أخبار عاجلة
الرئيسية » كتب » كتاب رحلة علي الطنطاوي إلى بطرسبورغ : وثيقة تشهد على العلاقات العربية الروسية المبكّرة

كتاب رحلة علي الطنطاوي إلى بطرسبورغ : وثيقة تشهد على العلاقات العربية الروسية المبكّرة

مع مطلع القرن التاسع عشر انطلقت الرحلات العربية إلى أوروبا على أمل التحديث ونقل المعارف، وقد دوّنت تلك الرحلات في أسفار خلّدت طبيعة الفوارق الثقافية والحضارية والاجتماعية بين العالمين العربي والغربي، فكان كتاب “تخليص الإبريز في تلخيص باريز” خلاصة رحلة رفاعة الطهطاوي، وكذلك كان كتاب “كشف المُخبَّا عن فنون أوربا” لـأحمد فارس الشدياق، و”رحلة إلى أوروبا” لمحمد شريف سالم، و”إرشاد الألبا إلى محاسن أوروبا” لمحمد أمين فكري، وغيرها.

وإذا كان معظم أولئك الرحالة قد توجهوا صوب غرب أوروبا؛ فإن عدداً قليلاً منهم توجه نحو الشرق باتجاه الإمبراطورية الروسية، التي حظيت بأول رحلة عربية قام بها شيخ مصري معمّم، استدعي من القاهرة إلى بطرسبورغ لتدريس اللغة العربية، وهو الشيخ محمد عياد الطنطاوي (1810-1861)، الذي دوّن رحلته في كتابه “تحفة الأذكياء بأخبار بلاد الروسيا” (1850)، الذي ظلّت مخطوطته غائبة عن القارئ العربي زمناً طويلاً بعد وفاة صاحبه.

يشير محمد عيسى محقّق الرحلة إلى أن عدداً من الكتّاب والباحثين تكلّموا عن الشيخ الطنطاوي ورحلته المهمّة إلى بلاد روسيا، لكن مجمل المادة التي نُشرت قديماً عن الكتاب تعود إلى باحثَين اثنين؛ أولهما العلامة أحمد تيمور باشا (1871-1930) الذي كان أوّل من تنبّه إلى أهمية الشيخ الطنطاوي في علم المشرقيات، إذ بذل الجهد في تسقط أخباره ووسع دائرة بحثه عند المستشرقين، والثاني هو المستشرق الروسي أغناطيوس كراتشكوفسكي (1883-1951) الذي أصدر كتاباً كاملاً عن الشيخ المصري في بطرسبورغ سنة 1930. وكانت بين تيمور وكراتشكوفسكي مراسلات ووعود بإعطاء الشيخ المجهول حقّه من التعريف بمنجزه.

توطّدت علاقة الطنطاوي بالعديد من المستشرقين الذين قدموا إلى القاهرة، حيث كان يدرسهم اللغة العربية وآدابها، وبقي أثره في نفوسهم عندما عادوا إلى بلادهم. وحين احتاجت “مدرسة الألسن الشرقية” في بطرسبورغ مدرساً للغة العربية رشّحوا الشيخ الطنطاوي للمهمة.

طلب القنصل الروسي في القاهرة من محمد علي باشا، والي مصر، أن يسمح بإعارة الشيخ الطنطاوي إلى روسيا، فوافق على الفور. وقد استدعى محمد علي الطنطاوي إلى ديوانه، ورخّص له بالسفر، وطلب إليه الجدّ في تعلّم اللسان الروسي؛ لأنه مشغول بجلب الألسن الغربية إلى مصر، ليعرف مدى التقدّم العلمي والاجتماعي الذي وصلت إليه بلاد الروس، بل وكتب له مرسوماً، مهرَه بختمه، ووعده بالحظوة والإكرام إن فعل. وهو الأمر الذي وثَّقه الطنطاوي في كتابه.

يحكي المؤلّف أنه وصل إلى هدفه في مدينة بطرسبورغ في 30 حزيران/ يونيو عام 1840، بعد رحلة استغرقت سبعين يوماً. وقد كان عزمه على تأليف كتابٍ عن رحلته مبكراً كما يظهر من قوله: “وعند إبرام العزم على الظعن إلى هذا القُطر الحسن، سألني جمعٌ من الأصدقاء والمعارف أن أسطّر في سَفَري هذا كتاباً، أودع فيه ما يعذُب مذاقاً ويطيب شراباً، من بدائع البلاد وغرائب العباد، مع شذرة علمية ونكات أدبية، وطُرَف استحسانية ومُلَح اختراعية؛ فأجبت السؤال وبادرت الامتثال، وشرعت في هذا التعليق البديع الأنيق، وسميته “تحفة الأذكياء بأخبار مملكة الروسيا”.

بعد تمهيد بلا عنوان، ثم مقدمة طويلة تحدّث فيها بإسهاب عن طبيعة الرحلة ومشاعره أثناءها ومراسلاته حولها مع أصدقائه في مصر؛ جاء الفصل الأول من الكتاب بعنوان “منشأ الروس”، وفيه تحدّث عما يعلمه من أصول الشعب الروسي القديمة وطبائعه ومعتقداته وعاداته الاجتماعية وأحواله في السلم والحرب.

ثم انتقل إلى الباب الثاني ليتحدث عن مدينة بطرسبورغ وموقعها الجغرافي وأهميتها في البلاد الروسية وتاريخها وأشهر ما ألمّ بها من حوادث، مع التركيز على حياة بطرس الأكبر وإنجازاته وإصلاحاته ودوره في نهوض روسيا وتقدّمها في كافة المجالات. في حين جاء الفصل الثالث، ولعله أهم الفصول، في عوائد الروس وأخلاقهم وملابسهم وأعيادهم وأديانهم وتقدّمهم في الفنون والعلوم.

يرى الباحث محمد صالحيّة أن رحلة الطنطاوي بقيت بعيدة عن تناول الباحثين لسنوات طويلة، مقارنة برحلة صديقه رفاعة الطهطاوي إلى فرنسا؛ وذلك لعدة أسباب من بينها أن رحلة الطهطاوي كانت لبلاد تقدّمت في مضمار النظم الدستورية والتعليم والصحافة والحرية والتربية والثقافة، في حين كانت رحلة الطنطاوي إلى بلاد كانت لا تزال آخذة في أسباب المدنية والثقافة وتسعى للنهوض بالمجتمع.

كما أن تأثير الطهطاوي كان مباشراً، حيث عاد إلى مصر وشارك بخبرته في الحياة العامة، حيث اقترنت أفكاره النظرية بالتطبيق العملي، في حين لم يفعل الطنطاوي ذلك، بل إنه عاد إلى مصر في إجازة ثم عاد إلى روسيا مصطحباً زوجته لتعيش معه هناك إلى أن لقي ربه ودفن في بطرسبورغ عام 1861.

رحلة الطنطاوي، شهادة تاريخية، تبرز أهميتها في كونها وثيقة تشهد على العلاقات العربية الروسية المبكّرة، وأثر الفكر العربي في التأثير على حركة الاستشراق في القرن التاسع عشر، إضافة إلى كونها وثيقة أدبية ولغوية على حال اللغة العربية وطبيعة التأليف في تلك الفترة.

ياسر غريب