أخبار عاجلة
الرئيسية » تاريخ وتراث » إيران اليوم وفارس الأمس

إيران اليوم وفارس الأمس

في 21 آذار/مارس 1935، أصدر الشاه رضا بهلوي قراراً رسمياً يقضي باعتماد اسم “مملكة إيران” بدلاً من “بلاد فارس”، وجاء هذا القرار بعدما طلبت وزارة الخارجية من السفارات الأجنبية استخدام اسم “المملكة الإيرانية” في كل المراسلات الرسمية في 25 كانون الأول/ديسمبر 1934.

تخلى رضا بهلوي عن اسم “بلاد فارس” التاريخي، وأثار هذا القرار البلبلة في البلاد الغربية التي لم تألف اسم “إيران” من قبل، وظنّ البعض أن الاسم الجديد ما هو الا اسم العراق، نظراً إلى تشابه الاسمين كما يُكتَبان بالحروف اللاتينية، واقتصار الفارق بينهما على الحرف الأخير. وقد ظلّ هذا الالتباس قائماً، إلى ان تردّد اسم إيران في الصحافة العالمية بفعل الأحداث الكبرى التي شهدتها المملكة في السنوات التالية، وأهمها غزو الحلفاء في سنة 1941، وتأميم البترول في ظل حكم رئيس الوزراء محمد مصدق بعد عشر سنوات.

اختلفت الآراء وتعدّدت في تأويل القرار الذي أصدره الشاه، والمعروف أن رضا بهلوي اعتبر كمال أتاتورك مثالاً يحتذى به، فسار في اتجاه العلمانيَّة، ووضع دستوراً على المنهج الغربي، كما أصدر توجيهات بمنع الحجاب، ما جعله في نزاع مستمر مع المؤسسة الدينية. قيل إن اعتماد الاسم الجديد يعني أن البلاد قلبت صفحة من تاريخها، وأصبحت دولة مستقلة عن تدخلات روسيا وبريطانيا. وقيل إن اسم إيران يعني بلاد الآريين، وإن اختياره يعكس الرغبة في تقوية العلاقات مع ألمانيا. وقيل ان اسم “فارس” يخص الفرس، وبلاد فارس مكونة من قوميات عديدة، وهي تحتاج الى اسم جديد يشمل كل هذه القوميات.

في الواقع، يمكن القول ان فارس هي بلاد واسعة تحدّها شرقاً بلاد كرمان، وغرباً بلاد خوزستان، الشهيرة بعربستان، وجنوباً بلاد خراسان الكبرى، وشمالاً “بحر فارس” الذي نعرفه باسم “الخليج العربي”، أي أنها تشمل اليوم إيران وما جاورها إلى الشرق والشمال الشرقي. في الماضي البعيد، امتدت الأمبراطورية الفارسية حتى شملت مصر وبلغت مشارف أثينا، ثم ضعفت وتهاوت أمام الإسكندر الأكبر، وخضعت للحكم الإغريقي، ثم قامت واستعادت مركزها الأول بعد تأسيس الدولة الساسانية، ونافست الأمبراطورية الرومانية، إلى أن أسقطها المسلمون في فتوحاتهم في عهدي عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان. أطلق العرب على هذه البلاد اسم “بلاد العجم”، ويرى المستشرق لي سترانج ان الفرس كانوا اول الاجانب اتصالاً بالعرب، لذا سمّوهم العجم.

في العهد العباسي، جمع كبار الكتّاب طائفة من أخبار الفرس، وذكروا اسم إيران، وسعوا إلى تفسيره. في “المسالك والممالك”، استعاد ابن خرداذبة أسطورة الملوك الأول الذين حكموا العالم في مطلع التاريخ بحسب الرواية الفارسية، وقال إن الملك افريدون قسم الارض بين أبنائه الثلاثة، وهم سلموطوج وإيران، فملّك سلم على مغربها، وملّك طوس على مشرقها، وملّك إيران على إيرانشهر، “وهو العراق”، وهذا ما جعل من “الاكاسرة ملوك العراق”. شدّد ابن خرداذبة على هذه التسمية، وأضاف: “ملك العراق الذي تسمّيه العامّة كسرى وهو شاهانشاه، ملك الروم الذي تسمّيه العامّة قيصر هو باسيل، ملوك الترك والتّبّت والخزر كلّهم خاقان”.

استعاد المسعودي هذه الرواية في “التنبيه والاشراف”، وقال إن أفريدون قسّم الأرض بين أولاده الثلاثة، “فجعل لسلًم الروم وما يليهم من الأمم، ولطوج الترك وما يليها من الأمم، وإلى إيرج العراق وما يليه من الأمم”. ذكر البيروني هذه الروية في “الآثار الباقية”، واستشهد بأبيات ذكرها من قبله ابن خرداذبة والمسعودي مع اختلاف في اللفظ:
وقسّمنا ملكنا في دهرنا/ قسمة اللحم على ظهر وضم
فجعلنا الشام والروم إلى/ مغرب الشمس لغطريف سلم
ولطوج جعل الترك له/ فبلاد الترك يحويها ابن عم
ولإيران العراق عنوة/ فاز بالملك وفزنا بالنعم

من المفارقات المثيرة، استبدل اسم “فارس” باسم “ايران” رسمياً في سنة 1935، وبدا الاسم الجديد في الغرب مماثلاً لاسم العراق، بسبب تشابه الاسمين بالأحرف اللاتينية، واقتصار الفرق بينهما على الحرف الأخير، كما اشرنا. في القرن العاشر، في عهد الخليفة المكتفي بالله العباسي، أشار قدامة بن جعفر البغدادي إلى هذا “التشابه” في كتابه “الخراج وصناعة الكتابة”، وقال: “انما سُمّيت العرب العراق بهذا الاسم تعريباً لما وجدت الفرس سمّته، وهو ايران، ومعنى ايران نسبة الى أير، وهم القوم الذين اختارهم أير بن فريدون”. وأير بن فريدون ما هو إلا إيرانشهر في “المسالك والممالك”، وإيرج في “التنبيه والاشراف”، وإيران في “الآثار الباقية”، وهو في الفارسية ایرج پسر فریدون الذي خلده أبو قاسم الفردوسي في ملحمته “الشاهنامه” الذائعة الصيت.

تعكس هذه الروايات وجهاً من وجوه العلاقة الشائكة والملتبسة التي تربط إيران بالعراق، وهي علاقة قديمة كما يشهد التاريخ. سنة 1927، صدر في بغداد كتاب عنوانه “تاريخ الدول الفارسية في العراق”، وهو بحث أعدّه علي ظريف الأعظمي، وحدّد فيه المؤلف ثماني دول فارسية حكمت العراق “قبل الميلاد وبعده”، وهي تباعا الدولة العيلامية في القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد، الدولة الكيانية في أواسط القرن السادس قبل الميلاد، الدولة البرتية التي عاشت حتى الربع الأول من القارن الثالث بعد الميلاد، الدولة الساسانية التي قضى عليها المسلمون العرب في وقعة القادسية الشهيرة، الدولة البويهية التي تأسست في زمن العباسيين سنة 945، الدولة الصفوية الأولى التي استمرت من عام 1502 إلى عام 1535، الدولة الصفوية الثانية في العراق التي قامت في 1620 وانقرضت في 1638، والدولة الزندية التي قامت في البصرة عام 1768، واندثرت سريعاً بعد ثلاث سنوات.

في الختام، يقول علي ظريف الأعظمي ان هذه الدول انتهت، لكن الصراع استمر. سنة 1925، ضمّ الفرس منطقة الأحواز، أي عربستان، ورفضوا الاعتراف باستقلال العراق، كما رفضوا الاعتراف بسلطة الانتداب البريطاني عليه، وأوعزوا إلى مشايخهم في النجف بعدم الاعتراف بالحكم الجديد. في العام 1932، قبلت عصبة الامم العراق عضواً فيها، واعترف الفرس بالأمر الواقع، ثم عادوا وطالبوا بالجانب الشرقي من شطّ العرب، وحصلوا على جزء منه.

استبدل اسم فارس باسم ايران رسمياً في العام 1935 بأمر من الشاه رضا بهلوي، لكن الاسم القديم بقي حياً. في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، دعا المؤرخ العلامة احسان يارشاطر إلى مراجعة هذا القرار في صيف 1959، وأفضى هذا السجال إلى القول بأن الاسمين لا يتعارضان، فاسم فارس يحمل بُعداً تاريخياً ثقافياً، واسم ايران يحمل بعداً سياسياً.

يختلط هذان البُعدان في زمننا، وأبلغ دليل على ذلك قول علي يونسي، مستشار الرئيس الإيراني حسن روحاني، منذ ثلاث سنوات: “إيران اليوم أصبحت امبراطورية كما كانت عبر التاريخ وعاصمتها بغداد حالياً، وهي مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا اليوم كما في الماضي”.

المصدر: المدن