أخبار عاجلة
الرئيسية » الشأن السوري » المجازر تسرّع تهجير الغوطة: حرق المدنيين وتقسيم الفصائل

المجازر تسرّع تهجير الغوطة: حرق المدنيين وتقسيم الفصائل

يستكمل النظام السوري بدعم من روسيا، مخططه بتهجير أهالي الغوطة الشرقية، عبر التوصل إلى اتفاقيات مع فصائل المعارضة في المنطقة، وذلك عبر مسارين واضحين، الأول ترهيب المدنيين في تلك المنطقة، من خلال استخدام قوة نارية غير مسبوقة، وهو ما ظهر في قصف ليل الخميس – الجمعة على زملكا وعربين ودوما، ما أدى لمقتل أكثر من 60 شخصاً، بعضهم قضى احتراقاً بعد قصف ملجأ في عربين بقنابل النابالم الحارقة، في ما بدا رسالة للمدنيين بأن لا مكان آمناً لهم في الغوطة. أما المسار الثاني، فهو استثمار تقسيم الغوطة إلى ثلاث مناطق، لإضعاف فصائل المعارضة ومفاوضة كل واحد منها على حدة، وهو ما يحدث اليوم، ونجح النظام وموسكو من خلاله بفرض اتفاقيات تهجير على المنطقة. وفي هذا المشهد، تواصلت عملية تهجير مدنيي ومقاتلي المعارضة في مدينة حرستا، أمس، بالتزامن مع الإعلان عن اتفاق جديد لتهجير سبعة آلاف شخص من القطاع الأوسط للغوطة.

واستغل النظام وروسيا تقسيم مناطق المعارضة السورية في الغوطة الشرقية إلى ثلاثة أقسام رئيسية، وهي “جيش الإسلام”، “فيلق الرحمن”، وحركة “أحرار الشام”، ويُضاف إليهم بضع مئات من مقاتلي “هيئة تحرير الشام”. تقاسمت هذه الفصائل الثلاثة مساحات السيطرة داخل الغوطة، فسيطر “جيش الإسلام” على مدينة دوما والمزارع المحيطة بها، وتسلّم الجبهات مع النظام على هذا المحور. أما “فيلق الرحمن”، فتسلّم ما يُعرف بـ”القطاع الأوسط” للغوطة الشرقية، الذي يشمل مدن وبلدات مديرا وبيت سوا وعربين وحزة وحمورية وسقبا وغيرها. في حين انفردت “أحرار الشام” بالسيطرة المطلقة على مدينة حرستا الاستراتيجية، الواقعة على الطريق الدولي حلب – دمشق، والتي كانت أولى ضحايا “الاتفاقيات الفردية” التي تم فيها الاتفاق مع الجزء المسيطر من “أحرار الشام” على قطاع حرستا والتي ظهرت فيها بصمات روسيا بشكلٍ واضح، في حين توصّل “فيلق الرحمن” إلى اتفاقٍ فردي مع روسيا. وساهم عدم التنسيق بين الفصائل في سهولة ابتلاع تلك المناطق واحدة تلو الأخرى.

وبدأت، أمس الجمعة، عملية تهجير الدفعة الثانية من المدنيين ومقاتلي المعارضة الرافضين لمصالحة النظام في مدينة حرستا. وقالت مصادر محلية لـ”العربي الجديد”، إن ثماني حافلات خرجت، بعد ظهر أمس، تحمل مئات المدنيين المهجرين إلى نقطة الانتظار بالقرب من مدينة حرستا، فيما استمر المهجرون بالصعود إلى بقية الحافلات داخل المدينة حتى مساء أمس.

وسبقت هذه القافلة قافلة أولى وصلت إلى مناطق المعارضة في قلعة المضيق، شمالي البلاد، وتم إفراغ الحافلات من المهجرين هناك ونقل بعضهم إلى مراكز استقبال المهجرين في معرة مصرين، شمال إدلب. وتكوّنت القافلة من ثلاثين حافلة نقل داخلي، على متنها 1540 شخصاً من أهالي مدينة حرستا المهجرين إلى الشمال السوري، فيما قالت مصادر إن الدفعة الثانية قد تكون وجهتها منطقة إعزاز، شمال حلب.

ويقدر عدد الذين سيتم نقلهم من حرستا إلى الشمال السوري بقرابة ثمانية آلاف مدني ومقاتل من المعارضة الراغبين بعدم مصالحة النظام. وجاء ذلك بموجب اتفاق بين روسيا و”حركة أحرار الشام” لم يتم الأخذ برأي بقية الفصائل فيه، وتمكّنت روسيا بموجبه من تهجير مقاتلي الحركة من مدينة حرستا.

وأكدت مصادر في الغوطة ، أن الاتفاق لم يجرِ مع حركة “أحرار الشام” بشكلٍ منفصل وحسب، وإنما تم مع جزء من قيادات الحركة، وبالتالي فهو لا يمثل الحركة بكاملها. وأضافت المصادر أن العشرات من القياديين والمقاتلين في الحركة الذين رفضوا الاتفاق، قاموا بالانسحاب نحو مناطق سيطرة “فيلق الرحمن” في القطاع الأوسط في الغوطة الشرقية، وأن القيادات من الحركة التي وقّعت على الاتفاق اعتبرت أنهم لا يمثّلونها وأنهم يعاملون معاملة الفيلق.

وأعلن المتحدث باسم “مركز المصالحة الروسي” في سورية اللواء فلاديمير زولوتوخين، أمس، أن أكثر من ثلاثة آلاف مدني غادروا الغوطة عبر ممري مخيم الوافدين وحرستا. وبحسب وكالة “روسيا اليوم”، فقد تجاوز بذلك إجمالي عدد المدنيين الذين خرجوا من الغوطة عبر الممرات المقامة في المنطقة 99 ألف شخص، استناداً إلى المعلومات المنشورة سابقاً من قبل وزارة الدفاع الروسية.

ما لبثت حرستا أن وقّعت على اتفاق التهجير، وبدأ مقاتلوها وأهلها بالخروج، حتى توصلت روسيا إلى اتفاق مع “فيلق الرحمن” الذي يسيطر على القطاع الأوسط في الغوطة الشرقية. وقضى الاتفاق أولاً بوقف إطلاق النار اعتباراً من منتصف ليل الخميس – الجمعة، قبل أن يُعلن النظام، عصر أمس الجمعة، الاتفاق على خروج سبعة آلاف شخص، بينهم مسلحون، من بلدات زملكا وحزة وعين ترما، وحي جوبر ومدينة عربين. وأوضح التلفزيون السوري التابع للنظام أن سبعة آلاف شخص ممن يرفضون التسوية، يرغبون بالخروج إلى إدلب. وبحسب التلفزيون، ينص الاتفاق على تسليم السلاح الثقيل والمتوسط وخرائط الأنفاق. وكان المتحدث الرسمي باسم “فيلق الرحمن”، وائل علوان، قد قال ، إن اللجنة التي قابلت الروس، أمس الجمعة، عادت من دمشق، وكل الخيارات مطروحة من أجل الحفاظ على حياة المدنيين.

من جانب آخر، أكدت مصادر من “فيلق الرحمن” ، أن مجموعات من الفيلق في محاور عين ترما وزملكا وعربين قامت بعملية “خيانة”، إذ تركت الجبهات وانتقلت إلى مناطق سيطرة النظام، ما تسبّب بتقدم قوات النظام في العديد من المواقع.

جاءت هذه الاتفاقات الروسية المنفردة بالفصائل، في وقتٍ تعرضت فيه الأحياء السكنية في الغوطة الشرقية لواحدة من أشد الحملات العسكرية من قبل النظام وروسيا. وشهد يوم أمس، الجمعة، مقتل عددٍ من المدنيين في مدينة دوما التي يسيطر عليها “جيش الإسلام” في الغوطة الشرقية. وقال الدفاع المدني السوري في ريف دمشق، إن حصيلة القصف الجوي، أمس، على مدينة دوما بلغت أربعة مدنيين فضلاً عن وقوع عشرات الجرحى بين المدنيين. كما قالت مصادر ميدانية لـ”العربي الجديد”، إن طيران النظام السوري قصف بثلاث غارات، أمس، الأحياء السكنية في مدينة دوما متسبّباً بأضرار مادية كبيرة.

لكن الحصيلة الأكبر للقتلى كانت قد سُجلت ليل الخميس – الجمعة، إذ قُتل أكثر من ستين مدنياً بقصف عنيف من طائرات النظام على دوما وعربين وزملكا. وسُجل عدد الضحايا الأكبر في عربين، إذ سقط نحو 40 قتيلاً فيها، أغلبهم من النساء والأطفال، بعدما قصف النظام ملجأ في البلدة كان مدنيون يختبئون فيه، بقنابل بالنابالم الحارق والفوسفور والقنابل الارتجاجية والعنقودية. وبدا هذا القصف كرسالة للمدنيين لدفعهم لترك المنطقة والخروج منها ضمن اتفاقيات التهجير.

عمار الحلبي