أخبار عاجلة
الرئيسية » شؤون عربية » “إنه المكان الذي تتحطّم فيه أحلامنا الكبرى”… ماذا قال روبرت مالي عن لبنان في جلسة خاصة؟

“إنه المكان الذي تتحطّم فيه أحلامنا الكبرى”… ماذا قال روبرت مالي عن لبنان في جلسة خاصة؟

“هذه ليست من بين أجندات العمل التي يمكن اعتبارها تحويليّة أو مقاربتها باعتبارها الأكثر إلهاماً. لبنان ضعيف للغاية، هشّ للغاية، وتوازناته شديدة الحساسيّة على أن نعتبرها عجلة تحملنا لتنفيذ أجندة تحويليّة هناك. لبنان ليس المكان الذي تُولد فيه الأحلام الكبرى للدول، إنه المكان الذي تتحطّم فيه تلك الأحلام”.   

بهذه العبارات ختم رئيس “مجموعة الأزمات الدوليّة” روبرت مالي مداخلته الخاصة أمام لجنة مجلس الشيوخ الأمريكي للعلاقات الخارجية ومكافحة الإرهاب.

ما قاله مالي في تلك المداخلة، التي حملت عنوان “شهادة حول لبنان”، قد لا يُدرج في إطار الجديد الذي يُغيّر سياسات ويقلب توازنات، لكن يمكن الوقوف عند أهميّته انطلاقاً من خبرة المحامي الأمريكي والسياسي المختص في فضّ النزاعات الطويلة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والخليج، واستناداً إلى محطات مختلفة برز فيها أثناء عمله في الإدارة الأمريكيّة لسنوات طويلة.

يُعرف مالي بأنه براغماتي مستعد للتحاور مع الأعداء. هو أكاديمي غير منتم للمدرسة التقليدية التي يأتي منها الباحثون في واشنطن، وقد عمل مستشاراً مقرباً من الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، ثم شارك في صياغة الاتفاق النووي مع إيران وتولى منصب أحد كبار المستشارين لتنسيق الحرب على “داعش” في 2016.

وسط تنقله بين الملفات، بقيت القضية الأكثر أهمية بالنسبة لمالي هي القضية الفلسطينية، وقد شارك ضمن فريق الرئيس الأسبق بيل كلينتون في التنسيق لقمة كامب ديفيد، وعُرف بأنه أكثر سياسي أنصف عرفات بعدما اعتبر أن الأخير لم يفشل وحده القمة، مناقضاً رأي زملائه في فريق كلينتون ورأي الجانب الإسرائيلي.

بالعودة إلى شهادته حول لبنان، المؤرخة في 21 مارس الجاري والتي يقول إنها دعوة من اللجنة لمناقشة أفضل السبل لدعم الأمن والاستقرار في لبنان، يشير إلى أن عمله في “مجموعة الأزمات الدولية” سهّل له التواصل مع كافة أطراف الانقسام في لبنان، ومن بينها “حزب الله”.
“لا تعاقبوا لبنان” 

“على الأرجح أنكم سمعتم من الآخرين أن الحلّ في لبنان يكون بالتضييق على حزب الله، وبالتالي على التأثير الإيراني، من خلال معاقبة الدولة اللبنانية وفرض العقوبات عليها، وربط المساعدات لمؤسساتها وجيشها الوطني بإنهاء دور الحركة الشيعية، غير المتكافئ، بأكمله”، يخاطب مالي اللجنة مستدركاً “لكن نتيجة عمل مجموعات الأزمات الدوليّة الميداني ودراساتها التحليلية، وبفعل خبرتي الشخصيّة، يمكن أن أقول أن لي رأي آخر”.

كيف يرى مدير “النزاعات الدولية” آثار وقف المساعدات الأمريكية للمؤسسات اللبنانيّة وخلق مواجهة بين اللبنانيين إذاً؟

هذه السياسة ستؤتي ثماراً بعكس تلك التي يبتغيها الأمريكيون، فـ”قد تعرّض استقرار لبنان للخطر، وستجرّ على الأرجح إلى صراع داخلي يتفوق فيه حزب الله وقوته العسكريّة، ما يكثّف بالتالي مخاطر الحرب مع إسرائيل ويعرّض ما تبقى من مؤسسات لبنانية للخطر”، على حدّ توصيفه.

ويضيف مالي إلى ذلك قائلاً “إضافة إلى الخسائر البشريّة الهائلة التي ستترتّب نتيجة صراع مماثل، فإن الفوضى والعنف المتوقعين منه سيأتيان في وقت تغرق فيه المنطقة أساساً في فوضاها وعنفها، وسيصبّان لصالح إيران وحلفائها الذين ستزدهر مصالحهم في سياق مماثل”.

“الخصوصيّة اللبنانية”

يوصّف مالي في هذه الشهادة ما اصطُلح تسميته بـ”الخصوصيّة اللبنانيّة” على نحو دقيق.

يقول: “لبنان حالة خاصة في المنطقة – هو صورة مصغرة عن الشرق الأوسط لكنه حالة استثنائية فيه كذلك. شارك لبنان في الصراع العربي الإسرائيلي، كما عايشه وعانى منه، ثم خبر التأثير الخبيث للطائفية، صعود الجهاد المسلح، تدخل الجهات الإقليمية الفاعلة والتدفق الدراماتيكي للاجئين”، ثم يضيف: “هذه الجهات الفاعلة إقليمياً استخدمته، بأشكال مختلفة، كساحة لحروبها بالوكالة، فكان ساحة لعب للصراع العربي – الإسرائيلي ومساحة اختبار للتنافس السعودي – الإيراني”.

من ناحية أخرى، والكلام دائماً لمالي، فإن لبنان يقدّم أكثر الأمثلة ندرة لما يفقتر إليه الشرق الأوسط: التعددية، التسامح، السياسات التوافقية، والقدرة على حفظ العلاقات مع الولايات المتحدة والسعودية وإيران في الوقت نفسه.

وهنا يضع مالي على طاولة النقاش ما اختبره لبنان من دخول أعداد هائلة من اللاجئين قاربوا ربع عدد سكانه، وما كان يستضيفه سابقاً من لاجئين فلسطينيين, ثم الحرب القائمة على أبوابه وانخراط حزب الله فيها وما خلفته من حساسيات مذهبية قابلها صعود الجهاد المسلح.

هذه العوامل بإمكانها، حسب صاحب الشهادة، أن تزعزع حتى أكثر الدول استقراراً، لكن ذاكرة اللبنانيين عن الحرب الأهلية غير البعيدة ساعدته في حفط استقراره، ولم تكن وحدها المسؤولة عن ذلك فقدرته المستمرة على حفظ التوازنات المحلية والخارجية كانت سبباً في ذلك بدورها.
العلاقة المعقدة

يصف مالي ما يقوله زميله الباحث إليوت أبرامز وكذلك المسؤولين في السعودية باعتباره وجهة نظر غير متناسقة، إذ يطالب هؤلاء بنزع الغطاء عن الحكومة التي باتت تشكل بدورها غطاء لحزب الله، وأن تعيد الولايات المتحدة تقييم مساعداتها للبنان على قاعدة تنحية حزب الله جانباً وكبح نفوذه.

قد يبدو مثل هذا الاقتراح ملائماً على الورق فحسب، لكنه “شديد الخطورة وغير صائب من الناحية العملية”، وفق مالي الذي يعلق “لقد جربت السعودية هذا الخيار أواخر نوفمبر الماضي، حين ضغطت على رئيس الوزراء سعد الحريري من أجل الاستقالة”.

“لقد صادف أن كنت في لبنان بعد يوم من احتجاز الحريري في الرياض، وصادف أن زرت الرياض الأسبوع الماضي والتقيت بولي العهد محمد بن سلمان، عشية زيارته إلى واشنطن، وأستطيع القول إنني خرجت من الزيارتين بقناعة أن الخطوة السعودية أتت بنتائج عكسية”، يخبر مالي مشيراً إلى أن “السعودية انتهجت مقاربة أكثر واقعية وبراغماتية بعد تلك الحادثة، محافظة على العلاقات مع لبنان من دون تغيير جوهري في التوازنات الحساسة القائمة بين الحريري وحزب الله والقوى الأخرى”.

يسهب الباحث الأمريكي في شرح ديناميكية العلاقة المعقدة والمتداخلة بين “حزب الله” والقوى اللبنانية الأخرى، بعيداً عن الصورة الغربيّة النمطية الذي تحصره في إطار ميليشياوي بحت. وبينما يستدكر بأن ذلك “لا يعني المساهمة في تأمين أرضية مريحة، غير خاضعة للمساءلة، لهذا الحزب داخل الدولة”، يرى أن “المهم هنا امتلاك رؤية واضحة لكيفية عمل هذا الحزب على الأرض وما يمكن أن تجرّه محاولات استبعاده أو معاقبة المؤسسات الرسمية بسببه على لبنان”.

“اعتادوا القول إن حزب الله دولة داخل دولة، لكنه في الحقيقة دولة داخل دولة فاشلة”، من هنا ينطلق مالي ليؤكد على أن العقوبات لن تضعف حزب الله بل ستؤثر سلباً على أولئك الذين ما زالوا يحاولون الدفاع عن آخر ما تبقى من استقلالية المؤسسات.

“ضعوا الأهداف الطموحة جانباً”

من ناحية أخرى، يحذّر مالي من تأثير العقوبات على المؤسسات الأمنية اللبنانية التي لا تزال متأثرة بالانقسامات السياسية والطائفية، وأي محاولة لجرّها إلى مواجهة مع الحزب ستؤثر على الأمن في لبنان وستغلّب الولاءات الطائفية… وسيخرج منها حزب الله منتصراً.

كما يدعو الإدارة الأمريكيّة إلى القبول بـ”الحكومة الوطنية الأخرى”، المحتمل تشكيلها بعد انتخابات مايو المقبلة والتي سيكون فيها حزب الله طرفاً بالتأكيد، حسب مالي الذي يقول إن دعم تلك الحكومة هو أفضل الخيارات المتاحة.

يحذّر مالي في جانب آخر من خطر الحرب الإسرائيلية الدائم مع حزب الله في لبنان، على قاعدة أن المؤشرات تطرح سؤال “متى ستحصل” وليس “هل ستحصل”، يُضاف لذلك البعد الإقليمي العام والتوتر بين السعودية وإيران، ويقابله تصعيد ترامب ضد الأخيرة وعدم اتساق سياسته وغياب القدرة على توقع ردود فعله تجاه إيران.

في هذا السياق، يقول مالي “هذا هو الواقع المعقد للبنان وحزب الله. البلد ثابت بشكل مفاجئ في صموده وكذلك في هشاشته، بوجود فريق مستقل مسلح هو حزب الله ثابت في عدائه لإسرائيل وتحالفه مع إيران. أي خطأ أو إشارة يساء فهمها قد يجران إلى مواجهة خطيرة جداً”.

ويضيف: “على ضوء هذه الصورة – غير المرضية كما تبدو – على الأطراف الخارجية ومنها الولايات المتحدة أن تتعامل بحذر مع الشؤون اللبنانية، وتحرص على تعزيز الحكومة المركزية والمؤسسات، لا سيما الجيش اللبناني، وتخفف مخاطر المواجهة بين إسرائيل وحزب الله وتحد من التوترات الإقليمية”.

بعد ما تقدّم، يدعو مالي اللجنة في النهاية إلى ضرورة وضع “الأهداف الأكثر طموحاً جانباً” لأن “لبنان ليس المكان الذي تُولد فيه الأحلام الكبرى بل المكان الذي تتحطّم فيه تلك الأحلام”.  

المصدر: رصيف 22