أخبار عاجلة
الرئيسية » مجتمع » من العمامة إلى الطربوش ثم البدلة: سيد درويش في 3 صور

من العمامة إلى الطربوش ثم البدلة: سيد درويش في 3 صور

يحضر سيد درويش (1892- 1923) عبر ثلاث صور؛ مرتديًا عمامة، ثم بالطربوش التركي، ولاحقًا بالبدلة الإفرنجية. كأنّ هذا الحضور، أيضًا، يوازي حضوره الموسيقي من خلال تغيّراتٍ طرأت، لتُحدّد ملامح تشكيل ألحانه وتحوّلاتها. كانت ألحان سيد درويش نتاج كوزموبوليتية ازدهرت في مصنع الألم المصري، غير أن ظهوره بالتزامن مع تبلور المخيلة الوطنية، أعاد إنتاجه في صورة مخلّص الغناء المصري، والعربي، مع صعود الخطاب القومي. هل ساهم رحيله المبكّر في إضفاء قداسة عليه؟

رحيل سيد درويش المبكّر جعله مادةً خصبةً للتخيّل الجمعي، سيتم تكييفه وفق رؤى وطنية أو عاطفة أدبية، أكثر من كونها رؤى ذات مضامين موسيقية. لا يعني ذلك أن السيرة الفنية لسيد درويش كانت نتاج التزييف، بل هناك عناصر حقيقية في منجزه الفني، إلا أنها حُمّلت بصور واستعارات لا تمتّ للموسيقى بصلة؛ فأقحمت عناصر من التاريخ السياسي لإيجاد رديف موسيقي للموضوع الوطني؛ ذلك أنّ التخلص من هيمنة الأجنبي سياسيًا، يقابله مخلّص للموسيقى من أثر أجنبي (غير عربي).

يبدو الأمر أشبه بالتحاق متأخر بقطار الرومانتيكية الآفل أوروبيًا، من خلال محاولة خلق ملحمة سردية للموسيقى الوطنية، عبر استعارة رموز، بعضها من إرهاصات الخطاب البرجوازي للثورة الفرنسية، التي صوّرت بيتهوفن كمخلّص للموسيقى الأوروبية، وقابل هذا في مصر والعالم العربي سيد درويش. عملية تشبه الكتابة بأثر رجعي؛ أي اقتباس عناصر من الإرث الرومانتيكي الذي جسّدته الموسيقى القومية في أوروبا من ألمانيا إلى روسيا.

كان عبده الحامولي يزور تركيا من أجل الاطلاع على الجديد في الغناء والتلحين. في عصر عثمان – الحامولي المرتبط بالبلاط الخديوي، لم يكن هناك نموذج فني آخر بالوضوح التركي. وحين ظهرت عناصر أخرى من البحر الأبيض المتوسط والغناء الأوبرالي الأوروبي، تعدّدت النماذج الموسيقية، وهذا نتاج انفتاح على أوروبا. نستذكر هنا مقولة الخديوي توفيق: “إن مصر جزء من أوروبا”. لعلّها تعبير عن هاجس الخروج من فضاء السلطنة إلى فضاء أوروبا المتقدّم.

ظهر سيد درويش في مرحلة ازدهار المسرح الغنائي، إذ شهدت الإسكندرية أزهى عصورها الكوزموبوليتانية، في أواخر القرن التاسع عشر حتى ثلاثينيات القرن العشرين. بلغ عدد الأجانب ربع سكانها عام 1917، وهو عام صعود نجم سيد درويش. أتاح المسرح لصاحب “الشيطان” إدخال عناصر جديدة مستعارة من الموسيقى الأوروبية، برّر التزاوج بين الأغنية والدراما الاقتصاد في الزخرف حتى مع سلامة حجازي وداود حسني، إلا أن مرحلة درويش ترافقت مع اتساع جمهور المسرح داخل الطبقات الشعبية، فكانت الخفة والرشاقة اللحنية عنوان نجاحه.

تكمن عبقرية سيد درويش في استيعابه عناصر ثقافية مختلفة وهضمها بألحان مختلفة عن السائد، إلا أن فكرة مخلّص الغناء العربي من الأثر الأجنبي، هي مقولة بأثر رجعي، تحاكي تطور المخيلة الوطنية وتعدّد نماذجها الثقافية.

يؤكد رياض السنباطي تلك المقولة، تخليص اللحن من الارتباط بالغناء التركي. لكن، مثلًا، واحدة من أشهر مؤلفات السنباطي الموسيقية خارج التلحين هي “لونغا فرح فزا”، واللونغا قالب تركي للتأليف الموسيقي.

التخليص هنا لا يعني اجتثاث الأثر كليًا، لكن هو تخليص من الالتحاق الكلي، بمعنى أنه لم تكن هناك شخصية للأغنية المصرية أو العربية قبل سيد درويش. يعود الطربوش، وإن أزيح عن الرأس باعتباره مظهرًا بائدًا، بطابعه الرمزي لوجود روابط ثقافية مشتركة.

لم يختف الأثر التركي بالمطلق من الأساليب اللحنية، استمر تأثر محمد القصبجي، مثلًا، بالموسيقى التركية، لتظهر ملامح الزخرفية. يرتبط أسلوب القصبجي اللحني بوجود خامات صوتية عريضة، كما في حالة أم كلثوم خصوصًا.

بسّط سيد درويش الأسلوب اللحني، بالتوافق مع محدودية صوته مقارنة بصوت سلامة حجازي. التقاطع بين وظيفة الملحّن والمؤدي أو المطرب، تجعل من صوته نموذجًا لألحانه. سيتغير أسلوب محمد عبد الوهاب التلحيني، بصورة تتفق مع انحسار مساحة صوته. ثمة نرجسية في الأمر. سيبرر عدم اعتماده على عضلات الصوت بالتقدم الموسيقي. حتى أنه سيفضّل التعاون مع نجاة الصغيرة محدودة الصوت، على التلحين لسعاد محمد ذات المساحة الصوتية العريضة. ومع ظهور الميكرفون، انحسرت أهمية الصوت لمصلحة مقولات فضفاضة، مثل الأداء والإحساس.

وضعت الرومانتيكية بيتهوفن كنموذج للتحرّر من القالب الموسيقي، مثلما ستصبح البساطة اللحنية مقولة فنية مطلقة. وطالما استقطبت البساطة جمهورًا واسعًا. لا بدّ من قراءة تغيُّر الأساليب اللحنية نتيجة محركات فرضتها التحولات المجتمعية. عندما رفضت أم كلثوم ألحان القصبجي، وأبقته على هامش اهتمامها من رئيس فرقة إلى عوّاد في فرقتها، لم يكن ذلك نتيجة تدهور مستواه اللحني، بل لإدراكها طبيعة التحولات في ذائقة الجمهور.

هكذا، جاء الاقتصاد في التلوينات المقامية المعقدة، بالنسبة للغناء العربي، ليتفق مع ظهور السينما وازدهارها في الثلاثينيات. وكما شكّل المسرح لسيد درويش مسوّغ استخدام جمل بسيطة، أو التصرف بالموقف الدرامي لحنيًا، فتحت السينما بابًا أوسع للاقتباس من الغرب.

تُشكّل العمامة والطربوش والبدلة الإفرنجية دلالات رمزية لتطور شخصية الملحن في مصر. من شيخ غناء ديني، إلى أفندي على طريقة الحامولي. ومع الانفتاح على النموذج الغربي، اتسع شكل المحاكاة؛ كان لا بد أن يكون درويش في زي بيتهوفن. لم يكن الأمر بتلك الطريقة، لكن هذا ما شكّلته الكتابة بأثر رجعي.

ظلت اللازمة الموسيقية بلحن المذهب، ومع التطوّر استقلت عنها، ثم ظهرت محاولات تجريبية لإدخال بولفوني وهارموني، وهي محاولات ملفقة، وإن ظهرت تجارب محدودة جيدة. في الأدبيات العربية، يرد أن سيد درويش هو أول من أدخل البولفونية في الموسيقى. استدعى ازدهار المسرح الغنائي توسيع الفرقة الموسيقية.

يمتلك سيد درويش موهبة موسيقية فذة، لكن مفاهيمه تقتصر على الموسيقى الشرقية، وإدارة تخت محدود؛ فاعتمد على مايسترو إيطالي يدعى كاسيو من أجل التوزيع الأوركسترالي. لم تكن محاولة الالتحاق بالركب الغربي واضحة الملامح، كان المشهد ضبابيًا.

لا ندري إن كان هناك عدم دقة أو عدم معرفة في إهمال حقائق معينة بالنسبة للتاريخ الموسيقي العربي. على سبيل المثال، يجري الحديث عن أن سيد درويش أول من أدخل الموسيقى البوليفونية في الموسيقى العربية. وهي عبارة عن مقاطع صغيرة في مسرحيات “العشرة الطيبة”، و”شهرزاد” و”الباروكة”، وهو ناتج عن الرغبة في تطوير المسرح ضمن النموذج الغربي، الأكثر تعقيدًا في ألحانه. إضافة إلى أن الموسيقى والغناء هما قوام كل دراما الأوبرا الغربية، بينما الموسيقى في المسرح العربي لم تكن أكثر من فواصل درامية ضمن حوار مسرحي، سواءً كأغانٍ فردية، أو دويتو، أو مجموعة. وعليه، كانت الكتابة النقدية، في زخم نشوتها القومية والوطنية، تنطلق من نديّة بدت ملفّقة.

في الواقع، اعتمد سيد درويش على المايسترو الإيطالي لإدخال الغناء البولوفوني. في تلك الفجوة المعرفية بالتأليف الهارموني، ظهرت وظيفة الموزع الموسيقي، ونتج عنها إدخال قوالب غربية مثل الهارمونية، في الجمل اللحنية التي لا تحتوي على أرباع الصوت، إضافة إلى توظيف الآلات أوركستراليًا في الفواصل الموسيقية وسط الغناء، واستخدام السلم الملون.

هكذا، أصبح مُصطلح “موسيقار” يُستخدم في غير موضعه، وبشكل غير دقيق. مثلًا، أُطلق على محمد عبد الوهاب حين كان يقود فرقة في لحنين وطنيين للمجموعة، يتضمنها أداء هارموني. إلا أن الصورة الأكثر كاريكاتورية، كانت في قيادته فرقة تعزف النشيد الوطني لمصر، بعد تكليفه من الرئيس أنور السادات بتوزيع لحن سيد درويش “بلادي بلادي”، والذي لحنه على مسار لحني واحد. بعد سنوات، يفجّر الإعلام حقيقة اعتماد عبد الوهاب على موزّع موسيقي يعمل معه.

أراد درويش، خلافًا لأسلافه، السفر إلى إيطاليا لدراسة أساليب التأليف الأوروبية. لكن ما مدى صحة هذه المروية؟ بعيدًا عن ذلك، نحن نعرف أنه سافر يافعًا إلى الشام، في رحلة أطلعته على ثقافات لحنية جديدة شكّلت جزءًا من وعيه الموسيقي، وظهرت ملامحها في كثير من ألحانه المستقبلية.

لم يقترن مذهب سيد درويش التجديدي بمنهج أصحاب النظريات أو قادة النهضات، بحسب الأديب توفيق الحكيم؛ إذ كتب: “إنه لعجيب أن يكون لمثل سيد درويش بثقافته البسيطة صورة عليا للفن. إنني لا أعتقد أن سيد درويش كان يتعمد التجديد قهرًا أو افتعالًا ولم أسمعه يتحدث في ذلك، كما يتحدث أصحاب النظريات أو قادة النهضات. ولكن التجديد عنده في ما أرى كان شيئًا متصلًا بفنه ممزوجًا به، لا حيلة له فيه.. شيئًا يتدفق من ذات نفسه، كما يتدفق السيل الهابط من القمم.. كانت الألحان تنفجر منه كأنها تنفجر من ينبوع خفي”.

شكّلت الاستعارات الأدبية جزءًا من مضمون السيرة الفنية لسيد درويش، للفنان محرّك خفي وآخر ظاهر، إلا أن الاستعارة الأدبية أرادت الإيحاء إلى إبهام إعجازي. فالمضامين التي شكّلت سياق تجديد سيد درويش لم تأتِ من لا شيء، هناك ملامح تطور سبقته، ومع أن لحظة درويش كانت متفجرة ومعبرة عن تشكّل مجتمع جديد ووعي مختلف. إضافة إلى الكوزموبوليتانية التي مكنته من الاطلاع على عناصر ثقافية متعددة. وهذا لا يقلل من قيمة سيد درويش الفنية، بل يُبيّن أهمية قراءته في أنساق موضوعية بالتوازي مع إنجازه الفني.

بالنسبة للأديب عباس العقاد، أدخل سيد درويش عناصر الحياة والبساطة في التلحين. تعود الاستعارة الأدبية للتطفل على المضامين اللحنية، ليقول إن درويش ناسب بين المعاني والألحان، وبين اللحن والحالات النفسية، مستعيدًا المفهوم الأرسطي بأن تلك المعاني موجودة في اللحن من قديم الأزل. يشكّل الأدب وصاية على الموسيقى باغتصاب سياقاتها؛ فالتعبير قيمة أدبية أكثر منها موسيقية. وهي الاستعارات التي استخدمها الملحنون مثل عبد الوهاب لتفسير ريادة سيد درويش.

الكتابة بأثر رجعي أعادت لنا صورة سيد درويش المقابل لثورة 1919، ووصفه سعد زغلول بأنه زعيم وطني. تمارس الثورات أيضًا التصرف بالزمن، وهي الثيمة التي جعلت ثورة 23 يوليو تؤرخ ظهور عبد الحليم حافظ مع انطلاقتها، لتؤرَّخ، أيضًا، أول أغنية له؛ قصيدة “لقاء”، شعر صلاح عبد الصبور وألحان كمال الطويل، مع أنه سجل أغاني قبل الثورة للإذاعة. بهذه الطريقة، تم تنظيف أي علاقة تربط عبد الحليم بالعهد الملكي.

وفي صورة أم كلثوم، كان لا بد من إيجاد مرادف أخلاقي. قبلها كان ما يُسمّى بالغناء الهابط مستشريًا بين المطربات. ومع ظهورها، أعادت القيمة للغناء الجاد والمبدع. غير أن أم كلثوم غنت في بداياتها أغنية “الخلاعة والدلاعة مذهبي” من ألحان أحمد صبري النجريدي. هل تسقط قيمة أم كلثوم الفنية لأغنية كهذه؟ في بداياتها غنت ما كان شائعًا في الوسط الفني. حاولت أم كلثوم تنظيف تلك “السقطة” الفنية، حتى أن الصحافي الشهير محمد التابعي كتب منكرًا أنها غنت تلك الأغنية، واعتبرها لواحدة من مقلدات كثر لها. تستحضر تلك الثيمات فاصلًا زمنيًا لما قبل أو بعد، لتشكّل قاعدة مثالية لا تخلو من الطمس او فبركة الحقائق.

كان أسلوب سيد درويش اللحني فاتحة بالنسبة لموجة حديثة من الألحان العربية، غير أنّ جزءًا كبيرًا من المضامين اللحنية التي كانت مبتكرة لم تأت من لا مكان. إحدى بوادر التقدم اللحني في أغاني سيد درويش كانت في الخروج عن نمط التجاور النغمي في الأسلوب التقليدي؛ أي تدرجه في الانتقال بين النغمات من درجة إلى أخرى مجاورة، من الدو إلى الري مثلاً، بينما شهدت بعض ألحانه، بما فيها أدواره الأخيرة، خروجًا عن النمط، خصوصًا أنه عرف الأساليب الموسيقية الغربية، مطوّعًا ذلك في تطوير الأسلوب اللحني. هذا التحرر أفضى إلى الخروج عن الانتقالات المقامية بين المقامات القريبة، إلى مقامات أبعد، انتهجها في أسلوبه اللحني. لكن تلك السمة تتطلب قراءة تاريخية لمعرفة ما إن كان ممهدًا في تجارب محدودة سبقته، وصارت واضحة في سماته اللحنية في ما بعد. كل هذا لا يستبعد قيمة سيد درويش الأصيلة فنيًا، وفي نفس الوقت كان باعثًا لأساليب لحنية أكثر حداثة.

السيرة الفنية لسيد درويش تتطلب قراءة منجزاتها في سياق المضامين اللحنية، بعيدًا عن الاستعارات الأدبية والوطنية. فنان الشعب، تعبير عن ارتباط أغانيه البسيطة للعوام خارج نسق الذائقة المخملية، وهذا أحد إرهاصات الخطاب البرجوازي. في المستوى العام، تتزاحم في صورة سيد درويش، ثيمات ومعانٍ محملة بملحمة ثقيلة من الشعارات، فهو نصير الفئات الشعبية، وربما نصير المستضعفين، والذي غنى لكل طبقات العمل، من الحمالين الى إلجرسونات إلى الصنايعية. لكن ما معنى هذا في السياق الجمالي للحن، حد أنه يتم نزع تلك المضامين من سياقاتها، أي غنائها في المضمون الدرامي للمسرح. وهي مضامين جاذبة للطبقات العادية من الشعب.

بعد سنوات، سيضمحل المسرح مع صعود السينما، وستتجه الأغاني في تطورها إلى استيراد إيقاعات وأنماط من الخارج، بينما ستظهر قيم صوتية فردية على المسرح؛ وهو ما لم يكن سيجاريه ما لم ترتبط ألحانه بأصوات مهمة.

جمال حسن