أخبار عاجلة
الرئيسية » مجتمع » أحد مراكز التبرع بالطعام بالمجان يمتنع عن تقديم الأكل للمهاجرين! وغضب عارم بسبب القرار

أحد مراكز التبرع بالطعام بالمجان يمتنع عن تقديم الأكل للمهاجرين! وغضب عارم بسبب القرار

قبل عدة أعوام، فتحت المستشارة الألمانية أبواب بلادها أمام اللاجئين فيما عُرف بسياسة الباب المفتوح؛ من أجل حمايتهم من الحروب التي تطحن بلادهم. لكن مع الوقت، تحول الأمر إلى متاعب تواجهها ميركل؛ بسبب الطبقة الألمانية الفقيرة.

يبدو أن سياسة توطين وتوزيع اللاجئين على المدن الرئيسية والتي انتهجتها ألمانيا، لم تحقق المرجوَّ منها؛ بل تحولت إلى مشكلة كبيرة، بسببها يتزاحم الناس أمام بنوك الطعام، التي رفعت شعار “الألمان أولاً”، بحسب تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية الخميس 15 مارس/آذار 2018.

وقالت الصحيفة الأميركية: “لا يرغب يورغ سارتور في إبعاد الوافدين الجدد على بلده عن بنك الطعام الذي يُديره، وخاصةً الأمهات العزباوات، مثل المرأة السورية الشابة التي انتظرت برفقة ابنها، البالغ من العمر 5 سنوات، في الخارج منذ ما قبل الفجر.

لكنَّ القواعد أحرى أن تُتَّبع. وفي الوقت الحالي، تنص القواعد على أنَّ بنوك الطعام للألمان فقط.

قال سارتور ملوّحاً للصبي: (تعال إلى هنا). اختفى سارتور بإحدى غرف التخزين وظهر من جديد وفي يده لعبة خشبية. ثم اعتذر للصبي وأمه وأرشدهما إلى خارج المكان، الذي حُفر على بابه طوال الأسبوعين الماضيين كلمة واحدة: (نازيون)”.

غضب بسبب القرار

وبحسب الصحيفة الأميركية، أثار قرار أحد بنوك الطعام بمدينة إيسن في غرب ألمانيا (الذي توقف عن تسجيل المزيد من الأجانب بعدما صار المهاجرون يشكلون تدريجياً غالبية مستخدميه) موجةً عارمة من الغضب في المدينة، التي كانت تشتهر فيما سبق بإنتاج الفحم، لكنَّها الآن ضمن مدن حزام الصدأ في ألمانيا، وانتشر الغضب كذلك في جميع أنحاء البلاد. حتى إنَّ المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، علَّقت على الأمر: “لا ينبغي تصنيف الأشخاص على هذا النحو”.

لكنَّ هذا الجدل سلط الضوء على حقيقةٍ مؤرِّقة، فبعد 3 سنوات من استقبال ألمانيا أكثر من مليون لاجئ، وقع كثير من عبء دمج الوافدين الجدد، على أكثر الألمانيين فقراً، الذين تغيرت أحياؤهم وصار يتعين عليهم التنافس على الشقق المدعومة والأماكن المدرسية، وعلى الوجبات المجانية في حالة بنوك الطعام، بحسب الصحيفة الأميركية.

اسأل أياً من الألمان المصطفّين خارج برج المياه السابق الذي يحتضن بنك الطعام، في صباح أحد الأيام، وسيطلقون على سارتور لقب “بطل الشعب”.

إذ قالت بيجي لوهس، (36 عاماً)، الأم لـ3 أطفال، إنَّه “يحمي ظهورنا”.

وروت بيجي أنَّ مجموعاتٍ من الشبان المهاجرين كانوا أحياناً يشقون طريقهم عنوةً ويقفون في مقدمة الصف؛ ما أدى إلى عودتها لمنزلها خالية الوفاض أكثر من مرة، وقالت إنَّ بعض النساء المسنّات تعرضن للترهيب، لدرجة أنَّهن توقفن عن المجيء من الأصل.

وقالت ماريان ريمان، (62 عاماً)، إحدى الواقفات أيضاً في الصف: “لقد عملنا ودفعنا الضرائب في هذا البلد. كيف نُقصَى بهذا الشكل، بينما يحصل أولئك الذين أتوا للتو على ما يحتاجونه؟!”، بحسب الصحيفة الأميركية.

سياسة توزيع اللاجئين

وبحسب “نيويورك تايمز”، عندما وصل نحو 1.2 مليون مهاجر إلى ألمانيا في عام 2015 وأوائل 2016، وُزِّعوا في جميع أنحاء البلاد، بهدف تقاسم التكلفة وتحسين فرص إندماجهم في المجتمع. لكنَّ كثيرين تركوا منازلهم في وقتٍ لاحق، وارتحلوا إلى مناطق تضم بالفعل عدداً كبيراً من المهاجرين.

ووفقاً لبيتر رينزل المسؤول عن السياسة الاجتماعية في مجلس المدينة، شهدت مدينة إيسن التي يقطنها 600 ألف نسمة، نمو مجتمعها السوري إلى قرابة 11 ألف لاجئ، مقارنةً بـ1300 شخص في عام 2015، ويعيش معظمهم بأحياء الطبقة العاملة في الشمال.

ووصف رينزل الأمر بأنَّه “تحدٍّ”، وأضاف أنَّ “بعض المناطق تتحمل عبئاً غير متناسب مع قدرتها”، بحسب الصحيفة الأميركية.

يبدو مشهد الصف، الذي ينتظر فيه البعض أدوارهم بينما يندفع آخرون إلى الأمام بصورةٍ غير عادلة، مألوفاً لكارلينز إندروتشات، وهو ديمقراطي اشتراكي محلي يمثل مقاطعة ألتنيسن الشمالية.

أصبحت الشقق نادرة، بينما أفادت المدارس بأنَّ 9 من أصل 10 من طلابها هم من غير الألمان. ويشعر بعض السكان الألمان بالغربة؛ بسبب عدد القادمين الجدد.

قال إندروتشات: “هناك أوقات تمشي فيها في الشارع وتشعر بأنَّك ضمن الأقلية”.

إندروتشات ليس من المعجبين بقرار سارتور بتمييز الناس بجوازات سفرهم، لكنَّه أكثر انتقاداً تجاه أولئك الذين يرفعون أصابع الاتهام وهم لا يمرون بما يمر به الفقراء هنا.

وقال إندروتشات إنَّ “الذين يصرخون بأعلى الأصوات هم الأبعد عن المشكلة”.

ميركل: سندبِّر أمرنا!

وبحسب الصحيفة الأميركية، عندما فتحت ميركل الحدود، قالت علناً: “سنتدبر أمرنا”، لكنَّ بعض المدن تُصرح الآن بأنَّها غير قادرة على ذلك.

كانت مدينتا كوتبوس وفرايبرغ في ألمانيا الشرقية السابقة، ودلمنهورست وزالتسغيتر اللتان كانتا تتبعان ألمانيا الغربية، من بين عددٍ من المدن التي اتخذت خطواتٍ لمنع المزيد من اللاجئين من الاستقرار هناك، قائلةً إنَّها استقبلت من اللاجئين قدر سعتها أو يزيد.

وسعى عددٌ من بنوك الطعام إلى الحد من التوترات؛ بفصل المهاجرين عن الألمان، وذلك عبر تقسيم الأوقات أو الأيام، فيما حظر البعض الآخر الشبان من الاشتراك، ليس لاستهداف المهاجرين نظرياً، لكن عملياً كان هذا هو الهدف بالتحديد، بحسب الصحيفة الأميركية.

كان سارتور يجلس بمكتبه المكتظ في إيسن صباح يومٍ قريب، عاقداً ذراعيه بصرامة حول خصره الضخم، وهو يقول: “إنَّهم يفعلون ما أفعله، لكنَّهم لا يصرحون بذلك”.

سارتور، هو عامل سابق بمجال الفحم، تقاعد في وقتٍ مبكر عندما أُغلق منجمه، ويدير الآن بنك الطعام منذ 12 عاماً بصفته متطوعاً.

وتعمَّد ترك الرسومات النازية على الباب وعلى عربات الشحن الخيرية السبع التي شُوِّهت، ووصف الأمر بأنَّه “سخيف”، بحسب الصحيفة الأميركية.

وقال إنَّه منذ 3 سنوات فقط، كان 1 من كل 3 من مستخدمي بنوك الطعام من الأجانب، لكن بحلول نوفمبر/تشرين الثاني 2017، أصبحوا 3 من كل 4.

عادةً ما يُسجل مستخدمو بنك الطعام للحصول على تصريح لمدة عام، بعد تقديم ما يثبت احتياجهم للمساعدة. كانت فكرة سارتور هي منع غير الألمان من الاشتراك، على الأقل مؤقتاً، بينما يستمر بنك الطعام في خدمة هؤلاء الأجانب الموجودين بالفعل في قوائمه.

عندما ظهرت رسالة حول السياسة الجديدة، على موقع بنك الطعام، في 8 ديسمبر/كانون الأول 2017، لم يشتكِ أحد. لكن عندما كتبت الصحيفة المحلية عنها في الشهر الماضي (فبراير/شباط 2018)، انتشر القرار فجأة في الأخبار الوطنية، بحسب الصحيفة الأميركية.

الاتفاق على رفع الحظر

ونظراً إلى الجدل، اجتمع ممثلون عن بنك الطعام والمدينة ومجموعات المهاجرين في أثناء عطلة نهاية الأسبوع، واتفقوا على رفع الحظر “في أقرب وقتٍ ممكن”، لكن فقط بعد أن يتساوى عدد المهاجرين والألمان الأصليين، بحسب الصحيفة الأميركية.

في الوقت الراهن، لا يزال نصيب الأجانب من مستخدمي بنك الطعام 60%، على حد قول سارتور.

استقال 1 من 120 من زملائه المتطوعين؛ احتجاجاً على القرار، لكن أولئك الذين يوزعون الخبز والسمك والخضراوات والفاكهة في فترة ما بعد الظهيرة، قالوا إنَّه يجب عمل شيءٍ ما.

وكانت أحدهم، وهي ستيفي تام، تتحدث لتوها عبر الهاتف مع امرأة مسنّة كانت تستفسر عما إن كان من “الآمن” العودة إلى بنك الطعام: “هل رحل هؤلاء الشباب؟”.

تقول ستيفي إنَّ بعض التهديدات مُتصوَّرة أكثر من كونها حقيقية، لكنَّها تذكرت كيف كان الأمر أشبه بمباراة رغبي كلما فتحت الباب يوم التوزيع في العام الماضي (2017).

وقالت وهي تشير إلى الباب: “جاءوا من الجانبين، وتجاوزوني شخصياً!”.

في بداية الأمر، انضمت ستيفي، الأم العزباء، (39 عاماً)، إلى بنك الطعام بصفتها “مستفيدة”. كان ذلك قبل 10 سنوات، وتصف أنَّها كانت تقف ضمن الصف بالخارج في شارع مزدحم على مرمى حجر من المحطة الرئيسية، وعلى مرأى من الجميع.

قالت: “هناك بالفعل شيء من العار في الوقوف هناك. آخر شيء تحتاجه هو أن تحارب من أجل مكانك”.

إنَّها مسألة “كرامة” على حد قولها.

وهي كذلك بالنسبة للآخرين أيضاً؛ إذ قالت حبيب بنفش، الأمّ السورية التي طُلِب منها الرحيل خالية الوفاض في أحد الأيام الأخيرة، إنَّها تكره الاضطرار إلى الوقوف لتلقي المساعدات الخيرية، وأضافت بهدوء: “أفضل أن أكون بالبيت في بلدي”، بحسب الصحيفة الأميركية.

