أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » فلاديمير بوتين… عندما يُدار بلد كبير بعقلية رجل الاستخبارات

فلاديمير بوتين… عندما يُدار بلد كبير بعقلية رجل الاستخبارات

شخصية فلاديمير بوتين ليست سوى نموذج لصورة رجل الاستخبارات، نقلته الظروف أو الصدفة أو الحظ أو تراكم هذه العوامل مجتمعة، إلى السلطة في الكرملين. الجانب البعيد عن الأضواء لبوتين لا يقلّ ضراوة عن الجانب المشغول عليه إعلامياً. بوتين ليس تفصيلاً في القرن الـ21. صحيح أنه يُمكن تقسيم مرحلة الاتحاد السوفييتي ما قبل الانهيار عام 1991 وما بعده، إلا أن التاريخ سيقسم مرحلة روسيا بين ما قبل بوتين وما بعده. وعلى أبواب الولاية الرئاسية الرابعة، يبدو بوتين أكثر من شخصية “مفوض في الغرب الأميركي” يفرض ما يشاء بالقوة العسكرية. “ماذا كان عليّ أن أفعل؟ في الواقع، لم يكن هناك الكثير من فرص العمل. حتى إنني بدأت في التفكير بالعمل كسائق سيارة أجرة. أنا لا أمزح، حقاً، أين المفر؟”. حين يقرأ أي شخص هذا الكلام، سيقول إنه أمام مناقشة اجتماعية بين رفاقه في صباح عادي، لكن ذلك لم يكن سوى فلاديمير بوتين، متحدثاً في وثائقي لأندريه كوندراشوف، عن مطلع عام 1996، حين انتهت أحلامه بالبقاء في سان بطرسبرغ، وقبوله لاحقاً بالعمل في موسكو. عام 1996، لحظة مفصلية في تاريخ بوتين، فبعد أن كاد يتحوّل إلى سائق أجرة، بات الرجل الذي تبحث عنه روسيا لحكمها في مرحلة ما بعد تحوّلها إلى أطلالٍ لاتحاد سوفييتي غابر.

تحوّل بوتين من رجل عادي في سان بطرسبرغ إلى الرجل القوي في الكرملين. وبالطبع، فإن شخصا مثله، مسكونا بهاجس إمكانية تحوّله إلى رجل عادي لا صانع قرار، بعد سنواته المديدة عميلاً لاستخبارات الكي جي بي في ألمانيا الشرقية في ثمانينيات القرن الماضي، يصبح أكثر تعلقاً بالسلطة. وهو ما أثبتته الأيام والتعديلات الدستورية في روسيا. ففي الولاية الرئاسية الوحيدة في الظلّ، أي حين أصبح بوتين رئيساً للوزراء في مقابل تولّي ديمتري ميدفيديف رئاسة البلاد، بين عامي 2008 و2012، صنع بوتين “مجداً عسكرياً”، باتخاذه قرار غزو جورجيا، صيف 2008، مستغلاً حادثة إطلاق نار في إقليم أوسيتيا الجنوبية. القرار اتخذه بصفته رئيساً للوزراء، لا للجمهورية. وبدا ميدفيديف وكأنه ظلّ خفي وغير متناسق مع خطوات بوتين. وللمقارنة، ميدفيديف هو رئيس الوزراء حالياً، وكم شخصا يسمع صوته؟ لا أحد تقريباً، حتى في روسيا.

في حمأة الحرب الجورجية، أظهر بوتين في المفاوضات وفي الميدان، أنه لن يسمح بالعودة إلى الوراء، ووجوده في السلطة “أبديّ”. الخطوة إلى الوراء غير مستحبّة بالنسبة إليه. الرجل راكم أعداء كثرا، لا على الساحة الدولية فحسب، وهي ميدان مشرع الأبواب، بل في الأعمال العسكرية والاستخبارية. في القوقاز، خصوصاً في الشيشان وداغستان، لا تزال الهجمات المتفرقة تؤثر على جيشه. في أوكرانيا، لم يحقق الانفصاليون المدعومون منه أي تقدّم في السياسة وفي العسكر. في البلطيق والشمال الأوروبي، قام ويقوم بمناورات عسكرية جوية بحرية، منتهكاً سيادة دول كالدنمارك والسويد، عدا فنلندا.

