أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » أسرار صفقة الرهائن القطرية تُكشف لأول مرة… كيف استفادت إيران و”حزب الله” منها مالياً واستراتيجياً؟

أسرار صفقة الرهائن القطرية تُكشف لأول مرة… كيف استفادت إيران و”حزب الله” منها مالياً واستراتيجياً؟

.في 16 ديسمبر عام 2015، أُعلن عن اختطاف 26 صياداً قطرياً، بينهم أفرادٌ من العائلة الحاكمة، جنوبي العراق، بعد 25 يوماً من توجههم إلى هناك لممارسة الصيد، حسب ما صرّحت الجهات الرسميّة العراقية آنذاك.

لم تُعلن أي جهة المسؤوليّة عن اختطافهم حينها، وبقيت مسألة الخطف وتفاصيلها غارقة في الغموض، حتى تمّ تحرير الرهائن في أبريل عام 2017 بعد مفاوضات حُكي أن قطر دفعت خلالها مليار دولار، وأسهمت في إبرام صفقة إجلاء مدنيين ومقاتلين من أربع بلدات محاصرة في سوريا.

بقي الغموض يلفّ كواليس تلك الصفقة، ليعود الصحافي الأمريكي روبرت ف. وورث بعد حوالي عام على تحرير الصيادين القطريين بتفاصيل وأسرار ما جرى، من مجريات التفاوض إلى كيفيّة نقل الأموال، وصولاً إلى الاتصالات القطرية مع الخاطفين وتمويلهم من خلال فدية ذهبت، حسب وورث، إلى الحرس الثوري الإيراني و”حزب الله” و”جبهة النصرة”، وأثّرت على مجريات الصراع في المنطقة.

ماذا جرى في مطار بغداد؟

يبدأ وورث من مطار بغداد الدولي، وتحديداً من صالة الشخصيات المهمة البعيدة عن ضوضاء صالة الوصول والمغادرة الرئيسيّة.

كي تحظى بهدوء ذاك المكان النظيف في المطار، يقول وورث، كلّ ما تحتاجه معارف قوية وأن يكون بحوزتك 150 دولاراً تمكنك من الجلوس على إحدى الأرائك الجلديّة البيضاء بينما تحتسي الإسبرسو، وتتأمل حولك لتأخذ فكرة عامة عن الأشخاص المختلفين الذين يشاركون في حكم الشرق الأوسط.

في يوم عادي، والكلام لوورث الذي شغل إدارة مكتب “نيويورك تايمز” في بيروت وعمل لفترة طويلة كمراسل للصحيفة، قد ترى في الصالة ضباطاً من الحرس الثوري بزيهم الرسمي وقد ترى دبلوماسيين أتراك وروس يحاولون رشوة المسؤولين العراقيين بطرق خاصة، وقد ترى “بارونات” النفط الخليجي… الجميع مرحب به هناك طالما يتكلّم بلغة المال.

ولكن حتى في ذلك المكان، يقول وورث، إن ثمة حدود للمعاملة الخاصة، والمثال عن تلك الحدود كان ما جرى في 15 أبريل العام الماضي.

في ذلك اليوم، وصل إلى صالة الشخصيات المهمة رجل قطري قادماً في رحلة مسائية من الدوحة. عند وصوله، أعلن أنه مبعوث رسمي رفيع المستوى، مؤكداً أنه لا يريد أن يتم تفتيش حقائبه هو والزملاء الـ14 القادمين معه.

بعد جدال طويل، أصرّ مسؤولو المطار بأدب على تفتيش الحقائب الـ23 التي كانت بحوزة القطريين، خاصة أنهم لم يتمكنوا من رؤية ما في داخلها على الماسحات الضوئية، بينما واجه العتّالون صعوبة في حملها نتيجة ثقل وزنها.

بدا القطريون في حالة صدمة. تشاوروا في ما بينهم، وأجروا عدداً من المكالمات الهاتفية ثم سمحوا للشرطة بالتفتيش.

لاحقاً رفضوا مغادرة المطار دون حقائبهم لكن دون نتيجة، وحين غادروا فجراً كان الضباط في المطار يعاينون الحقائب التي تحتوي على عملات نقدية (بالدولار واليورو) بقيمة 360 مليون دولار.

بعد أسبوع، وبحسب الرواية التي يعرضها تقرير وورث المطوّل في “نيويورك تايمز”، كانت الأموال لا تزال محتجزة في المطار، فيما كان الوفد القطري يغادر بغداد في الطائرة نفسها التي وصل بها، ولكن هذه المرة كان برفقته الصيادين القطريين.

يقول وورث إن ما جرى هو صفقة دفعت قطر بموجبها المال إلى الجماعات المسلحة، في منطقة يتآكلها الانقسام الطائفي والحروب الأهلية العنيفة.

صحيح أن رحلة الوفد القطري القصيرة إلى بغداد تجاوزت تكلفتها 360 مليون دولار، لكن ذاك المبلغ الضخم، والكلام لوورث، لم ترقَ قيمته إلى حجم التكلفة السياسيّة لتلك الصفقة، إذ دخلت قطر في مفاوضات معقدة مع مجموعات متطرفة في سوريا لإخلاء 4 مدن بالكامل من سكانها، وهو ما يرى الصحافي الأمريكي أنه سهّل الطريق أمام إيران لتعزيز هيمنتها في العراق وسوريا ولبنان واليمن.

وفي الإطار السياسي كذلك، أتت الصفقة كصفعة لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بموقفها المعروف من النفوذ الإيراني.

هكذا، يخلص وورث، إلى أن ما كان مجرّد عملية خطف تحوّل إلى معيار لقياس حجم القوى الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وكلّ من شارك في الصفقة كان لديه ما يخفيه، ما عدا الصيادين الذي كان هدفهم واضحاً.

ضحايا الحبارى

يعود وورث إلى الصيادين القطريين ليسلّط الضوء على رياضة الصيد بالصقور التي تنتشر بين أثرياء الخليج، وتُحاط بشعائر احتفاليّة ضخمة.

يلاحق الصيادون طيور الحبارى (التي يُقال إنها طيور مهددة) لصيدها بالصقور. ويشار هنا إلى الاعتقاد السائد بأن لحمها الطري يثير الشهوة الجنسيّة.

قبل اكتشاف النفط في الخليج، حسب وورث، كانت العودة الموسميّة لطيور الحبارى تقابلها شعائر احتفاليّة ومطاردات طويلة على الجمال، لكن ظهور “اللاند روفر” جعل المطاردات أسهل.

واستمرت هذه الرياضة كواحدة من الطموحات المقدسة لأثرياء الخليج إلى جانب اليخوت الضخمة والخيول الأصيلة والقصور الفرنسية.

الحال هذه هي ما دفعت صيادي الحبارى القطريين للتوجه إلى الحدود السعودية بسيارات الدفع الرباعي، متوجهين شمالاً ليعبروا جزءاً من الأراضي الكويتية متوجهين إلى العراق، وقد طُرحت آنذاك تساؤلات كثيرة حول تلك الرياضة التي باتت خطيرة في عالم مشتعل.

اختارت المجموعة، التي كان يرافقها عدد من الخدم و9 أفراد من العائلة الحاكمة في قطر، محافظة المثنى العراقية التي لم تشهد الكثير من الزوار منذ الغزو العراقي، وتحولت إلى ملاذ موسمي للحبارى.

كان هؤلاء، والكلام لوورث، قد اطلعوا سابقاً على تقارير تفيد بخطورة الوضع في المنطقة، لكن سعيهم وراء الحبارى كان أقوى.

اختاروا التجول في الصحراء خلال الأسابيع الثلاثة برفقة حراس عراقيين مأجورين، وكانوا يقدمون الهدايا للبدو القاطنين في المنطقة لكسب رضاهم وضمان سلامتهم.

نجح الصيادون في الإيقاع بخمس طيور حبارى يومياً، وهو عدد مهم في معايير صيد تلك الطيور، وبحلول الخامس عشر من ديسمبر كانوا قد باتوا مستعدين للعودة إلى بلادهم.

ليلة الخطف الطويلة

في ليلة من ليالي البرد القارس، التي سبقت عودتهم، هرع أحد الخدم حوالي الثالثة ليلاً ليخبر “أبو محمد”، كما أسماه وورث، وهو أحد القطريين في المجموعة، أنهم محاطين بمسلحين مدججين بالسلاح في سيارات دفع رباعي.

للوهلة الأولى ظن أبو محمد أن هؤلاء من الجيش العراقي أتوا للاطمئنان عليهم، قبل أن يتبيّن أنهم الخاطفين. كان أحدهم يحمل لائحة ويتلو الأسماء وبدا واضحاً أنه يبحث عن الشخصية الأكثر أهمية في عائلة آل الثاني.

اكتشف أبو محمد أن الأموال والهواتف قد صودرت من المجموعة بينما رأى جميع أفرادها مكتوفي الأيدي أرضاً. وقد حاول رشوة الخاطفين بحوالي 33 ألف دولار كانت في جيبه، فأتاه الردّ ساخراً من قائد مجموعة الخطف “هل تظنّ أننا نريد مالك؟”.

خلال الرحلة، التي استمرت حوالي أربع ساعات، كان القطريون يعتقدون أن الخاطفين من “داعش”، لكن الإهانات التي كانوا يسمعونها عن عائشة، زوجة الرسول، جعلتهم يعرفون لاحقاً أن الخاطفين من الجماعات الشيعيّة.

“صفقة المدن الأربعة”

عند السادسة من صباح اليوم التالي، وصلت الأخبار إلى قطر، مثيرة ضجة كبيرة.

بدأت الاتصالات المكثفة بين الحكومة القطرية والعائلة الحاكمة للتداول في الأزمة المستجدة، التي، وفق وورث، أظهرت نقاط الضعف في الصعود المفاجئ لقطر على الصعيد السياسي في المنطقة وسياسات العداء الخفيّة التي قامت مع جيرانها، وتقاربها من إيران وحزب الله ثم دعمها “الإخوان المسلمين”….

يقدّم وورث نبذة عن السياسات القطريّة التي انقلبت لاحقاً على صاحبتها.

منذ التسعينيات، حاولت قطر حماية نفسها من خلال مغازلة وإزعاج جميع الأطراف دفعة واحدة، وقد تنقّلت بين سوريا وإيران وحزب الله، ما أثار غضب السعوديين والولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تقرّبت من دول سنية أخرى باستخدام أموالها.

وسط ذلك وُلدت “قناة الجزيرة” التي لم تتجنب إزعاج أمريكا بينما كانت قطر تستضيف أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط.

وفي السنوات الأخيرة، أجرت قطر رهاناً محفوفاً بالمخاطر، إذ موّلت فصائل سنيّة فى سوريا، بما فى ذلك الفرع المحلي لتنظيم “القاعدة”. ولكن ما كان متوقعاً من حسم الحرب لصالحهم وبالتالي صالح الراعي القطري لهم، تحوّل حرباً مفتوحة انقلبت على قطر التي اتُهمت بتمويل الجماعات الإرهابيّة. وهكذا، والكلام لوورث، أصبح للإمارة الصغيرة أعداء من جانبي الصراع الطائفي.

بالعودة إلى أزمة الخطف، يكشف أنه خلال أيام تأكدت القيادة القطرية أن الصيادين بأيدي مجموعات شيعيةّ مرتبطة بإيران.

أسهم خطف الصياديين القطريين بتحقيق “صفقة المدن السورية الأربعة”، التي كان قد اقترحها قائد الحرس الثوري قاسم سليماني في اسطنبول عام 2015

بدا كما ينقل وورث أن تلك المجموعات تتحرك بأمر من القيادات العليا، مسمياً قائد الحرس الثوري قاسم سليماني في السياق، باعتبار أن تلك الجماعات تتبع له وباعتبار دوره الفاعل في سوريا والمنطقة، من دون أن يربطه مباشرة بالعملية.

هكذا أصبح الصيادون ذات أهمية قصوى في تلك اللعبة الاستراتيجيّة الدائرة في المنطقة على كافة الأطراف، وباتوا غنيمة قيّمة يمكن من خلاله الضغط على قطر وإجبارها على سلك طريق غير الذي تتخذه.

في هذا السياق، غاص وورث في تفاصيل المخططات الإيرانية في سوريا والرغبة بالتوسع، ومخططات التغيير الديمغرافي والمذهبي هناك. وفي نهاية المطاف، كان ثمة حديث سابق عن سياسات تطهير عرقي، وقد بدأت إيران جهداً جريئاً لتحقيق هذا الانتقال الديموغرافى.

في اجتماع سري في اسطنبول في سبتمبر 2015، حسب وورث، اقترح مبعوث من الحرس الثوري اتفاقاً أصبح يعرف باسم “صفقة البلدات الأربع”. وبموجب الاتفاق ينتهي “حزب الله” من حصار مضايا والزبداني، بالقرب من الحدود اللبنانية، بينما ينهي المقاتلون السنة حصارهم لبلدتين شيعيتين في الشمال الغربي هما فوعة وكفريا.

عملية الخطف، حسب وورث، جعلت تنفيذ هذا الاتفاق ممكناً، إذ اكتسب الإيرانيون زخماً إضافياً وعاد الاتفاق الذي اقترحوه إلى طاولة النقاش.

دور “حزب الله” وقاسم الأعرجي

لجأت الأطراف المعنيّة بالخطف، والكلام للصحافي الأمريكي، إلى “حزب الله” الذي يُعدّ موثوقاً لدى قيادات الخاطفين كما لدى قطر.

إثر ذلك، أرسل الحزب ممثلاً رفيع المستوى إلى الدوحة للتفاوض بشأن إطلاق المخطوفين، بينما بدا أن همّ الحكومة القطرية كان منحصراً بضمان سلامتهم بغض النظر عما سيكتسبه الخاطفون من ذلك والآثار السياسيّة المترتبة عن الصفقة.

كان مطلب “حزب الله”، كما جاء في التحقيق، واضحاً: إجراء الاتفاق بشأن المدن السوريّة الأربعة.

في اليوم الذي وصل فيه المسؤولون القطريون بحقائبهم إلى المطار في العراق، كان المقاتلون قد بدأوا بتنفيذ الاتفاق، وكان الوفد القطري في بغداد يتواصل على جبهتين، جبهة الخاطفين والجبهة السوريّة.

وحين احتُجزت الأموال تكثّفت الاتصالات القطرية مع كل من يمكن أن يساعد لتحريرها، لكن أي من ذلك لم ينجح في تحرير الأموال من قبضة رئيس الوزراء حيدر العبادي ودوائره.

بعد أشهر من المفاوضات، لم يكن واضحاً للحكومة القطرية آلية تحرير الرهائن، فبدأت البحث عن طرق أخرى كان من بينها اللجوء إلى شركة للعلاقات العامة، وهي Global Strategies Council اليونانيّة مقابل مليوني دولار، في حين عرض إيراني على مسؤولين قطريين تحريرهم بعشرين مليون دولار، لكن كل هذه المحاولات باءت بالفشل.

استغرق الأمر 16 عشراً، حتى استطاع القطريون العثور على الرجل الذي يحظى بالسلطة الفعلية والعلاقات اللازمة لإتمام الصفقة. كان ذلك خلال اجتماع وزراء الداخلية العرب في أبريل 2017 في تونس، والرجل كان قاسم الأعرجي الذي يتمتع بعلاقات وثيقة مع الإيرانيين، إذ عاش فترة طويلة في إيران منفياً، كما اعتُقل مرات عدة على يد القوات الأمريكية في العراق.

ينقل وورث عن مسؤولين قطريين تفاصيل الاتفاق مع الأعرجي، فالأخير قد اشترط أن يتدخل شخصياً في المفاوضات مع الخاطفين الذين يعرفهم لكن لم يقبل تسميتهم (يقول وورث إنه قد تبيّن لاحقاً إنهم “كتائب حزب الله”)، وألا يتحدث القطريون بأي من تفاصيل هذه الوساطة مع المسؤولين العراقيين. وافقت السلطات القطريّة على الاتفاق الذي طرحه الأعرجي.
كيف نجحت الصفقة والأموال مُحتجزة؟

يعود وورث إلى الحقائب التي احتُجزت في المطار، فقد كان يُفترض أن الصفقة تمت بموجب تسليم الوفد الأموال للخاطفين واستلام الرهائن. وهنا يسأل وورث: كيف تمكن القطريون من العودة بالرهائن محررين فيما الأموال كانت محتجزة في مطار بغداد الدولي؟

استطاع القطريون التحايل للاختفاء عن أعين السلطات العراقية، التي كانت قد علمت آنذاك بالصفقة، والوصول إلى وجهتهم والعودة بالرهائن، لكن ما أصاب وورث بالحيرة هو على أي أساس قد تمّ تحرير الرهائن دون استلام الأموال.

بحسب مصادره المطلعة في قطر، يقول وورث إن الدوحة دفعت المبلغ نفسه مجدداً عبر تحويلات خارجيّة أشرف عليها “حزب الله” مباشرة، عبر العاصمة اللبنانية بيروت، وبذلك يكون المبلغ الذي دُفع للعملية قد وصل إلى 770 مليون دولار.

ويعقّب وورث بالقول إنه إذا ما أُضيف المبلغ الذي دفعه القطري للشركة اليونانيّة، وما دفعته قطر لمسلحي “جبهة النصرة” و”أحرار الشام” (أقله 50 مليون دولار) لضمان انتقال السكان من المدن السورية الأربعة التي شملها الاتفاق، ونفقات أخرى، يصل المبلغ إلى حوالي مليار دولار.

بعد كل هذه التفاصيل، يقول وورث إن المسؤولين القطريين يصرّون على نفي دفعهم لهذا المبلغ من المال بغرض تحرير الرهائن، ويعزون إرسال مبلغ الـ360 مليون دولار، الذي وجدته السلطات العراقية في المطار، إلى مساعدة العراق في مشاريع استثمارية وإعمار.

في مقابل النفي القطري الرسمي، لا تزال آثار تلك الفدية تلقي بظلالها على الوضع في العراق وسوريا، بينما يردّ وورث ما وصلت إليه قطر في علاقاتها مع دول الجوار إلى الطريقة التي تعاملت بها الدوحة مع مسألة تحرير الصيادين القطريين، مذكراً بأنها لم تكن الأولى (ولو كان المبلغ الذي دفعته هو الأضخم) إذ دفعت سابقاً فدية لتحرير قادة من تنظيم “القاعدة” في اليمن عام 2013.

المصدر: رصيف 22