أخبار عاجلة
الرئيسية » كتاباتكم » عدوات أنفسنا

عدوات أنفسنا

بعض المناسبات الاجتماعية العامة مغوية للكتابة عنها، خصوصا منها المتعلق بالمرأة، كيوم المرأة العالمي وعيد الأم، فالسائد هو دبج المدائح للمرأة والأم، ليس آخر المدائح أن هذين اليومين يتوافقان عالميا مع شهر مارس/ آذار، وهو شهر الربيع، في ما يريدونه دلالةً رمزيةً على تجدّد المرأة وعطائها المستمر، ولا أول المدائح أن “المرأة التي تهز السرير بيمينها تهز العالم بيسارها”، وهو قول منسوب لنابليون بونابرت الذي نسب إليه أيضا القول المشهور الذي يردده كل شاب أو رجل تركته امرأته: “كل النساء عاهرات إلا أمي”! مرورا بـ “الجنة تحت أقدام الأمهات” و”المرأة نصف المجتمع”، إلى آخر ما هناك من توصيفات للمرأة والأم، لا نجد ما يقابلها مختصة بالرجل، ذكرا وأبا. ليس ثمّة أقوال متداولة على ألسنة النساء عن الرجال، مع أن الرجل هو الشريك البيولوجي للمرأة، وهو النصف الآخر للمجتمع، وهو الأب المشارك في عملية الإنجاب والتربية والتنشئة، وهو الحبيب والزوج الذي يخون ويغدر ويهجر ويخذل، يتقاسم الرجل مع المرأة كل شيء، الإيجابي والسلبي. ومع ذلك يبدو الأمر كالتالي: الرجل في النسق الأول، المرأة في النسق الثاني، النسق الأول هو من يبدأ الفعل، هو من يعطي إشارات البدء بالحركة، هو من يحدّد السلوك، ويتبعه النسق الثاني في كل ما يفعل، فإذا ما منح النسق الأول رضاه وتبريكاته للنسق الثاني، عاش المجتمع في أمان وسلام.

“الرجال قوامون على النساء”.. يتكئ الجميع على النص الديني هذا، لضمان استقرار الأنساق على ما هي عليه. يتكئ الرجال عليه، وهم يتوافقون على ضرورة تطبيق الحديث الشريف: “رفقا بالقوارير”. وتتكئ النساء عليه، ضمانا لحالة التكاسل والاسترخاء فيما هي عليه، فالخروج عن النسق الثاني ومزاحمة النسق الأول قد يتسببان لها بما لا طاقة لها على احتماله، اتهامات بالنشوز والخروج عن تقاليد المجتمع وأعرافه، واتهامات بالتخلي عن الأنوثة والتشبّه بالذكور. وكأن الأنوثة صفةٌ ملازمةٌ للضعف والتواري والاتكالية. هذا الضعف الذي جعل النساء يصدّقن أنهن الضلع الناقص للرجل، خرجن من هناك، وإذا ما عدن فليكملن صورة الرجل الناقصة، ليصبحن جزءا من كليّة الرجل، مع أن الحقيقة البسيطة المعروفة والواضحة والأزلية أن الرجل هو من خرج من رحم المرأة، الكائنات تخرج من الرحم الأنثوي، الذكر مساهم في الصناعة، لكن المنتج الأول هو الأنثى/ الرحم، حتى لدى الطيور، الطيرة هي من تجلس فوق البيض، حتى يكتمل نمو الأجنة في البيض، وتخرج فراخ الطيور إلى الحياة.

على أن المشكلة ليست فقط في قبول المرأة لوجودها في النسق الثاني، بل في تبنّيها هذا النسق ووجودها فيه، وفي محاولاتها اللاهثة لإبقاء ابنتها أو بنات جنسها داخله. نربي، نحن النساء، بناتنا على أن يشبهننا، أن يكن مثلنا، خاضعاتٍ للرجل، باحثاتٍ عما يرضيه ويسعده ويحقق اكتماله، الرجل الزوج والأب والأخ والابن، هذه المحاولات في إرضاء الرجل ستصطدم بمحاولات نساء أخرياتٍ لإرضائه، تربّي المرأة ابنتها على التوجس من النساء في حياة رجلها المستقبلي، أمه، أخته، ابنته (إن كان أرمل ولديه أولاد)، فيحصل التصادم في محاولة امتلاك قلب الرجل، هل سيكون الرجل سعيدا في هذا؟! حتما هناك ما يرضي غروره الذكوري، غير أن ذلك يضعه في دور ماتشوي بائس، ومتعب، ويصعب الفكاك منه. غالبا، تساعده النساء المحيطات به على لعب هذا الدور، وإذا ما أراد الخروج منه منعنه، حرصا على أن لا يخدش صورته المجتمعية المكرسة أي خدش.

كل ما سبق يعني شيئا واحدا: تتعرّض المرأة في مجتمعاتنا، من زمن طويل، إلى عسف مجتمعي مهول، مستمد من الشرائع السماوية والقوانين الوضعية معا، هذا النشاط الذكري التوحيدي في ضرب حضور المرأة، مع القمع الذي تمارسه الأنظمة الاستبدادية على المجتمع بشكل عام، والذي يعمم تشوهه على الجميع، جعل من المرأة الطرف الأكثر تعرّضا للقمع، الطرف الأضعف الذي ما أن يجد فرصةً لقمع الأضعف منه فسيفعل، وهو ما يحدث معنا، نحن النساء اللواتي لا نتمكّن من التخلص مما نتعرّض له سوى بنقل تجربتنا إلى الأخريات، كي لا تنتفح الدائرة، وتخرج إحدانا خارجها، كي لا يتغير شكل الأنساق المجتمعية السائدة فيختل الركود الطويل.

رشا عمران



تنويه : ماينشر على صفحة كتاباتكم تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع