية ـ البريطانية تستعر

استعر الخلاف الروسي ـ البريطاني، أمس الثلاثاء، على خلفية تسميم العميل الروسي السابق، سيرغي سكريبال، وابنته يوليا، بغاز أعصاب معروف باسم “نوفيتشوك” وهو سلاح طوره الاتحاد السوفييتي في نهاية الحرب الباردة، وذلك في مدينة سالزبري، في جنوب غربي بريطانيا، في 4 مارس/آذار الحالي. وارتفع منسوب التوتر، مع استدعاء كل من موسكو ولندن، السفيرين البريطاني والروسي على التوالي، في خطوة تنبئ بالمزيد من التوتر في الأيام المقبلة، ما قد ينعكس على مختلف القطاعات غير السياسية، خصوصاً الرياضية منها، وتحديداً نهائيات كأس العالم لكرة القدم المقررة بين يونيو/حزيران ويوليو/تموز المقبل في روسيا.

بما بدا وكأنه رد روسي على استدعاء بريطانيا السفير الروسي لديها، ألكسندر فلاديميروفيتش ياكوفنكو، استدعت موسكو السفير البريطاني لديها، لوري بريستاو، للاستفسار عن الاتهامات البريطانية لروسيا، بالضلوع في تسميم سكريبال. وأكد وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، أن “روسيا بريئة ومستعدة للتعاون”، مضيفاً أنه “طلب من لندن عيّنة من غاز الأعصاب في رسالة رسمية، لكن لندن رفضت ذلك”.

وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، دعا البريطانيين للتحقيق في الحادث، مشيراً في حديثٍ لوكالة “بي بي سي” البريطانية، إلى أنه “عليكم تحديد الوضع القائم لديكم أولاً، ومن ثم نناقش ذلك”. كما أعلن المتحدث الرسمي باسم الرئاسة الروسية، دميتري بيسكوف، أن “وضع سكريبال، ليس من شأن الكرملين، ولا يوجد تصريحات رسمية من لندن حول تورط موسكو في هذه القضية”.

في غضون ذلك، تسعى بريطانيا لبناء دعم دولي للرد على روسيا. وذكر مسؤولون في لندن، أن “رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي تدرس مجموعة من الإجراءات الاقتصادية والدبلوماسية، رداً على الهجوم”. وكانت ماي قالت في مجلس العموم يوم الإثنين، إنه “من المرجح جداً أن تكون روسيا مسؤولة عن تسميم سكريبال وابنته يوليا”. بدوره اعتبر وزير الخارجية بوريس جونسون، أمس الثلاثاء، أن “بريطانيا تتحدث مع شركائها الدوليين حول الوضع”، مضيفاً “شعرت بتشجيع من رغبة أصدقائنا في إظهار الدعم والتضامن”. وتابع أن الدعم جاء “على وجه الخصوص من الرئيس (إيمانويل) ماكرون من فرنسا، وتحدثت إلى نظيري الألماني زيغمار غابريال، ومن واشنطن حيث أوضح ريكس تيلرسون أنه يرى ذلك جزءاً من نمط سلوك تخريبي. سلوك روسيا الخبيث. دعم الاستخدام المتهور للأسلحة الكيميائية الذي يمتد من سورية الآن إلى شوارع سالزبري”. إلى ذلك أعلنت شرطة سكوتلاند يارد تولي جهاز مكافحة الإرهاب البريطاني التحقيق في القضية.

بدورها، وصفت الخارجية الروسية تصريح ماي، حول تورط موسكو في تسميم سكريبال، بـ”الحملة الاستفزازية”. وقالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا مساء الإثنين، إن “كلمة ماي تمثل مهزلة في البرلمان البريطاني. الاستنتاج واضح، هذه حملة إعلامية سياسية جديدة مبنية على استفزاز”. واعتبر أنه “عرض بهلواني في البرلمان البريطاني ونتائجه واضحة: حملة إعلامية سياسية أخرى مبنية على الاستفزازات”. وأضافت “قبل اختراع حكايات جديدة، دع شخصا ما في المملكة يخبر ما الذي انتهت إليه القضية السابقة حول الضابط السابق في جهاز الأمن الفيدرالي ألكسندر ليتفينينكو، والأليغارشي بوريس بيريزوفسكي، ورجل الأعمال ألكسندر بيريبيليشنوف والعديد من الآخرين الذين لقوا حتفهم بشكل غامض على الأراضي البريطانية”.

وكانت ماي قد ذكرت خلال جلسة البرلمان، يوم الإثنين، أن “وزير الخارجية بوريس جونسون طالب السفير الروسي بتقديم الجواب، وكذلك تسليم تقرير شامل حول هذه المادة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية”. وتابعت: “ننتظر رداً من روسيا بالتفاصيل اليوم الأربعاء، وفي حال عدم حصولنا على تفسير مقنع سنتوصل إلى استنتاج مفاده أن هذه التصرفات مثّلت استخداماً غير شرعي للقوة من جانب روسيا ضد المملكة البريطانية”، متعهدة بتحديد “دائرة شاملة من الإجراءات، التي ستتخذها بريطانيا للرد على روسيا حال تبين أنها تقف وراء تسميم سكريبال”.

