أخبار عاجلة
الرئيسية » كتاباتكم » ماذا بقي لنا من سوريا ؟ لم يبقَ لنا سوى صورة بشار الأسد الذي دمرَ البلاد، كلّ البلاد.

ماذا بقي لنا من سوريا ؟ لم يبقَ لنا سوى صورة بشار الأسد الذي دمرَ البلاد، كلّ البلاد.

المجزرة السوريّة مستمرة ولا نهاية واضحة لها. البلاد غارقة في الدماء. الناس يقتل بعضهم بعضاً من دون رادع. أقول لنفسي وأنا في منفاي البعيد، ما الذي زرعناه كي نحصد كلّ هذا الموت والتهجير والذلّ؟ ما الذي فعله آباؤنا وأجدادنا كي نُكافأ بحافظ الأسد أولًا ومن ثم وريثه، مغتصب السلطة، ابنه بشار؟ ما الذي قمنا به من أجل أن تراق دماؤنا وتجري في الشوارع وفي قنوات الصرف الصحي؟

ما الذي فعلناه كي يُكتب على الناجين منّا، الهاربين من مذبحة لا تترك أحداً، أن يعيشوا عمرهم المتبقي غارقين في الحزن والمرارة والخيبة في عالم لا يسمعهم ولا يهتم بهم؟

ما الذي نفعله كي نتجاوز خيبتنا من الحياة التي تركتنا أحياء بينما أحبابنا وأهلنا وأصدقاؤنا ماتوا وتهجروا من دمشق وحلب والغوطة وعفرين وكوباني ودرعا وحمص ودير الزور وباقي المدن الأُخرى وانتشروا في البلاد الواسعة؟
هل هذا مصير من يطلب حياة عاديّة كالحياة؟

ماذا نطلب من العالم كي يتوقف الموت؟ ماذا يستطيع هذا العالم أن يفعل من أجلنا؟ هل يستطيع الناس الذين يعيشون في دول “العالم الأول” أن يُوقفوا الموت النازل علينا من كلّ حدب وصوب؟

سنة 2003 خرج عشرات الملايين من الناس إلى الشوارع في كلّ مدن العالم رافضين الحرب على العراق، في إيطاليا وحدها خرج ثلاثة ملايين في تظاهرات غير مسبوقة في تاريخ مناهضة الحروب، ورغم ذلك قامت الحرب على العراق وقُتل مئات الآلاف من الأبرياء.

شعر الناس بقلة فعاليتهم وعدم قدرتهم على اتخاذ قرارات تخص شعوباً أخرى، أو حتى على التضامن مع تلك الشعوب، فلم يعودوا إلى الشارع بعدها إلا بأعداد قليلة. هكذا لن يخرج أحد لنجدة سوريا لأنّ الناس تشعر بقلّة الحيلة في مواجهة الحكومات والجيوش

تمر هذه الأيام ذكرى انطلاقة الثورة السوريّة، كانت أياماً عظيمة غيرت مجرى حياة الملايين من السوريين. صنعت أحلاماً لحياة جديدة قوامها الحريّة والكرامة. اليوم في ذكراها السابعة تعيش البلاد حرباً أهليّة مفتوحة، إضافة إلى احتلالات روسيّة إيرانيّة تركيّة واحتلال إسرائيلي مستمر.

نظام بشار الأسد سبب مباشر ورئيسي في هذا الخراب العام، كلّ ما حدث ويحدث هو نتيجة مباشرة لظلم هذا النظام وتجبّره.

في ذكرى انطلاقة الثورة السوريّة السابعة، قلوبنا مكسورة حزينة، حزينة على الناس في الغوطة وفي عفرين؛ أولئك الذين لا يستطيعون النظر إلى السماء لأنّ الموت ينزل عليهم مثلما ينزل المطر. قلوبنا حزينة على شعب الخيام، حزينة على المعتقلين، حزينة علينا وعلى قهرنا.

ما الذي بقي لنا من سوريا بعد سبع سنوات؟ أسألُ نفسي.

الجواب هو: لا شيء.

أحبابنا ماتوا. أحبابنا غيّبوا في المعتقلات. أحبابنا هُجروا وتشردوا. بلادنا دُمرت.

لم يبقَ شيء. لا شيء.

لم يبقَ لنا شيء، حتى العلم الأخضر الذي اتخذناه رمزاً للثورة، شوّهه المرتزقة السوريون الذي يحاربون بجانب الجيش التركي لاحتلال عفرين، وهم يرفعونه.

لم يبقَ لنا سوى صور قادمة من تهجير هنا ومجزرة هناك.

لم يبقَ لنا سوى صورة بشار الأسد الذي دمرَ البلاد، كلّ البلاد.

لم يبقَ لنا شيء سوى قهرنا وحزننا.

لم يبقَ لنا إلّا هذه الذاكرة المرّة والقلب المقبرة، وبعضٌ من الأمل.

أمل يجعلنا على يقين بأنّ الناس بعد سنين طويلة، قد تكون أطول مما نظن، سيقولون إنّ مارس 2011 كان نقطة تحول في تاريخ الشرق الأوسط. كان هذا زمن بداية التحول من نظام مجرم فاسد ومجتمع متعب متخلف إلى حياة حرّة كريمة عادلة. وعلى هذا الأمل، ومن أجله، نعيش كلّ يوم.

دلير يوسف

كاتب ومخرج من سوريا، أخرج عدداً من الأفلام السينمائيّة منها: “أمراء النحل” و”منفى” و”بانياس: البدايات” و”حبل غسيل”. وله كتاب مطبوع بعنوان “حكايات من هذا الزمن” صدر في العام 2014 من بيروت. مقيم حالياً في برلين- ألمانيا.

المصدر: رصيف 22



تنويه : ماينشر على صفحة كتاباتكم تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع