أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » زفرة الثّوري الأخيرة

زفرة الثّوري الأخيرة

مع بداية الحراك الثوري في الغوطة قرب دمشق، حاول النظام الالتفاف على مطالب الناس بالحرية، بإرسال وفود عسكرية من أجل التفاوض مع الأهالي لسماع مطالبهم، محاولةً منه لإظهار أن ما يحدث مطالب فردية، ولا تخص ثورة مجتمعية ضده.

وبالفعل انجر بعض الأهالي إلى هذه المسرحية، فهذا الذي يطالب بأن يمتلك بيتا، وتلك التي تريد تزويج ابنها، وذاك الذي يريد أن يمتلك سيارة كأبناء الضباط.. لكن هذه المحاولة اصطدمت بمثابرة الحراك في أغلب مناطق ريف دمشق، وخصوصا دوما التي كانت النواة لانطلاق شرارة الثورة في جميع مناطق الغوطة الشرقية.

وقد استفاد النظام بترويج فكرة بين عناصره، أن ما يحرّك هؤلاء الناس هو الجشع والحقد على الطائفة الحاكمة، وكثيراً ما أصبح يتردد بين أفراد الجيش هذا النوع من الكلام، وبدأ يتشكل الخوف من إمكانية سيطرة السُنة على الحكم وخسارة الامتيازات الوهمية التي تأخذها الأقليات الطائفية. وبهذه الطريقة، وجدت أول معادلة لصناعة التوحش، أصبح هناك “نحن” وأصبح هناك “هم”.

ولأن “هم” هي الفئات الشعبية الثائرة، كان لا بد من إظهار وجهها العنيف للطرف الأول، وما هي إلا فترة وجيزة حتى أخرج النظام الإسلاميين من السجون، وقد سربت قناة الجزيرة أوراق التوقيع على خروجهم التي كان قد تم تهريبها من محكمة أمن الدولة، وفي مقدمتهم زهران علوش، الذي أسس جيش الاسلام. وفي الوقت نفسه، بدأ النظام بتصفية نشطاء الحراك السلمي والمدني واعتقالهم، والجميع بات يعلم بقية القصة.

استمر الدعم الدولي للنظام الذي رُفعت عنه جميع الخطوط الحمراء، وصار شعار النظام استخدام القوة والقوة المفرطة. وعلى الرغم من الهدوء النسبي الذي عاشته غوطة دمشق، كانت الجبهات الأخرى تشتعل، وخصوصا في داريا وبرزة، وبدأت تظهر على السطح الانقسامات الفصائلية والسياسية الحادة لدى المعارضة، والتي تحولت إلى حروب شتتت جهود الثوار على الأرض.

وقد ترافق ذلك كله مع زيادة تدفق الميليشيات الطائفية الموجَهة إيرانياً، وتوسع سيطرة داعش على مناطق واسعة. وعلى الرغم من ذلك، استطاع الجيش السوري الحر والشعب السوري مقاومة كل هذه التداعيات، بعد دفع ضرائب عالية من حصار وقصف وتجويع، وتقهقرت مليشيات عديدة، وقِطَع الجيش السوري على حساب تقدم الجيش السوري الحر، حتى طلب رأس النظام السوري من الجيش الروسي التدخل في سبتمبر/ أيلول من عام 2015، لتنقلب المعادلة رأساً على عقب من خلال سياسة الأرض المحروقة التي خلَّفت مجازر عديدة.

الطائرة الآن فوق غوطة دمشق، يتذكر قبطانها أحد ألعاب البلاي ستيشن، يحدد الهدف ويطلق، هو الآن لا يرى إلا موقعاً تم إصابته بقنابل الغاز بلا أي دقة متناهية، وعلى أهل الغوطة أن يتنفسوا هذا الهواء المليء بالكلور، وأن يزفروه كزفرة الثوّري الأخيرة.

أحمد عزام (فلسطين)



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع