أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » إدارة حربية في البيت الأبيض: بولتون أحدث صقور ترامب

إدارة حربية في البيت الأبيض: بولتون أحدث صقور ترامب

اقترب الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطوة إضافية من تحويل إدارته إلى “إدارة حربية”، وذلك بتعيين جون بولتون مستشاراً للأمن القومي بدلاً من الجنرال إتش آر ماكماستر، في خطوة جاءت بعد الإطاحة بأحد “صمامات الأمان” في الإدارة الأميركية، وزير الخارجية ريكس تيلرسون، الذي حلّ محله رئيس وكالة الاستخبارات المركزية مايك بومبيو، المعروف بعدم معارضته للتعذيب خلال عمله في الاستخبارات وتماهي مواقفه مع ترامب حيال عدد من ملفات السياسة الخارجية تحديداً إيران وكوريا الشمالية، فيما ليس معروفاً إلى متى سيصمد وزير الدفاع جيمس ماتيس، المعوّل عليه لفرملة البيت الأبيض، وذلك في ظل معلومات عن أنّ ترامب في طريقه أيضاً للتخلص من كبير الموظفين في البيت الأبيض الجنرال جون كيلي. وبهذا يحتل الصقور (بولتون وبومبيو، ورئيسة وكالة الاستخبارات المركزية جينا هاسبل المتهمة بالمسؤولية عن عمليات تعذيب) معظم مقاعد مجلس الأمن القومي السبعة.

الإطاحة بماكماستر كانت بحكم المحسومة منذ أسابيع، ويبدو أنّ انتقاده في مؤتمر ميونخ الأمني، التدخل الروسي المحتمل في الانتخابات الأميركية، أثار غضب ترامب وكتب نهاية دوره، ليبرز في الأيام الأخيرة اسم بولتون، كبديل عن ماكماستر. إلا أنّ اختياره لم يخلُ من المفاجأة والتحدّي، ليدق عدد من المراقبين والمتابعين للسياسة في واشنطن ناقوس الخطر. فتعيين بولتون، ليس أقل من “وصفة حرب مع كوريا الشمالية أو إيران”، كما قال ريتشارد بانتر، المحامي الرسمي للبيت الأبيض في زمن الرئيس الأسبق جورج بوش الابن.

وبعد الإعلان عن تعيينه، قال بولتون، لشبكة “فوكس نيوز”: “لم أكن أتوقع هذا الإعلان بعد ظهر اليوم لكنه شرف كبير لي بالتأكيد”. وأضاف “لدي آرائي وسأعرضها على الرئيس”، مدافعاً عن ضرورة أن يتمكن الرئيس من “تبادل الأفكار بحرية” مع مختلف مستشاريه. في المقابل، أشاد ترامب “بالعمل الاستثنائي” الذي قام به الجنرال ماكماستر وأكد أنه سيبقى “صديقه” دائماً. أما ماكماستر الذي كان قد انتقل من وزارة الدفاع في فبراير/شباط 2017 إلى البيت الأبيض ليحل محل مايكل فلين الذي أُجبر على الاستقالة بسبب اتصالاته مع مسؤولين روس خلال الحملة الانتخابية، فأعلن أنه سينسحب من الحياة العامة.

وبهذا التغيير، باتت المعادلة القائمة تثير مخاوف واسعة في دوائر السياسة الخارجية كما في الكونغرس، فالمثلث العسكري الكابح لترامب كما كان الاعتقاد (ماكماستر وتيلرسون وماتيس)، انتهت مدته، وذلك قبيل مرحلة ساخنة، ففي 12 مايو/أيار المقبل، يحل استحقاق بحث الاتفاق النووي الإيراني في البيت الأبيض. وفي الشهر نفسه، من المقرر انعقاد القمة الأميركية الكورية التي يمكن أن تصبح مهددة، أو أن تنعقد لتفشل، وليكون الفشل بالتالي مدخلاً لتصعيد لاحق.

وبات الاعتقاد السائد الآن بعد هذه التغييرات، في الإدارة الأميركية، أنّ كل السيناريوهات “الصدامية” صارت مفتوحة. ما يعزز ذلك، شخصية بولتون، أحد صقور المحافظين في عهد الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن، وأحد منظّري سياسة “الحرب الوقائية”.

بولتون هو أحد غلاة المحافظين الجدد ومعروف بمواقفه المتشددة إزاء إيران وروسيا، ومن المنادين بشن الحرب على كوريا الشمالية. بولتون البالغ من العمر 69 عاماً شغل بين 2001 و2005 منصب معاون وزير الخارجية الأميركي لشؤون الحد من الأسلحة. هذا المحامي لا يعرف المجاملة، فخلال تعيينه سفيراً للولايات المتحدة لمدة 18 شهراً لدى الأمم المتحدة في 2005 و2006 في عهد بوش الابن، كان حضوره طاغياً من دون أن يأبه للياقة الدبلوماسية، وقضى مدته في الأمم المتحدة بالمناكفة والمشاكسة ضد المنظمة الدولية، بزعم أنّها معادية للولايات المتحدة. ولخص المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا، وزير الإعلام اللبناني الأسبق، طارق متري، سلوك بولتون قائلاً إن “المذاق المرّ في تذكّر بولتون في الأمم المتحدة خلال حرب إسرائيل على لبنان عام 2006: دعم غير مشروط للهجمة المستمرة على بلدنا، الدبلوماسية المعاكسة غير المستعدة لتقديم أي تنازلات، والازدراء للقانون الدولي والقانون الإنساني”.

بعدها انتسب إلى مؤسسة المشروع الأميركي “أميركان إنتربرايز إنستتيوت” المحافظة، ثم معلقاً في شبكة “فوكس نيوز” الحليف الإعلامي الأول لترامب. رشحه ترامب في بداية إدارته لمنصب نائب وزير الخارجية، لكن هذا الموقع يحتاج إلى موافقة مجلس الشيوخ الذي حذر من تعيينه، ما فرض استبعاده، بينما لا يحتاج مستشار الأمن القومي لتصويت في مجلس الشيوخ.

لكن ما الذي سيغيره بولتون في السياسات الأميركية؟ داخلياً، يبدو أن هذا التعيين جاء لتدارك أزمة التسريبات الكبيرة التي تحصل من داخل الإدارة، خصوصاً في ظل التحقيقات المستمرة حول التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية. وفي هذا السياق، برز كلام لعضو الكونغرس الجمهوري، لي زيلدين، الوفي لترامب، الذي قال إن بولتون “رجل يتمتع بمؤهلات استثنائية” لشغل هذا المنصب، معبّراً عن ارتياحه لأنه “لن تحدث تسريبات بعد اليوم من مجلس الأمن القومي”، موضحاً أن “الذين بقوا من عهد (الرئيس السابق باراك) أوباما سيرحلون والفريق سيضاعف جهوده”.

أما المحاذير الأكبر، فتأتي بسبب قناعات بولتون الخارجية، فهو “يمثّل أسوأ أوجه المغامرة في السياسة الخارجية الأميركية”، بحسب تعبير مركز الأبحاث “دبلوماسي ووركس”، الذي يضم مسؤولين ممن خدموا في إدارة أوباما. يؤخذ على بولتون ميله الكبير للتدخل العسكري، وتأييده للحروب الاستباقية والوقائية، إذ كان أحد مهندسي غزو العراق في 2003، كما دعا أكثر من مرة إلى توجيه ضربة عسكرية لإيران على خلفية ملفها النووي وإلى “تغيير النظام في إيران بالقوة”.

بالنسبة لمواقفه من القضايا الإقليمية، يُعرف بولتون بانحيازه الكامل لإسرائيل. ولا تختلف وجهات نظر بولتون الدولية عن آراء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وكان قد طالب في وقت سابق بإلغاء وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا). وفي مايو/أيار 2017، قال بولتون لصحيفة “جيروزاليم بوست” إنه يجب التخلي عن حل الدولتين، ومنح غزة لمصر، وتقسيم الضفة الغربية بين إسرائيل والأردن. قال بولتون بسخرية إنه يؤمن “بحل ثلاث دول” مع إسرائيل ومصر والأردن للسيطرة على الأراضي الفلسطينية الحالية.