وردّ رئيس لجنة حماية السيادة الوطنية في مجلس الاتحاد الروسي، أندريه كليموف، على التهديدات البريطانية، بالقول إن “روسيا سترد بشكل مناسب وسريع في حال أقدمت بريطانيا على ترحيل الدبلوماسيين الروس على خلفية قضية تسميم سيرغي سكريبال”. وأضاف لوكالة “سبوتنيك” الروسية، أنه “في حال أقدمت بريطانيا على ترحيل الدبلوماسيين الروس بسبب قضية سكريبال، فإن رد موسكو سيكون سريعاً ومناسباً، هذا الوضع بشكل عام يشبه عملاً معادياً لروسيا”.

وكانت السلطات الروسية سجنت سكريبال لبيعه أسراراً روسية إلى بريطانيا، إلا أنها أفرجت عنه وسلمته إلى بريطانيا في إطار صفقة تبادل جواسيس في 2010 وقد استقر بعد ذلك في مدينة سالزبري. ذكرت هيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) في وقت متأخر يوم السبت أن آثارا لغاز الأعصاب عثر عليها في مطعم إيطالي تناول فيه سكريبال وجبة قبل أن يفقد الوعي. ورفض متحدث باسم الشرطة التعليق على التقرير.

وكان المطعم، الذي تسمّم فيه سكريبال وابنته، قد أغلق أمام الجمهور هناك خشية من التعرّض لخطر غاز الأعصاب. وذكرت وزيرة الداخلية البريطانية أمبر راد، أن “نيك بيلي ضابط الشرطة الذي أصيب بتوعك بعد مشاركته في الاستجابة لبلاغ عن الهجوم ما زال في حالة خطيرة ولكنه يتكلم ويتواصل مع أسرته”. وأضافت أن “أكثر من 250 من أفراد شرطة مكافحة الإرهاب يشاركون في التحقيق الذي يجري بسرعة وباحتراف”. كما يقدّم الجيش البريطاني دعماً ميدانياً في التحقيق.

من جانبه، أعرب البيت الأبيض عن استيائه إزاء تسميم سكريبال. واعتبرت المتحدثة باسم الإدارة الأميركية سارة ساندرز، أن “استخدام غاز أعصاب قاتل ضد مواطنين بريطانيين على أرض بريطانية أمر مشين”، واصفة الهجوم بأنه “طائش وغير مسؤول”. وردا على سؤال حول دور موسكو، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض “نحن إلى جانب حليفتنا وندعمها بالكامل”. أما وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون، فاعتبر أن “الولايات المتحدة متفقة مع حليفتها بريطانيا على أن روسيا تقف على الأرجح خلف تسميم سكريبال”، مشدداً على “وجوب محاسبة المسؤولين عن محاولة الاغتيال هذه”، إثر إجرائه مكالمة هاتفية مع نظيره البريطاني بوريس جونسون تناولت محاولة الاغتيال”. ورداً على سؤال عن احتمال إقدام الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي على رد فعل بعد تعرض أحد أعضاء الحلف لهذا الاعتداء، قال تيلرسون “هذا الأمر سيستدعي رد فعل حتماً. أكتفي بهذا القدر”.

بدورها، ذكرت وكالة إنترفاكس للأنباء نقلاً عن وزارة الخارجية الروسية، أن “تهديد بريطانيا بمقاطعة كأس العالم لكرة القدم 2018 بسبب تسميم سكريبال، سيلحق الضرر بالعلاقات مع موسكو وسيؤثر على الرياضة العالمية. واقترح بعض المسؤولين البريطانيين مقاطعة كأس العالم الذي تستضيفه روسيا هذا العام رداً على ذلك. ونقلت إنترفاكس عن الوزارة قولها في بيان “نريد التأكيد مجددا: مثل هذه البيانات الاستفزازية التي تغذي المشاعر المناهضة لروسيا، لا تؤدي إلا إلى تعقيد العلاقات بين دولتينا وهي ضربة للرياضة العالمية”.

وعدا عن سكريبال، فقد اتُهمت روسيا بقتل العميل المزدوج ألكسندر ليتفينينكو، في نوفمبر/تشرين الثاني 2006، فقد كان ليتفينينكو ضابطا في خدمة الأمن الفيدرالي الروسي (إف إس بي)، التي خلفت الكي جي بي، ولكنه هرب إلى بريطانيا حيث تحول إلى ناقد شرس للكرملين. وفي سنواته الأخيرة أصبح مواطناً بريطانياً. وبعد قتله بمادة البولونيوم-210 المشعة، والتي يعتقد أنها وضعت في كوب شاي، تم كشف النقاب عن أن ليتفينينكو، كان يتلقى أموالاً من جهاز الخدمة السرية البريطاني (إم آي 6). كما عُثر على المعارض الروسي الملياردير بوريس بيريزوفسكي ميتاً في بيته بضواحي لندن في مارس/آذار 2013. قيل في حينه إنه “انتحر”، فيما تحدثت روايات أخرى عن وفاته بسبب نوبة قلبية.