أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » الثورة السورية والغوطة

الثورة السورية والغوطة

يمضي اليوم قرابة الشهر على مكوث عوائل غوطة دمشق في الأقبية تحت الأرض، بسبب القصف الهمجي الذي تقوم به طائرات روسيا والأسد. شهرٌ على خوف الآمنين في الغوطة، وعلى عجزنا الذي بات يكبر معنا، شهرٌ على إدماننا الإنترنت بحثاً عن نصرٍ نؤمن بمجيئه!

أنا ابن مدينة دير الزور، ابن تجربة خذلان كبيرة، شأني شأن أبناء داريّا وحمص وكل المدن التي شهدت انتكاسةً ما، سواء بالتهجير أو بإدخالنا في لعبة داعش الحقيرة.

رميت أنا وغيري من الشباب شبابي وأحلامي وروحي أيضاً، لأجل الثورة، كانت لحظات جميلة حقاً، فأنا غير نادم على الوقوف بوجه الباطل، المتمثل بالأسد ومن والاه، من أعداء الأرض الكثيرين، حتى آخر رصاصة وابتسامة وصورة وتغريدة ومنشور، قبل أن يودّع شارع حيّه، وفي القلب مشروع دمعة، الشارع الذي ترك فيه ما يكفي لأن يكون أرضه، وهي حق له أكثر من أيّ عدوّ عاث فيها فساداً وأحالها رماداً قبل أن يطأها.

أتشارك وابن داريا وحمص، بشعور الحسرة من تفريطنا بالأرض، وعدم قيامنا بما ينبغي لأن نكون يداً واحدة، بعيداً عن الفصائلية والمناطقية وكل شيء كان سبباً في خسارتنا الأرض والثورة التي نعشق، وأن نبدو أقوى لأجل ذلك اليوم، الذي سيجيء به أعداؤنا ويحيلونا به ثواراً قدامى، نستجدي أرضاً نقيم فيها مشروع الثورة، وإن كان في مخيلتنا إلى أن يأذن الله بغير ذلك.

اليوم، تصمد الغوطة معنوياً أمام حملة الأسد وروسيا بعد شهر من الحرب عليها، إلا أن السياسة المقيتة لا تقول ذلك، إذ تم التوصل إلى اتفاق ما، يقضي بتحييد حرستا عن الذي يجري في الغوطة، عبر مفاوضات قامت بها حركة أحرار الشام مع ممثلين عن نظام الأسد وروسيا، تقضي بترحيل من يرغب إلى الشمال المحرر، وبقاء من يرغب مع ضمانات ما! وتماشياً مع ذلك، قد يؤثر هذا الإتفاق بشكل قطعي على مصير البلدات المتبقية من الغوطة الشرقية التي تعد خاصرة الثورة الباقية لنا هناك في محيط دمشق.

في متابعتي تلك الأحداث، ومرافقة العجز لي إبانها، كنت قد امتهنتُ تربية الأمل، ليكبر مع كل شخص يرسم الإبتسامة على وجهه من الغوطة عبر وسائل التواصل، ومع كل شخص، يدعو من حوله للصبر والثبات في وقت يكون هذا الفعل هو دور من هم خارج الغوطة. لا أنظر إلى توازنات السياسة التي تفرض أوامرها في ظل ضعفنا وتفرّقنا وتقصيرنا عن كثير مما لم نفعله، وهي الأوامر والتوازنات نفسها التي أحالت حرستا إلى اتفاق اليوم، استجراراً للتغريبة الحمصية، ومن بعدها داريا وحلب والقدم أخيرا.

أمام ما يحصل، ينتابني اليوم سؤال وجودي، لن أجد من يجيبني عليه: ما دام في استطاعة هذا العالم المجنون أن يقضي على مشروع الثورة، لماذا لم يفعلوا ذلك في البداية، ووقفوا عياناً مع الأسد، وقضوا علينا، عندما كنا نرقص فرحاً بالساحات على ألحان إبراهيم القاشوش؟ ولم انتظروا حتى هذا اليوم؟

لا أريد أن أغدو بكلماتي هذه داعياً إلى التشاؤم، لأن الثورة التي مضينا فيها محقةّ ومشروعة. وبالقدر الذي يجعلها ماضية، لا تنتهي بسقوط منطقة هنا وهناك، على الرغم من تأثير ذلك علينا وعليها؛ إلا أنّها وقفة لنا أمام مسؤولياتنا وتقصيرنا.

يبقى لنا العزاء بذلك، نحن شباب الثورة، بأن ثلث عمرنا ثورة وصراخ وبندقية، كفيلة بأن تجعلنا مشاريع نهضات وثورات، نؤمن بالكفاح لتحقيقها وإنجاحها حتى ولو كان هذا الأمر على يد أبنائنا الذين شهدوا الحصار والرفض، وحتى ذلك الوقت، لا خيار لنا سوى الأمل بالله، بأن يهيئ لنا الأسباب، كي لا نموت قبل أن تنتصر العدالة وننتصر لقضيتنا، للثورة والشهداء.

حذيفة محمد



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع