أخبار عاجلة
الرئيسية » تاريخ وتراث » جولة مع سائق حنطور “عربجي” في شوارع القاهرة أيام تظاهرات عام 1919

جولة مع سائق حنطور “عربجي” في شوارع القاهرة أيام تظاهرات عام 1919

“لم يكن الأدب أو صنعة الكتابة قاصرة يوماً ما على طبقة دون غيرها، فلا تظن أيها القارئ أو يتسرب إلى ذهنك الشريف ساعة ترى إمضائي تحت هذه المقالة أن أديباً تعدى الحد فتنكَّر تحت نمرة موهومة، ورخصة غير موجودة،

فتبوأ مقعد سياسة البهائم، وابتدأ يروي للقراء ما مرَّ عليه وهو جالس على كرسيه مفتوح العين لما هو أمامه، منصتاً بأذنه إلى ما يدور داخل العربة، مشاهداً في توصيلاته المختلفة غرائب الغرائز ومتباين الأخلاق”.

هكذا ابتدأ الأسطى حنفي أبو محمود مذكراته التي نشرت على 16 حلقة في مجلة “الكشكول” وهي إحدى أقدم المجلات الساخرة المصرية، صدر العدد الأول منها عام 1921م.

هدفت تلك المذكرات إلى كشف التغييرات التي شهدها المجتمع المصري إبان ثورة 1919.

تغييرات مهدت بقوة لانفتاح المجتمع المصري، انفتاحاً مكّن مساحات جديدة بدءاً من ظهور طبقات جديدة من السياسيين، إلى تفشي حالات المتحرشين بالنساء، وصولاً إلى عشاق الليل في مناطق القاهرة النائية، وحتى انتشار مخدر الكوكايين وغيرها الكثير والكثير مما تناولته المذكرات.

جُمعت المقالات في كتاب صدر عام 1922 وأعادت مؤسسة هنداوي الثقافية طبعه ورقياً وأتاحت نسخته الإلكترونية مجاناً عبر موقعها.

الأسطى حنفي كما يذيل كتاباته، “عربجي” مثقف وأديب، والعربجي هو سائق الحنطور (وسيلة الانتقال الشعبية آنذاك).
علّم نفسه بنفسه: شخصية العربجي تروي قصص القاهرة المثيرة 

صحيح أني نشأت في وسط كله عربات وخيول “بلدي ومسكوفي”، وجو لا تسمع فيه إلا طرقعة الكرابيج وإصلاح “الحداوي”، ولكن ذلك لم يمنعني أن أنشأ ميّالاً إلى الأدب والكتابة والمطالعة وقراءة الأخبار السياسية”.

ويضيف: “فلا أنسى أن أبتاع مع شعير البهائم وبرسيمها جرائد المساء، بل أكثر من ذلك أيها القارئ، طالما فاتني في كثير من الأوقات زباين سقع لانشغالي بالسياسة والأدب في الموقف، بينما رفاقي عيونهم متطلعة تصطاد الزبون من آخر الشارع”.
تجمُع لبعض المتظاهرين أمام محطة مصر

هكذا نشرت الحلقات الستة عشر تباعاً ينتظرها المصريون في كل أسبوع فأثارت جدلاً كبيراً في المجتمع للدرجة التي جعلت ركاب الحناطير يبحثون عنه، فكانوا يسأولون كل سائق عن اسمه خشية فضح أسرارهم حتى إذا اطمأنوا أنه ليس “حنفي أبو محمود” ركبوا الحنطور. 

التغيير في أجواء القاهرة المتوترة

يشكف العربجي إحدى الشخصيات التي وصمها بـ”النفاق”، وقد أزلنا اسمه هنا، ولا ندري إن كان الاسم الذي ذكره افتراضياً أم حقيقياً، فلم يكن ذات شهرة ولا حفلت به محركات البحث.

وأقرب الظن أنه كان افتراضياً، يستخدمه الكاتب ليصف كيف كانت هناك طبقة من المهتمين بالسياسة تتملق الزعماء الثلاثة المتنافسين في تلك الفترة: سعد زغلول – عدلي باشا – ثروت أباظة، وكأنه مدخل لتصوير حال القاهرة في ظل هذه التعديدة السياسية.

يقول: “في هذه الأيام جمعتني الصدف بالأستاذ المقلفط تشريفاتي استقبالات معالي الرئيس وسكرتير لجنة استقبال دولة الرئيس وخطيب وفود دولة الرئيس” هل عرفته سيدي القارئ إنه (..) الذي وصل إلي رتبته في مجلس المديرية، ولعب علي كل الحبال، وتملق الجميع”.

يضيف أنه ابتدأ حياته السياسية بشعار بلا رئيس إلا سعد ثم تحول إلى عدلي فوق الجميع، ثم ظهر في خطبته بعد ذلك أن لا حياة إلا لثروت، وهناك وقف؛ والله أعلم أن المسألة ستنتهي على ما يرى نظري القصير “بلا رئيس إلا ما تقتضيه الأحوال”.

هذا التقلب في ولاء الشخصية التي يتناولها العربجي تعكس بطريقة ساخرة تأثير قلقلة السلطة على القاهرة.

ينتقل الكاتب ليرصد ظواهر اجتماعية جديدة في القاهرة: قمار النساء، والتحرش، والمواعيد الغرامية في الساحات العامة
قمار النساء بمصروف البيت

وأورد العربجي قصصاً عدّة لحوادث كانت غريبة على المجتمع المصري المحافظ في ذلك الوقت.

ومن ذلك ما حكاه، حينما ركبت ثلاثة من النساء معه؛ وصفهن بقوله: “قام لهن الميدان وقعد، تقاسمن الجمال والخفة والشخلعة”.

أمرته تلك النسوة بقصد “التيرو”، وهو موضع كان يلعب به القمار، فتعجب السائق، خاصة وأنه كان في نهار رمضان.

وحكى أنه سار بهن وانتظرهن خارج التيرو ليعود بهن إلى منطقة السيدة زينب ويأخذ أجرته مما كسبنه، إلا أنهن خسرن كل ما معهن من أموال بل اكتشف أنهن كنّ يقامرن بمصروف البيت.

قصة قصيرة تلك التي أوردها العربجي عن النساء “المقامرات”، ولكنها دون شك تعطي القراء فكرة عن تغير في قيم المجتمع المصري، وحس المغامرة لدى نساء القاهرة في هذه الفترة.
كيف تحصل على موعد غرامي في مظاهرة؟
المتظاهرين أمام بيت الأمة

رواية أخرى، أوردتها مذكرات العربجي، عن تضاهرات ثورة 1919، حين عمرت شوارع مصر بالناس، وخرجت النسوة للشوارع في ظاهرة هي الأولى من نوعها في ربوع البلاد.

ساق العربجي حنطوره بين المتظاهرين، مقلاً ثلاث سيدات “أمّ وابنتيها”، وبينما تنشغل الأم وابنتها الكبرى بمشاهدة الجموع المتظاهرة، كانت الابنة الصغيرة منشغلة في مظاهرة أخرى، يقول الراوي:

وابتدأت الإشارات والابتسامات اللاسلكية بين شاب من الشبان الناهض، وإحدى زبائني، ورأيته وقد اقترب بسرعة البرق حتى صار بجانب عربتي، وانتهز فرصة مرور مظاهرة أخرى، وفي أثناء الهتاف الذي كان يصم الآذان كان “الشاطر محمد” ينادي مع الهاتفين بصوت عال، ويتكلم مع ست الحسن والجمال بصوت واطي بالشكل الآتي:

o ليحيا الاستقلال التام، عاوز أكلمك، عاوز أشوفك

= لتحيا السيدة المصرية، كلمني في التلفون

o ليحيا الوفد المصري، نمرة التليفون كام؟

ويظهر أن الوالدة انتبهت أن هناك مظاهرة أخرى بجانبها؛ فانقطع تيار الحديث، ثم سمعت الآنسة تقول بكل بساطة لشقيقتها: الله! شوفي يا أبلة، نمرة العربجي زي نمرة تليفوننا بس بدال الخمسة ثلاثة.

ويضيف العربجي: “بهذه الطريقة نظر صاحبنا إلى نمرتي، وأبدل الخمسة ثلاثة بالطبع، وانتهت مهمته بعد أن كتب النمرة… ونظر إلي بعينه الجميلة السوداء كأنه يشكرني بمناسبة نمرتي”.

يبين العربجي أنّ هذه الحادثة هي مثال، حقيق أو من وحي خياله، لشعبية المواعيد في المظاهرات، ويشرح كيف يحظى الشباب والصبايا بالمواعيد في المظاهرات، فيقول:

“وعلى ذكر المظاهرات وأيامها الحلوة وما ذكرت من سيرة أولئك الأجلاف الذين لا ينبحون أصواتهم إلا عندما تمر بهم عربات السيدات، فيا سيدي على دمه، وخلقته، وشكله البايخ حينما “يلقح” ظله الثقيل على عربة بدون أن يعرف من فيها منادياً بأنكر الأصوات “لتحيا الحرية”، “لتعيش السيدة المصرية”، ثم يردفها بصوته المسموع مهما اجتهد أن يخفيه قائلاً: “بنجور يا هانم”.

ويختتم العربجي وصف هذه الظاهرة: “وإذا وافق الظل الظل، واتفقت الأرواح، وحل كلامه أرضاً سهلة، فتراه بعد “بنجور الأولى” يتقدم ببنجور ثانية، فإذا رأى في العيون ميلاً للرد، وفي اللسان لجلجة الخجل مد يده قائلاً: يا ستي بنجور”.
تحرش البيه الناعم بالسيدة المنتقبة

روى العربجي أيضاً ما رآه من محاولة التحرش اللفظي من قبل 3 من الشباب الذين كانوا يركبون سيارة، بإحدى السيدات الجميلات اللائي ركبن معه، فقال:

تقدم أجرؤهم إليها، وهي على رصيف المترو، وبجانبها طفلاها، وأنا واقف من بعيد وشجع الدنيء على كلامه معها جمالها وسكوتها، فقال لها ما لم أسمعه، ولكني رأيت يدها البضة ترتفع بقوة وتلطمه على خده “المحلوق الناعم المنتوف”.

“وبصوت عال سمعتها تقول: حقيقة عديم التربية أنت مالكش أم ولا أخوات، أما طاعون إيه السفالة دي!” كما يضيف العربجي.

والتفت جمهور من الواقفين ليروا السبب الذي دفع سيدة ذات نقاب (النقاب المصري القديم كان شفافاً يرى منه الوجه) تلطم رجلاً، فرأوا السيدة وطربوش المجني عليه فقط، أما البيك المكمل فقد “فط” وذاب كفص الملح.
ليالي العشق في حدائق القبة

يسرد العربجي مشاهد أخرى للتغير الاجتماعي الذي شهدته القاهرة في هذه الفترة.

فيقدم تفاصيل ليالي العشق في منطقة حدائق القبة التي يطلق عليها الكاتب لقب “أرض الحب والغرام” وهي منطقة كانت تحفها الجناين من كل وادٍ فاتخذها العشاق قبلة لبعدها النسبي عن القاهرة وهدوئها وجمالها.

فيقول إن شاباً وفتاة ركبا معه الحنطور وأمره الشاب بأن ييمم وجهته نحو حدائق القبة وحين وصلوا أمر السائق بالهبوط من الحنطور ليسدل الكبوت عليهما فيقول:

“ثم أمرني أن أركن فركنت، وأن أنزل فنزلت، وزال الكلفة وابتدأت الشكوى تجر العتاب، والألم يزيد نار الحب، والظلام يثير الوجد، وهواء المساء البليل يعصف بنفسيهما، فنسيا أنهما في طريق عمومي، فخرجا عن حدودهما، لا كثيراً—أيها القارئ—ولكن قليلاً”.

غير أن أحد أفراد البوليس لمحهما فأراد أخذهما على قسم الشرطة ليتدخل الشاب فيمنح الشرطي مالاً، وعدل الأخير عن موقفه، فهتف العربجي ساخراً: فليحيا العدل!

وتكرر الأمر مرة أخرى لكن هذه المرة، كان مستقل الحنطور ضابط شرطة بصحبة حبيبته، وقفا في المكان ذاته، وعندما رآهما الشرطي نفسه، افتعل غضبته تلك مرة أخرى، ولكنه فوجئ أن من بالحنطور صاحب “شريطة حمرا” (كانت الشرطة تضع على كتفيها أشرطا حمراء بدل النجوم والنسور).

صعق الشرطي وتراجع معتذراً موبخاً العربجي لأنه لم يفهمه الأمر.

لكن ثمة اختلاس للقبلات ومداعبات خفيفة تحدث في حنطور العربجي هو لم يكن يراها بالطبع فظهره للعاشقين بيد أنه كان يسمع هنهناتم الدافئة و”طرقعة” القبلات الساخنة كما كان يصفها.

كان يحدث ذلك في الطرق الخالية ولم يكن الأمر يستدعي الذهاب لكعبة العشاق “حدائق القبة”، فحين يلاحظ الراكبان طريقا خالياً من المارة وبينما ينشغل العربجي بسواقته، حينها تشتبك الشفاه في قبلة سريعة. 

عن تجارة “الكوكو” في المساء

على لسان شخصية العربجي، يخبرنا كتاب المذكرات عن انتشار تجارة الكوكايين التي يسميها الكاتب الكوكو، في القاهرة في أوائل عشرينيات القرن الماضي.

ولكنه يحمل انتشار المخدر بقوة للتسيّب الحكوميّ على الجمارك القادمة من أوروبا، ويلمخ بأن الأمر لا يخلو من فساد تقف واءه قوات الشرطة.

يقول العربجي الراوي عن ذلك:

تصور معي—أيها القارئ—مدينة القاهرة، وقد أرخى الليل سدوله، ودقت الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، وتحكم الكيف في أدمغة من كانوا معي، فصاحوا جميعاً في طلب الكوكايين.

وصدر الأمر إليَّ أن أيمم شارع قصر النيل، ووصلنا، وهناك أمام الأجزخانة وقفت بعربتي، بجانبي وجيه نظيف لطيف، قيل لي: إنه موظف بالمالية، وبالعربة خمسة آخرون: موظف وصاحب أملاك، وأونطجي، وفتوة، ومُحضرفي محكمة مصر.

كنا باختصار كالسردين والفانوس الأحمر، يادوبك ينير لنا الرصيف، ونحن ننتظر الموظف النوباتجي والغفير يوقظه ليعطينا طلبتنا.

وأخيراً أخذنا الجرامين من الغفير، من يده الكريمة، وأمام الشرطي، والبيع مستمر بهذه الطريقة ليلاً ونهاراً بطريقة منتظمة، وفي أعظم أحياء القاهرة، وأين المحافظة؟ أين الحكمدار؟ أين قسم عابدين؟

ويعلق بعدها: “يقيناً إنه ليخيل إلي بعد تكرار هذه الزيارات الليلية أن شرطي النقطة وغفير الدرك يتلقى كلاهما الأمر ممن له الأمر بعدم التعرض لهذا المكان الموبوء؛ لأنه مقدس”.
حقيقة حنفي أبو محمود

في حقيقة الأمر إنّ حنفي أبو محمود لم يكن سوى الممثل المصري “سليمان بك نجيب” الذي اشتهر بأداء أدوار الباشا أو البيك ابن الطبقة الارستقراطية.

وقد امتلك ثقافة واطلاعاً واسعين وقدرة على الكتابة بشكل ساخر ومثير ساعدته في خلق حيل سردية وأدوات لرواية قصصه في هذا الكتاب الذي يشد القراء، صفحة بعد صفحة، حتى آخر كلمة.

تتعرض شخصية حنفي أبو محمود المتخيلة كراوٍ للمذكرات، لحادث سير بعدما يصدمه أوتومبيل مُسرع، بترت على إثره أصابعه، وأحيل للتقاعد وأعلن اعتزال الكتابة، وبهذه الحبكة يختتم الكتاب “مذكرات” عربجي جال مخيلة القاهرة الشعبية في تغييرات شهدتها القاهرة خلال سلسلة الاحتجاجات التي عرفت بـ”ثورة 1919″.

المصدر: رصيف 22