لكنَّ الحرب ما زالت مشتعلة في مدينتها عفرين، وهي وحدها التي ترعى ابنها يوسف بعد رحيل والده.

وتابعت: “نحن بحاجة إلى المساعدة”.

فوارق في طريقة التصرف

وبحسب الصحيفة الأميركية، فإنه بالإضافة إلى الحواجز اللغوية والثقافية، تحدث البعض هنا عن وجود فارق في طريقة التصرف بين الألمان الضعفاء المحتاجين الذين غالباً ما يكونون من كبار السن، والمهاجرين الشباب، الذين غالباً ما يكونون من الذكور ومروا بالكثير. لم يصل المهاجرون إلى هذا المكان باتباع القواعد، لكن بالتمرد عليها.

وقالت بريتا ألتنكامب، العضوة المحلية في برلمان الولاية، إنَّ “استعداد هؤلاء اللاجئين الشباب وقدرتهم على تحديد مصائرهم بأنفسهم، تهددان الأشخاص الذين تخلّوا عنها منذ فترةٍ طويلة. ونحن نتوقع الآن أن يكون هؤلاء الأشخاص وجهاً لألمانيا المتسامحة والمُرحِّبة”.

أدى هذا الجدل إلى انقسام شبكة بنوك الطعام، التي تضم أكثر من 930 بنكاً غذائياً في جميع أنحاء البلاد، مثل ذلك الموجود في إيسن وتنتمي إلى مؤسسة تافل الخيرية. نمت المؤسسة لتضم 60 ألف متطوعٍ، وتخدم 1.5 مليون شخص في جميع أنحاء ألمانيا، عانى الكثير منهم توتراتٍ مماثلة، بحسب الصحيفة الأميركية.

أسست سابين ويرث، المديرة الحالية لفرع برلين، الشبكة في عام 1993 عندما اجتاحت موجة من التشرد مدينتها. وقالت سابين، (61 عاماً): “أحد مبادئنا التأسيسية، هو أنَّنا نخدم حسب الحاجة، وليس الأصل”.

وأضافت أنَّ ما قاله سارتور وفعله يعنيان: “ألمانيا أولاً”.

لكنَّ تعبير “ألمانيا أولاً” يحظى بشعبيةٍ لدى الكثيرين، وهو ما عرفته سابين بطريقةٍ قاسية في الأيام الأخيرة؛ إذ كانت “الصرصور” و”الحثالة” و”عاهرة الأجانب”، ضمن الإهانات التي تلقتها في صندوق بريدها، وقالت إنَّ أحد المتبرعين لفرعها منذ فترةٍ طويلة، حوّل تبرعه من برلين إلى إيسن.

وهو ليس الوحيد. تباهى سارتور مفتخراً بحساب تبرعاته: على مدار الأسبوعين الماضيين، تلقى بنك الطعام تبرعاتٍ تساوي ما يتلقاه عادةً في غضون 6 أشهر. يحاول البعض تخصيص تبرعاتهم للألمان فقط، لكنَّ سارتور لا يقبل تلك التبرعات، بحسب الصحيفة الأميركية.

وصندوق بريده يمتلئ عادةً بعبارات الثناء؛ إذ تقول إحدى الرسائل: “استمر”، فيما تقول أخرى: “لتحلَّ عليك بركة الإله”. ولديه 2340 رسالة بريد إلكتروني غير مقروءة بعد.

وقال رئيس الجمعية الخيرية يوخين بروهل، إنَّ الجدل الدائر حالياً في البلاد انحرف عن النقطة الأساسية، وأشار إلى أنَّ ألمانيا هي أغنى دولة في أوروبا، ويبلغ فائض ميزانيتها أكثر من 40 مليار يورو (55 مليار دولار).

وأضاف: “البلد كله متحفز تجاه ذلك البنك الصغير بإيسن، في حين أنَّ الفضيحة الحقيقية تكمن في أنَّ هذا البلد الغني يُخفي هذا القدر من الفقر!”.