أخبار عاجلة
الرئيسية » كتاباتكم » حمزة رستناوي: كردِيّ في ذهن عربي أو العكس صحيح!

حمزة رستناوي: كردِيّ في ذهن عربي أو العكس صحيح!

كتب لي أحد الأصدقاء الكرد العراقيين ما نصهُ ” صديقي العزيز حمزة ….لم أجدْكَ تذكر ما يحصل في عفرين من الظلم الأردوغاني الإخواني الجهادي السلفي بحق الكرد وبقية مواطني عفرين؟؟؟…أليست عفرين جزءا من دولة سوريا.. أليسوا من بني أدم ؟؟ أم أنَّك أيضا لا يعجبك ان يكون للكرد الحق في ادارة الدولة أو مجتمعاتهم…أو لهم رأي ومشاركة فيما يجري.. أنا وجدتُ أنه حتى بعض المفكرين العرب العلمانيين واليساريين جدا والليبراليين جدا ، عندما يأتي الحديث عن الكرد وحقوهم…يتحوَّلون الى عنصريين وفاشيين من الدرجة الأولى…لذا لا تستغرب إن أنا بدأتُ بسؤلك…عن موضوع الكرد في سوريا…وشكرا لكم” انتهى نص الرسالة
تعقيب حمزة رستناوي
(1)
الحرب التي تدور في عفرين غريبة عنّي ، وأنا غريب عنها! قبل أن نؤيّد طرفا من أطرافها ، لنفكّر معا لماذا؟! هل هو من منطق الجكارة والعصبية أم ثمّة أسباب أخرى! السلام للمدنيين الأبرياء في عفرين وكل الجغرافيا السورية.
(2)
لا يمثّل حزب الاتحاد الديمقراطي ( ب ي د ، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني) السوريين الكرد ، من هنا لا يمكن اختزال السوريين الكرد بأي حزب سياسي مخصوص ، و لكن يبقى ال ب ي د أحد التعبيرات السياسية القاصرة والأقل حيوية ضمن الحياة السياسية الكردية ، من جهة كونه حزب يتبنّى أيديولوجيا قومية أحادية أوجلانية ، ومن جهة ثبوت تورطه بانتهاكات واسعة لحقوق الانسان في الشمال السوري، يمكن مراجعة التقارير السنوية لحقوق الانسان في سوريا الصادرة عن منظمة العفو الدولية وهيومن رايتش واتش على سبيل المثال لا الحصر. و يبدو لي بأنّ هذا الحزب ليس سوى نسخة كردية متأخرة عن حزب البعث العربي الاشتراكي ! بناء على ما سبق لا ينبغي مساواة الفئوية القومية الكردية بأي حزب سياسي كردي ، تجنّبا للخلط وسوء الفهم.. ربّما تكون جناية هذا الحزب على السوريين الأكراد بما يشبه جناية حزب البعث على السوريين العرب سابقا أو جناية الإخوان المسلمين و السلفيات الجهادية على السوريين السنّة.
(3)
لا تمثّل المليشيات العربية والتركمانية السنّية المشاركة في الحملة العسكرية على عفرين السوريين العرب السنّة أو السوريين التركمان السنّة ، من هنا لا يمكن اختزال السوريين العرب والتركمان السنّة بأي حزب سياسي مخصوص ، ولكن يبقى الاخوان المسلمين وفصائل السلفية الجهادية أحد التعبيرات القاصرة والأقل حيوية ضمن الحياة السياسية للسنّة السوريين ، من جهة كونها مليشيات وتشكيلات سياسية تتبنى إيديولوجيا دينية أحادية مغلقة ، غير قادرة على بناء مشروع سياسي وطني ، ومن جهة ثبوت تورطها في انتهاكات لحقوق الانسان في مناطق سيطرتها ايضا، وهي كذلك – في حالة عفرين – تفتقد الى الاعتبار الوطني والاستقلالية عن القرار السياسي التركي.
(4)
فيما يخص الغزو والنفوذ الخارجي في سوريا يجب البناء على معيار واحد، عندئذ ينبغي إدانة أو قبول النفوذ الروسي والأمريكي والايراني والتركي على حدّ سواء، وكل فئوية عقائدية أو سياسية عليها النظر إلى نفسها بالمرآة قبل إدانة غيرها ! وبذلك نتخلص من سوق الاتهامات المّجانية والهجاء السياسي المُتبادل. مثلا حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي( ب ي د) المدعوم بشكل مباشر أمريكيا في مناطق شرق الفرات ( يوجد أكثر من 5 قواعد أمريكية ) لا يحقّ له المُزاودة على المليشيات العربية والتركمانية السنّية المدعومة بشكل مباشر تركيا ، والعكس بالعكس . من وجهة نظري ليست قضية التدخل الخارجي سوى شماعة تفيد في الجدال الاعلامي ، عمليا كل القوى السياسية السورية الفاعلة ليس لديها مشكلة بالتدخل الخارجي ولكن إن كان لمصلحتها فقط!
(5)
من الصعوبة بمكان إعادة صناعة جغرافيا سياسية جديدة في منطقة الشرق الأوسط ، وإن تمّتْ جدلا فهي ستكون في حدود دنيا وعبر مدّة طويلة ووفقا لمصالح الدول الكبرى وبتوافقات يحكمها منطق القوة لا منطق الشعوب والناس، لذلك من وجهة نظر واقعية سياسية لا أرى في المستقبل القريب و المتوسط من بديل عن أوطان : سوريا- العراق- ايران – تركيا – الأردن ..الخ. بالمقابل لقد أثبتت الصيغة الاستبدادية ( القومية أو الدينية أو العسكرية ) الأحادية فشلها في حكم البلدان عالميا، لذا ليس ثمة بديل حيوي عن دولة المواطنة المتساوية ، دولة تنتمي الى شعبها ، وتحترم تنوعهم وخصوصياتهم الثقافية والاجتماعية .
(6)
يجب أن يكون للسوري الكردي حقوق سياسية متساوية مع السوري العربي أو السوري العلوي أو السوري السنّي أو السوري أيا كانت عقيدته القومية أو الدينية. إذن المُفترض من جهة الحقوق السياسية كل السوريين متساوون ، مع حقوق ثقافية للسورين الكرد أو غيرهم تتضمن قضايا التراث الشعبي واللغة والأعياد والفنون ، وهذا مبدئيا عنصر ثراء لأي دولة أو أيّ أمة. لا ينبغي تقسيم سوريا كمحافظات ومقاطعات على أساس قومي أو طائفي ديني ، فهذا عمليا سوف يؤسس لنمو حركات انفصالية مع صراعات أثنية و قومية لا نهاية لها . نحن سوريون ومن حق السوري أن يعيش في أي مكان من الوطن السوري وأن يصل إلى أي منصب حكومي على أساس الكفاءة و بالآليات الديمقراطية . تقسيم المحافظات والمقاطعات يجب ان يكون على أساس إداري مع مراعات صيغ الحكم اللامركزي بالاستفادة مثلا من التجربة الكندية و تجربة الولايات المتحدة الامريكية، وهذا يسمح بأن تكون اللغة الكردية مثلا لغة رسمية الى جانب العربية في بعض المحافظات والمقاطعات التي يشكل الكرد فيها أغلبية عددية ، كما في حالة مثال مقاطعة كيبيك الكندية الناطقة بالفرنسية مثلا، أو أن يكون عيد النيروز مثلا عيدا وطنيا وعطلة رسمية في بعض المقاطعات، كما يقع على عاتق الحكومة المركزية تعزيز ثقافة التنوع الثقافي والتسامح ومحاربة كل أشكال العنصرية ضد الكرد أو ضد العرب أو ضد المسلمين أو ضد الملحدين حتّى!
(7)
لأسباب تتعلق بخصوصية الديمغرافيا والجغرافيا السياسية من الصعب في سوريا استنساخ التجربة العراقية واقليم كردستان العراق ( ثلاث محافظات متصلة ذات أغلبية كردية مع وجود وضع سياسي خاص تمّ تكريسه خلال عقود ) وذلك لعدم وجود مناطق اتصال جغرافي بين أيٍّ من التجمعات الكردية الخمسة الكبرى في سوريا ( 1- المالكية والقامشلي وعامودا 2- عين العرب/ كوباني 3- عفرين 4- أحياء في مدينة حلب 5- أحياء في مدينة دمشق ). المناطق السورية التي يسيطر عليها حزب الاتحاد الديمقراطي (ب ي د) في سوريا بدعم أمريكي ،غالب سكانها ليسوا من السورين الاكراد بما يتضمن الرقة وتل ابيض والطبقة ومنبج واعزاز وتل رفعت ودير الزور والحسكة وغيرها. ما قصدتهُ أن الأحزاب السياسة القومية المؤدلجة ( كردية كانت أو عربية ) غير قادرة على بناء أوطان، و لكنها قادرة على صناعة الكراهية وتوليد صراعات لا تنتهي يتمّ استغلالها وتسخيرها من قبل الدول الكبرى و دول الإقليم الفاعلة.
(8)
حق تقرير المصير ظهر تاريخيا في الحالة الاستعمارية وحق الشعوب في تقرير مصيرها بعيدا عن احتلال خارجي، وعدا حالة الاحتلال الصريح ،الأصل هو قيام دولة المواطنة المتساوية ضمن الحدود السياسية للدولة والأصل أن يسعى الافراد والجماعات لتحقيق التشاركية وصيغة المواطنة سياسيا. أما قضية الانفصال تحت مسمى حق تقرير المصير فهذه قضية معقدة لا يمكن البت فيها بسهولة.. لكونها تقوم اساسا على توازن القوى المتصارعة وحدود الجغرافيا الاجتماعية السياسية، وينبغي مناقشة كل حالة بناء على دراسة ومعطيات منفصلة، وهي قضايا اشكالية جدا حتى في قلب القارة الأوربية ذات الميراث الديمقراطي ( أقليم الباسك وكاتالونيا في اسبانيا – جزيرة كورسيكا في فرنسا – حركات انفصالية ايطالية شمالا وجنوبا- بلجيكيا حيث يوجد فيها ثلاث قوميات ..) لنتذكّر أن الدول كيانات سياسية تولد وتموت ولنتذكر بأن الدول ذات الأيديولوجيات الأحادية القومية والدينية .. هي دول فقدت صلاحياتها ..وأصبحت عبء ثقيل على حياة الانسان والمجتمع.. بعيدا عن الشعاراتية الفارغة وتوهمات الماضي المجيد.. والتفوق العرقي أو الديني.
(9)
لا يبتعد الكرد تاريخيا وحاضرا أن يكونوا مساهما أصيلا في الفضاء الثقافي العربي الاسلامي، العروبة بما يتجاوز كونها عرق بالخاصة والاسلام بما يتجاوز كونه دينا بالخاصة، و لم تشهد المنطقة عموما ما قبل فورة الفكر القومي المؤدلج بداية القرن العشرين أي صراعات عربية كردية على أساس قومي – سياسي . صديقي الكردي الذي أرسل إليّ من العراق كتب لي باللغة العربية مثلا، كثير جدا من المبدعين السوريين والعراقيين هم أكراد من جهة القومية، ولكنهم أبناء الثقافة العربية الاسلامية يكتبون ويتفاعلون بالعربية ، وهل ينتمي مبدع كبير كسليم بركات مثلا إلى غير الفضاء الثقافي العربي! اللغات/ اللهجات الكردية لم تكن مُدونة إلى أمد قريب ..و قد أسهم السياسيون والمثقفون الكرد بشكل فاعل في الحياة السياسية والمشهد الثقافي ليس باعتبارهم كردا بالخاصة بل باعتبارهم أبناء هذه الثقافة والفضاء الثقافي الاجتماعي السياسي و لم ينظر إليهم إخوانهم العرب كغرباء أو مختلفين كلّ هذا في مرحلة ما قبل فورة القوميات العربية – الكردية – التركية. كثير من المقطوعات الموسيقية عندما أسمعها لا أميز هل هي من التراث الكردي أو الفارسي أم التركي أم المار دلي مثلا! كل هذا يجب أن يمنع ازدهار ونمو الثقافة وتداول اللغة الكردية في المجتمعات الكردية .. فهذا أمر ايجابي ينبغي احترامه وتشجيعه، و ما ينطبق على الكرد ينطبق على أي قومية أخرى
(11)
ما نحتاجه هو تأسيس جديد للسياسة يقوم على مبدأ الوحدة في التنوع ، والتنوع في الوحدة ، العرب والكرد وغيرهما يشكّلون وحدةً في الوطن السوري الديمقراطي العلماني المأمول.. الوطن السوري الواحد المتنوع قوميا ودينيا . ينبغي احترام هذا التنوع بالاستناد إلى أولويات الحياة والعدل والحرية واحترام حقوق الانسان. لو نظر السوريون إلى ما يفرّقهم من قومية أو طائفة دينية أو عشائرية و مناطقية وغيرها لزالت سوريا من الوجود ولدخلنا في حروب عبثية لم ولن تنتهي! وكذلك حال العراق ولبنان وايران وكل دولة! لنبحث عن القاسم المشترك الأكبر بين الأفراد والمجتمعات .. لنؤسس لمعيار العدل ومعيار الحرية باعتبارهما حاكما في السياسة.
(12)
من نافل القول أن أتضامن – و كذلك واجب كل انسان وكل سوري – مع معاناة السوريين المدنيين في مناطق الحرب والصراع في الغوطة الشرقية وإدلب وعفرين والرقة ..الخ فهذه الحروب القذرة يدفع ثمنها الأبرياء والمدنيين، وطفل الغوطة الشرقية يساوي طفل عفرين يساوي طفل ادلب والرقة .. بغض النظر عن قومية ودين ومذهب الضحية، وبغض النظر عن هوية القاتل سواء أكان السلطة السورية الأسدية أو مليشيات عربية أو كردية أو سنية أو شيعية و سواء أكانت احتلالا روسيا أو امريكيا أو تركيا أو ايرانيا… فكلّهم سواء.
(13)
من يلوم الناس على عدم التضامن (الانساني ) مع مأساة الأبرياء من قومة العرب أو الكرد أو السنة أو الشيعة أو العلويين أو اليهود أو الأقباط .. بالخاصة ، وهو تضامن مُستحقّ بلا شك، عليه أن ينظر في المرآة نفسها ويراجع مواقفه تجاه مآسي الآخرين ، وحدة المعايير هنا دليل المصداقية ، وليس في الأمر أي جانب شخصي أو شخصنة! وهو من باب تذكير النفس والآخرين.
***

المصدر: الحوار المتمدن



تنويه : ماينشر على صفحة كتاباتكم تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع