أخبار عاجلة
الرئيسية » مجتمع » رحيل جورج مسوح.. الأب العلماني المدني ضد الاستبداد

رحيل جورج مسوح.. الأب العلماني المدني ضد الاستبداد

رحل اليوم الأب جورج مسوح، انطفأ جسده وبقي فكره، بعد صراع بعد مع المرض، وهو من الشخصيات الدينية المتنورة التي لها مواقف مفصلية في الشأن العام والدين والتنوير والحريات.

كتبت عطية مسوح في الفايسبوك”: ابن العم الغالي، كانت حياتك القصيرة الطويلة مَسِيرةً من العطاء والإبداع.. لم يكن وجودك في هذه الحياة مروراً عابراً بل حضوراً متميّزاً، لا على الساحة اللاهوتيّة فحسب، بل على الساحتين الفكريّة والاجتماعيّة. كانت حياتك نشاطاً دؤوباً وإنتاجاً فكريّاً غزيراً لن تمحو الأيّام أثره. كنت مثالاً لرجل الدين الذي يقبل العلمانيّة ويدعو لها، ويقرّ بالتنوع وحقّ الآختلاف ويؤمن بمرجعيّة العقل الذي هو إمام الأئمّة وبوصلة الحياة. لم تكن تفرّق بين الناس على أساس الدين أو المذهب، شهدت على ذلك كتاباتك وعلاقاتك الشخصيّة وحياتك الواقعيّة. أمثالك لا يموتون، لا يغادرون هذه الحياة، وأنت باقٍ بيننا، وبين الناس الذين عرفوا نبلك وسماحتك وثقافتك”.

عرف الأب مسوح أنه من دعاة العلمنة ويعتبرها “فسحة تتوافر فيها قيم عدة أساسية، على رأسها احترام حقوق الإنسان، واحترام التنوّع بأشكاله كلّها، واحترام الحرّيّة الفرديّة… كما أنّنا نفهمها فصلاً تاماً ما بين الدين والدولة. أما مَن يخالف إحدى هذه القواعد فليس علمانياً ولا يمتّ بصلة إلى العلمانية”. في المقابل يتطرق العلمانية المستبدّة التي “لا تختلف عن الاستبداد الديني الذي تشهده ديار العرب من المحيط إلى الخليج. تتبنّى هذه العلمانية التطرّف منهجاً، والقمع وسيلة، والحظر فرضاً. كما أنها لا تعترف بالتنوع الديني والعرقي والاجتماعي، فتحاول طمس هذه الاختلافات تحت ذريعة الانصهار الوطني، أو عدم إثارة النعرات الطائفية، وسواها من الذرائع التي لا تستقيم”.

كان الأب مسوح قارئاً ومطلعا وكتب الكثير من المقالات التي فندت “هذيانات” بعض المفكرين الذين يدعون التنور والعقلانية، أيضا كتب الكثير من المقالات انطلاقاً من الانجيل، تساهم في دعم القضايا الانسانية والمحقة، بمعنى آخر كان هدفه من كتاباته البعد الانساني والمدني واحترام الآخر ونبذ التطرف والفكر الغيبي.

الزواج المدني

وعرف عن الآب مسوح بتأييده الزواج المدني الذي احدث سجالاً في لبنان، ويعتبر أن “الأصل في سرّ الزواج الكنسي هو الحب القائم بين شخصين، على صورة زواج المسيح والكنيسة”. ويشرح مسّوح أنه قبل القرن السابع عشر، كان الزواج يتم مدنياً. يُباركه الأساقفة، ويُعترف به بعد المناولة. من جهته، يعتبر الأب ميشال السبع أن “الزواج الكنسي هو سرّ بين الله والمتزوجين. الكاهن يشهد ويبارك الرضا، ولكن لا يعطي السر”. وذهب مسّوح بعيداً في دعم الزواج المدني إلى حدّ قوله: “الله لن يسأل يوم الدينونة عن عقد الزواج وعن الكاهن الذي عقده، بل سيسألنا: هل كنتما متحابين؟”.

في الموضوع الاسلامي كان يدعو الى تنوير حقيقي على طريقة الأفكار التي طرحها الشيخ عبدالله العلايلي في كتابه “أين الخطأ”، والذي كان الإنسان في صميم تفكّره على التجديد الديني. لقد أدرك أن الدين قد جُعل للإنسان من ربّ العالمين رحمةً ورأفةً، “فالإسلام يحترم الإنسان بذاته، أي من حيث كونه إنساناً… الإسلام يؤمن بالإنسان الشامل ككل”. ويضيف مسوح “هذا هو الإسلام الذي عهدناه لحقب تاريخية عديدة في بلادنا، ونرجو أن نعهده مجدّداً في أيامنا، الإسلام على نهج العلايلي”.

سوريا
والأب مسوح الآتي من أصول سورية، كان أكثر جرأة من باقي رجال الدين في توصيفه للواقع السوري، فهو اشتهر بمواقفه الفريدة والرافضة للتدخلات الميليشيوية في سوريا، فكتب منتقداً تأييد هذا التدخل بحجة انه يحمي الوجود المسيحي. ولفت الى ان في هذه الذهنية خضوع ودونية واستجداء البقاء بأي ثمين وفيها قبول بمفهوم “اهل الذمة”. ولفت الى ان بعض الناطقين باسم المسيحيين يؤدون “الجزية” عبر مواقفة سياسية داعمة لاوليائهم. وكتب الاب مسوح حرفياً: “تروّج في الأوساط المسيحية، علنا، الدعوة إلى الامتنان من التدخّل الميليشياوي في سوريا، لأن هذا التدخل “يحمي” الوجود المسيحي في سوريا ولبنان والعراق! يتكلمون عن حماية تؤمنها الميليشيات، مع واجب تأدية الشكر والامتنان لها لحسن صنيعها! هذه الذهنية، ذهنية الخضوع والدونية واستجداء البقاء بأي ثمن، ليست سوى تعبير عن قبولهم بأن يكونوا أهل ذمة لدى حماتهم ، صحيح أن الجزية لم تُفرض إلى اليوم على العموم، لكن بعض الناطقين باسم المسيحيين إنما يؤدونها مواقف سياسية داعمة لأوليائهم وهم صاغرون”. ويعتبر مسوح أن “الوجع السوريّ لا دين له”، قائلا أن المسيحيّين، بعامّة، يميلون “إلى حصر أسباب العنف الذي يستهدفهم بالتطرّف الإسلاميّ، فيما تراهم يتغافلون عن ذكر العوامل الأخرى المسبّبة للعنف، وبخاصّة العنف الذي مارسته وما زالت تمارسه الأنظمة القائمة بحقّ شعوبها. بل يذهب بعضهم إلى الاعتقاد الراسخ بأنّ هذه الأنظمة هي الضمانة الوحيدة لوجودهم وبقائهم في أوطانهم.
هذا الاختزال غير المنصف يؤدّي إلى حصر المعاناة لدى المسيحيّين، وكأنّ غير المسيحيّين يحيون حياة راغدة هانئة لا تعتريها شائبة. هذا العمى الإراديّ الذي لا يرى إلى معاناة السوريّين جميعهم، مسلمين ومسيحيّين ولامنتمين، لا يمتّ بصلة إلى حقيقة ما يجري في تلك البلاد.
أمّا ما يحكى عن “مؤامرة تفريغ الشرق من المسيحيّين”، وكأنّ لا مشكلة في سوريا سوى وجود المسيحيّين والتأمر على تهجيرهم منها، فهذا كلام لا يستقيم، ومعظم الذين تمّ تفريغهم من سوريا إلى دول الجوار والغرب القريب والبعيد إنّما هم بأغلبيّتهم الساحقة من المسلمين. هذا الكلام لا يستقيم أيضًا لأنّ معظم المناطق المستهدفة سكّانها هم بغالبيّتهم مسلمون. هذا غيض من فيض من سلسلة مواقف كان يطلقها الأب مسوح في مقالاته وندواته واطلالته التلفزيونية.

نبذة
وُلد الأب جورج مسّوح عام 1962. حاز ليسانس في الرياضيات من الجامعة اللبنانية عام 1987، وليسانس وماجستير في اللاهوت الأرثوذوكسي من معهد القدّيس سرجيوس في باريس عام 1992. نال شهادة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية من المعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية في روما عام 1997 عن أطروحته المواضيع المسيحية في أعمال رجال الدين المسلمين في لبنان ما بين عامَي 1975 و1996.
رُسم كاهنا عام 1997. اهتمّ بدراسة العلاقات المسيحية الإسلامية. وكان مدير مركز الدراسات المسيحية الإسلامية في جامعة البلمند، وأستاذ الحضارات والثقافات وعلوم الأديان والدراسات الإسلامية في الجامعة. شارك في مؤتمرات وندوات حول هذه العلاقات وعن الحوار بين الأديان. أصدر كتاب “الخيرات الآتية: نظرات في تقارب المسيحية والإسلام”. و”الآن وهنا’ كتاب جُمع فيه مقالات مبوّبة حسب المواضيع، من قياميّات وتأمّلات إنجيليّة، إنتقالًا إلى العنف والسلام ومقالات عن الشهداء والقدّيسين، ثمّ الظواهر الدينيّة الشعبيّة ومواضيع تهمّ الكنيسة والأرثوذكسيّين، منها الكنيسة والسلطة والأرثوذكسيّون والسياسة إلى العلاقات الإسلاميّة المسيحيّة.
وله أبحاث نُشرت في مجلات متخصصة وكتب جماعيّة. وله مقالة أسبوعية في صحيفة النهار اللبنانية”.

المصدر: almodon