ولعل هذا الأمر يبرر التعليق الفلسطيني الأول على تعيين بولتون بأنه سيؤدي إلى تشدد متزايد في الموقف الأميركي والإسرائيلي وخلق “واقع مدمر” للفلسطينيين والمنطقة. وقالت عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية حنان عشراوي لوكالة “فرانس برس”، إن “هذا الرجل لديه تاريخ طويل في معاداة فلسطين، منذ أن كان في الأمم المتحدة، حيث كان يدافع عن الحصانة الإسرائيلية”. وقالت عشراوي “هذا كله سيؤدي إلى واقع مدمر على فلسطين وعلى المنطقة، وحتى العرب الذين يعتقدون أنهم يقيمون علاقات مع الولايات المتحدة، لا يدركون أن هذه العلاقة هي علاقة استخدامية فقط من قبل الادارة الأميركية، وتنتهي بسحب أموال هذه الدول لصالح برامج الإدارة الأميركية”.

من مواقفه العربية أيضاً، يدعو بولتون الولايات المتحدة إلى إعلان جماعة “الإخوان المسلمين” منظمة إرهابية. كما يؤيد الحصار السعودي والإماراتي على قطر، بما يفتح المجال للتشكيك في أي دور أميركي لحل هذه الأزمة. كما يدعم إنشاء دولة سنّية “علمانية” جديدة في العراق يمكن أن تمولها السعودية. من وجهة نظر بولتون، فإن الدولة السنّية الجديدة ستعيق إنشاء قوس سيطرة شيعي يمتد من إيران عبر العراق إلى سورية ولبنان.

ولعل الملف الأبرز الذي يُتوقع أن يكون لبولتون تأثير فيه، هو الملف النووي الإيراني. وعلى غرار وزير الخارجية الجديد مايك بومبيو، والمندوبة الأميركية لدى الأمم المتحدة نيكي هايلي، يمثل بولتون جزءاً من أولئك الذين يدعون إلى الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران. وكان قد كتب في افتتاحية لصحيفة “نيويورك تايمز” في مارس/آذار 2015 حول النووي الإيراني: “الحقيقة المزعجة هي أن العمل العسكري فقط مثل الهجوم الإسرائيلي عام 1981 على مفاعل صدام حسين في العراق أو تدمير المفاعل السورية عام 2007، يمكنه إنجاز ما هو مطلوب. إن الوقت قصير للغاية، لكن ضربة يمكن أن تنجح”.

وفي هذا السياق، رأت مجلة “ذي أميركان كونسيرفاتيف” أن تعيين بولتون مستشارَ الأمن القومي، يجعل احتمال الحرب مع إيران حقيقياً جداً، مشيرة إلى أنه كان دعا مراراً وتكراراً إلى قصف إيران في إطلالاته على قناة “فوكس نيوز”. وكشفت أن بولتون تآمر على إيران خلال فترة عمله كصانع سياسة إدارة بوش الابن من عام 2002 حتى عام 2004 لإرساء الظروف السياسية الضرورية للإدارة للقيام بعمل عسكري ضد طهران.

كذلك، يدعو بولتون إلى ضربة عسكرية استباقية ضد كوريا الشمالية، على أساس أنّ الرئيس الأميركي “يتمتع بالصلاحية” للقيام بمثل هذا الهجوم. وهو موقف يتخذ أبعاداً مدوية مع اقتراب القمة التاريخية المرتقبة بين ترامب والزعيم الكوري الشمالية كيم جونغ أون في شهر مايو المقبل. ولم يخف بولتون شكوكه حول النتائج التي يمكن تحقيقها من خلال استخدام الردع النووي الكلاسيكي ضد بيونغ يانغ “مثلما حصل مع الاتحاد السوفييتي إبان الحرب الباردة”، داعياً بحسب ما كتب على “تويتر” إلى أن يقوم الجيش الأميركي بعرض قوة إزاء بيونغ يانغ.

وفي مقال نشر في نهاية فبراير/شباط الماضي في صحيفة “وول ستريت جورنال”، عبّر بولتون عن موقفه بوضوح بقوله “إنه لمن المشروع تماماً أن ترد الولايات المتحدة على التهديد” الذي تمثّله كوريا الشمالية التي تمتلك القوة النووية، “من خلال أن تكون البادئة بتوجيه ضربة”. وتساءل “كم من الوقت على أميركا أن تنتظر قبل أن تتحرك لإزالة هذا التهديد؟”.

أما بشأن روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين، فيؤيد بولتون تشديد العقوبات إلى حدود أبعد بكثير من تلك التي يراها رمزية والتي فرضتها الإدارة الأميركية، وهنا قد لا يبدو موقفه منسجماً مع ترامب الذي لا يميل إلى توجيه الانتقادات إلى موسكو إلّا نادراً.