أخبار عاجلة
الرئيسية » مجتمع » رحيل “أينشتاين” القرن الواحد والعشرين… كيف عاش ستيفن هوكينغ وما أبرز نظريّاته العلميّة؟

رحيل “أينشتاين” القرن الواحد والعشرين… كيف عاش ستيفن هوكينغ وما أبرز نظريّاته العلميّة؟

“لقد عشت مع احتمال الموت المبكر لفترة 49 عاماً، لست خائفاً من الموت، ولكنني لست مستعجلاً عليه، لديّ الكثير لأفعله أولاً”، بهذه الكلمات تكلّم عالم الفيزياء ستيفين هوكينغ عن الموت في حديث لصحيفة “الغارديان” البريطانية عام 2011 .

وبعد حياة علميّة حافلة، رحل عالم الفيزياء عن عمر يناهز السادسة والسبعين حيث أصبح واحداً من أكثر علماء عصره شهرة، وقد حصل هوكينغ على 12 درجة فخريّة ووسام الفروسية برتبة قائد. وفي العام 2009، مُنح وسام الحرية الرئاسي، وهي أعلى جائزة تُمنح لمدني في الولايات المتحدة.

وُصف هوكينغ بـ”المعجزة الطبيّة”، إذ عاش 54 عاماً بعدما توقّع الأطباء موته إثر إصابته، عام 1963، بالمرض العصبي الحركي (مرض العصبون الحركي) حين كان  في الـ21 من عمره. وقتها توقع الأطباء أنه سيعيش سنتين على أبعد تقدير، إذ لم يعش سوى 5 في المئة ممن أصيبوا بنفس مرض هوكينغ لأكثر من عشرة أعوام.

وقد تحول مرض هوكينغ من “صدمة مروعة”، كما قال، إلى عنصر رئيسي في رسم ملامح مستقبله، حيث وصف حالته ذات مرّة قائلاً: “مع هالة الغموض التي اكتنفت مستقبلي، وجدت نفسي استمتع بحياتي أكثر من ذي قبل. وكان ذلك شيئا مفاجئاً لي”.

هالة الغموض التي اكتنفت مستقبله تحوّلت مع الوقت إلى نجاح جعل أستاذ الرياضيات والفيزياء النظرية في جامعة كامبريدج يُعرف بأنه أذكى علماء الفيزياء النظرية منذ عالم الفيزياء الشهير ألبرت أينشتاين. وللمصادفة تزامنت وفاة هوكينغ مع اليوم نفسه لذكرى ولادة أينشتاين.  
“أينشتاين” بمستوى دراسيّ متوسط

حتى في الطفولة وأيام المدرسة، تشابه هوكينغ مع أينشتاين. طفولة الأخير كانت صعبة، إذ تأخر في النطق والمشي وعند دخوله إلى المدرسة اعتبر معلموه أنه متأخر عن رفاقه بسبب “غبائه”.

مستوى هوكينغ المدرسي كان يتأرجح كذلك بين المتدني والوسط. لكن هوكينغ كان في مكان آخر عن رفاقه في المدرسة، حيث انصبّ تركيزه على معرفة كُنه الأشياء وكيفيّة عملها، وانشغل بتفكيك الساعات وأجهزة الراديو حتى بات زملاؤه يلقّبونه بأينشتاين.

في مرحلة الثانوية لم يكن متفوقاً كذلك، إلا أن والده، الذي هرب مع عائلته من لندن بسبب الغارات الألمانية إبان الحرب العالمية الثانية ليستقر في أوكسفورد، كان يريد منه أن يُكمل دراسته في الطب، بينما أصرّ هوكينغ على دراسة الفيزياء.

حصل على شهادة في الفيزياء من جامعة أوكسفورد وانتقل بعدها إلى كامبردج لإكمال دراسته في علم الكونياّت، وحينها شُخّص بالإصابة بمرض التصلب الجانبي الضموري ليصبح مشلولاً بشكل شبه كلي.

تزوّج أوّل مرة في العام 1965من جين وايلد وأنجب ثلاثة أبناء منها، بينهن لوسي التي شاركها عام 2007 كتابة كتب خاصة بالأطفال يشرح فيها الكون بطريقة مبسطة مثل “مفتاح جورج السرّي إلى الكون” (George’s Secret Key To The Universe). 

وقال هوكينغ عن قصته مع وايلد “بدأت أحقق تقدماً في أبحاثي، وارتبطت بفتاة تُدعى جين وايلد بعدما قابلتها في فترة تشخيص حالتي الصحية. وكان ذلك نقطة تحول في حياتي، إذ منحتني سبباً أحيا من أجله”.

وفي العام 1985، أصيب هوكينغ بالتهاب رئوي زاد من معاناته مع المرض، ما استدعى شقّ حنجرته ففقد  القدرة على الكلام، بعد ذلك، قام المهندس الأمريكي والت وولتر بتطوير نظام حاسوب أتاح لهوكينغ التواصل من خلال كتابة الكلمات على جهاز الكمبيوتر، ليقوم خبير آخر لاحقاً بتطوير برنامج يمكن وضعه على الكرسي المتحرك الذي كان يستخدمه.

في العام 1988، نشر كتابه الذي يحمل عنوان “تاريخ موجز للزمن” وبيعت منه أكثر من 10 ملايين نسخة، واُنتج فيلم عن حياته الشخصية والعلميّة، حمل عنوان “نظرية كل شيء”، وقام الممثل إيدي ريدماين بدور هوكينغ في الفيلم. وفي العام 1995 ترك زوجته ليتزوج إحدى ممرضاته.

هكذا عاش هوكينغ حياة حافلة منذ بداياته ليتحوّل إلى أهم عالم عرفته البشرية في القرن العشرين و بداية الألفية الثالثة. فما هي أبرز نظرياته التي أثارت جدلاً حول الفيزياء والكون؟
الثقوب السوداء ليست سوداء

نال هوكينغ شهرة واسعة بسبب نظريته حول الثقوب السوداء ونظرية كلّ شيء، التي ترجح أن الكون يتطور وفقاً لقوانين محددة.

في العام 1974، أثبت هوكينغ نظرياً أن الثقوب السوداء تصدر إشعاعاً على عكس كل النظريات المطروحة آنذاك، وسُميّ هذا الإشعاع باسمه “إشعاع هوكينغ”. كانت الفكرة صادمة ومثيرة للجدل، ومع ذلك، يعتقد معظم علماء الفيزياء في الوقت الحاضر أن إشعاع هوكينغ سيتولد من قبل الثقوب السوداء.

أكمل بحوثه في مجال الثقوب السوداء لتتوالى نظرياته في هذا المجال، ومنها ما قاله عام 2015 من أنّ هذه الثقوب قد تقود إلى أكوان أخرى، وأنها ليست “سوداء”، كما يتمّ وصفها، أو “سجناً أبدياً” كما كان يعتقد.

وكانت النظريات العلمية تقول إن الثقوب السوداء تتمتع بجاذبيّة عالية للغاية وأنها تبتلع كل شيء بما في ذلك الضوء، ولكن هوكينغ قال إن هناك مخرجاً من الثقوب السوداء، وأنه اكتشف آلية يمكن بواسطتها “استعادة أي معلومات من الثقوب السوداء”، معتبراً أن “المعلومات المفقودة في الثقوب السوداء يمكن أن تتحول إلى شكل من أشكال الهولوغرام أو أن تنبثق إلى كون آخر بديل”.

واعتبر حينها أن وجود تواريخ بديلة مع الثقوب السوداء يشير إلى أن هذا الأمر ممكن، وأن الثقب الأسود سيحتاج إلى أن يكون كبيراً، وأنه إذا كان يدور، فإنه قد يكون لديه ممرّ إلى كون آخر. وعلّق على نظريته ممازحا “ومع ذلك، لا يمكنك أن تعود إلى كوننا، ولذلك على الرغم من أنني مغرم بالسفر في الفضاء، فإنني لن أحاول ذلك”.

وبعد هذه النظرية قال إنه سيكون من الممكن تسخير طاقة الثقوب السوداء، إذا كان حجمها ملائماً لهذه العملية، لأن الثقب الأسود الذي يبلغ حجمه نفس حجم الشمس، من الممكن أن تتسرب منه جزيئات من المستحيل اكتشافها.

في المقابل، قال إنه يمكن أن يكون هناك ثقوب سوداء أصغر كثيراً من حيث كتلتها، أي تقريباً مثل كتلة جبل على سطح الأرض، وهذا الثقب الأسود بحجم الجبل يمكنه أن يعطي قدراً من الأشعة السينية وأشعة غاما، بمعدل حوالي 10 ملايين ميغاوات، ما يكفي لتزويد إمدادات الكهرباء في العالم أجمع.

وقد عُرف هوكينغ بروح الدعابة وهو القائل “الحياة كانت لتكون تراجيدية لو لم تكن مضحكة”. وقد استخدم روح الفكاهة هذه للتعبير عن عدم نيله جائزة نوبل قائلا:”لقد بحث الناس طويلاً عن الثقوب السوداء الصغيرة، ولكن حتى الآن لم يتم العثور على أي منها، وهذا أمر مؤسف، لأننا لو وجدنا واحداً منها لكنت حصلت على جائزة نوبل”.
الذكاء الأصطناعي سيتغلب على ذكاء البشر

يعتقد هوكينغ أن المستقبل سيكون عبارة عن مسابقة تتنافس فيها القدرات المتزايدة للعقل الصناعي وقدرة الإنسان على توجيه هذا العقل في المجرى المطلوب، معتبراً أنّ الناس يفكرون في هوية من سيتحكم في عقول الحواسيب ولكنهم لا يفكرون في احتمال عدم سماح هذه العقول بالتحكم فيها إطلاقاً.

ورأى هوكينغ  أن العقل الصناعي سيتفوق على عقل الإنسان خلال المئة عام المقبلة، وأنّه يجب فعل كل ما بوسعنا لتتماشى أهداف عقل الماكينات مع أهداف البشر، معتبراً أن العقل الصناعي يجب أن يبقى تحت سيطرة الإنسان، وفي حال حدوث عكس ذلك سيتم القضاء على البشر كلهم.
المخلوقات الفضائية

“أهدافي بسيطة، إنهاء فهم عالمنا، لماذا هو على ما هو عليه، ولماذا وجد؟”، هكذا لخص هوكينغ ما يريده، وهذا ما عمل على تحقيقه طيلة حياته، أمّا السؤال إذا كان بلغ هدفه فهو نفسه يجيب عنه، إذ قال يوماً “توقعاتي انخفضت للسفر عندما كنت في الـ 21 من عمري(في إشارة إلى مرضه)، وكل شيء بعد ذلك كان مكافأة”.

ويقول هوكينغ إن الكون يحتوي على مليار مجرة و التي بدورها تتضمن مئات الملايين من النجوم، كما يضيف أنه من غير المرجّح أن يكون الأرض هو المكان الوحيد الذي يحتوي على الحياة.

ورجحت هذه النظرية، حسب هوكينغ، احتمال وجود مخلوقات أخرى في الفضاء الواسع إلا أن التحدّي الحقيقي هو معرفة كيف هي هذه المخلوقات.

و قد حذّر هوكينغ العلماء من الإتصال بالمخلوقات الفضائية، حتى لا يتسببوا في كارثة للجنس البشري.
نظريّة توسع الكون

طوّر هوكينغ مع معاونه جيم هارتل، من جامعة كاليفورنيا، نظرية اللاحدود الكونية، والتي غيّرت المفهوم القديم للحظة الانفجار الكبير وتصوّر نشأة الكون.

وأدرك هوكينغ أن الانفجار الأعظم كان أشبه بانهيار ثقب أسود في الاتجاه المعاكس، وقال إن الكون كان فيما مضى عبارة عن نقطة واحدة شديدة الكثافة، فانفجرت وتمدّد الكون وهو في حال تمدد مستمرة.

يُذكر أن العالم الشهير قام  عام 2007 بتجربة انعدام الجاذبية لمدة 25 ثانية، وكانت أول مرة يتحرّك فيها هوكينغ بعيداً عن كرسيه منذ مرضه حين تم القيام بهذه التجربة داخل طائرة “بوينغ 727” تمّ تعديلها لتحلق بزاوية حادة على ارتفاع يصل إلى 32 الف قدم (حوالي 10 آلاف متر). 
لا نحتاج لحياة بعد الموت

لم يفكر هوكينغ بالحياة بعد الموت لأن الأمر محسوم عنده، فالدماغ البشري مثل الحاسوب يتوقف عن العمل مع تعطّل مكوناته حيث قال: “لا توجد جنّة أو حياة أخرى لأجهزة الكومبيوتر المتوقفة عن العمل، إنها قصة خرافية للأشخاص الذين يخافون من الظلام”.

وشرح أكثر في تلك النظريّة معتبراً أن الإنسان لا يحتاج إلى حياة بعد الموت ليحسن التصرف في حياته هذه، على اعتبار أننا “لا نحتاج إلى حياة بعد الموت حتى نتصرف بشكل جيد في حياتنا، يجب أن نبحث عن القيمة العظمى لأعمالنا”، حسب هوكينغ.

واجه هوكينغ الكثير من الانتقادات انطلاقاً من نظرياته حول فكرة الحياة بعد الموت أو الإله القوي، لكنه دافع عن موقفه قائلاً “كان من الطبيعي الإيمان بالله قبل العلم ولكن العلم أعطى تفسيرات أفضل اليوم”.

وكان قد ووجه كذلك بانتقادات حول كتابه “تاريخ موجز للزمن” حين ذكر “عقل الله”، لكنّه أوضح لاحقاً أن استخدام “عقل الله” كان على سبيل الإستعارة قائلا: “ما عنيته بعبارة سنعرف عقل الله أننا سنعرف كل ما يعرفه الله في حال كان موجوداً، ولكنه ليس موجوداً، أنا ملحد”.

المصدر: رصيف 22