فنلندا، التي يمكن من جبالها، رؤية “قصر” بوتين الجديد، على بعد نحو 20 كيلومتراً في المقلب الروسي، من الحدود الروسية ـ الفنلندية، ومنها أيضاً يمكن إدراك أن بوتين ليس “الرجل الناسك” الذي يرغب في تمضية تقاعده بعيداً عن العالم، بل مجرّد رجل سلطة، اختار ربط نفسه بمجموعة من رجال الأعمال، أمثال صديقه الأول، رئيس نادي تشلسي الإنكليزي لكرة القدم، رومان أبراموفيتش “مستر أي”، وأمثال فيكتور زوبكوف وأليكسي ميلر، في “غازبروم”. ومع إدراكه أن الاقتصاد الروسي قائم أساساً على قطاعي الطاقة والسلاح، عمل على توسيع رقعة الشركاء أو الشارين المحتملين للغاز الروسي من جهة، وعلى بيع الأسلحة بشكل مكثف مع تجربتها قبلاً من جهة أخرى.

تجربة السلاح، كان لسورية الحصة الأكبر منها. لم يأتِ بوتين بصورة تقليدية لدعم النظام السوري، في 30 سبتمبر/أيلول 2015، بل عمد إلى تسخير أجهزته الإعلامية لـ”إظهار” التطور العسكري الروسي، سواء بقصف مواقع في الداخل السوري، من بحر قزوين، أو بترويجه لمنظومات الدفاع الجوي “إس 300” و”إس 400″، لمختلف دول الجوار السوري تقريباً، أو في اعتباره أنه “نقل خبرة الشرطة العسكرية الروسية” إلى سورية، في شأن مناطق خفض التصعيد. لم تكن الغاية نصرة نظام أو الدفاع عن وجود شخصٍ في سورية، بقدر ما أن بوتين كرّس وجوده في بلادٍ على تقاطع كبير مع خطوط الغاز من الشرق إلى الغرب، وعاملاً على “تسويق السلاح الروسي” على حساب دماء السوريين. كما اختار أصدقاء له بصفتهم شركاء: الزعماء الإسرائيليين.

في تل أبيب، يمكن لرئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، ووزير الأمن أفيغدور ليبرمان، الاستراحة بعض الشيء، ففي الكرملين رجل صديق لهما. في الواقع، لم يعمل بوتين قط ضد المصالح الإسرائيلية في سورية، بالعكس غضّ النظر عن قصفها قوافل أسلحة وقواعد عسكرية لحزب الله وإيران والنظام السوري. كما أرسل مبعوثا له إلى تل أبيب لبحث إمكانية تخفيف التوتر مع لبنان، في شأن البلوك النفطي رقم 9 في البحر الأبيض المتوسط، مطلع شهر فبراير/شباط الماضي. ووجّه رسائل عدة من قبيل أن “لروسيا حلفاء عدة، لكنها تملك شريكاً واحداً وهو إسرائيل”.

بوتين أيضاً لم يجد غضاضة في استمرار الحرب الاستخبارية التي اشتهر بها الكي جي بي، بل عمد إلى توسيع نطاقها، فبدلاً من جلوس أحدهم في الكرملين، والأمر بقتل كل من لا يوافق على سياسة روسيا أو متمرّد عليها، في الحيّز الروسي، انتقل بوتين إلى إعطاء الأوامر بقتل العملاء المزدوجين في كل أنحاء العالم. قصته مع بريطانيا ليست جديدة، لكن خصمه في لندن تغيّر، من توني بلير “المتخاذل” إلى تيريزا ماي “الصلبة”. مراكمة الأعداء أمرٌ يجيده بوتين، وهو وإن كان يعتقد أن تصفية العملاء في أراضٍ غربية عامل قوة، إلا أنه من الممكن أن ينقلب الوضع عليه في أي لحظة، لا بقرارات دولية، لأن المجتمع الدولي الذي عجز عن المواجهة في الغوطة الشرقية لدمشق، أضعف من المواجهة مع روسيا في أي مكان آخر، بل الأمر متعلق بما ستفعله الدول الأساسية في المواجهة مع روسيا، سواء الولايات المتحدة أو بريطانيا أو فرنسا أو غيرهم.

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، سيطر الأوليغارشيون على الحكم في موسكو. بيعت الأملاك الحكومية الروسية. الفساد عمّ صفوف الجيش. المافيا الروسية قفزت إلى الواجهة من دون رادع. شغب الملاعب الكروية ازداد بشكل مخيف. وحده بوتين استفاد من ذلك، وبدلاً من قمعهم، جعلهم ركائز حكم مستمر للعام الـ18 على التوالي.

بيار عقيقي



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع