أخبار عاجلة
الرئيسية » شؤون دولية » توقيف زعيم كتالونيا السابق في ألمانيا: أزمة قانونية بأبعاد سياسية

توقيف زعيم كتالونيا السابق في ألمانيا: أزمة قانونية بأبعاد سياسية

بعدما حاولت ألمانيا أن تنأى بنفسها عن أزمة إسبانيا مع إقليم كتالونيا واعتبارها مسألة داخلية، وجدت نفسها فجأة في صلب المشكلة بعد أن ألقت الشرطة الألمانية، الأحد الماضي، على حدودها مع الدنمارك، القبض على زعيم الإقليم السابق، كارليس بيغديمونت، عملاً بمذكرة التوقيف الأوروبية الصادرة بحقه.

وقرّرت المحكمة العليا في ولاية شلسفيغ هولشتاين بداية الأسبوع الحالي، الإبقاء على احتجاز بيغديمونت لفحص الوثائق المعقدة للغاية، ومن غير المحتمل اتخاذ قرار بشأنه هذا الأسبوع. ويبدو أنّ رئيس الإقليم السابق سيقضي عطلة عيد الفصح قيد الاحتجاز، لكون المحكمة أرادت دراسة الملف المشحون بالكثير من السياسة، والذي يبدو أنه يخفي في طيّاته أكثر من مذكرة الاعتقال الأوروبية وعنصريها، التمرّد واختلاس الأموال العامة.

أمام هذا الواقع، يعتبر خبراء في العلاقات الأوروبية أنّ إلقاء القبض على بيغديمونت “لم يكن حكيماً من الناحية السياسية، لأنه في حالته لسنا أمام إرهابي، بل مع سياسي تم إضفاء الشرعية عليه من خلال انتخابات ديمقراطية حرة، وقبل كل شيء لجأ إلى الوسائل السلمية ولا يمكن أن تطبّق عليه الفقرة 82 من القانون الجزائي الألماني (التآمر لارتكابه الخيانة)، لأن هذا الشرط يفترض استخدام العنف أو قبوله على الأقل، وهذا ما لم يحدث”. وهنا يطرح السؤال عما إذا كانت إسبانيا تحاول حلّ نزاع سياسي محلي بالقوة، مستخدمةً مذكّرة اعتقال أوروبية. علماً أنّ مذكرة التوقيف الأوروبية لا تعمل بشكل تلقائي، ويجب أن تتم الموافقة عليها من قبل أعلى السلطات السياسية، بينها العدل والخارجية والداخلية. وكانت برلين حاولت الابتعاد عن المنحى السياسي للقضية والبقاء خارج الصراع، ولم ترغب الحكومة الاتحادية وجيرانها من الدول الأوروبية في ترقية دور الانفصاليين بعد أن حاول بيغديمونت الحصول على دعم دولي لقضيته.

ويميّز عدد من الخبراء القانونيين في وضعية زعيم كتالونيا السابق، الذي فرّ بعد الاستفتاء حول استقلال الإقليم عن إسبانيا عام 2017، نتيجة اعتبار محكمة العدل الإسبانية أن رئيس الإقليم ذهب إلى الاستفتاء على نحو غير قانوني وتسبب بحال من الانقسام في مدريد. ويعتبر هؤلاء أنّ المحكمة قد تضطر لاتخاذ قرار بشأن طلب التسليم من القضاء الإسباني باعتباره مذنباً، وأن أمر التوقيف جاء جرّاء اختلاس الأموال العامة أو المخالفات المالية المحتملة، إذ يمكن لذلك أن يكون سبباً بسيطاً لتسليمه. وهنا أيضاً، لا يمكن إغفال الدوافع السياسية وراء هذه الادعاءات والمزاعم والتهم الجنائية الموجهة له.

أمّا بخصوص تهمة التمرّد، فوفقاً للقانون الجنائي الألماني، فإن عقوبة التمرّد غير منصوص عليها قانوناً، وبالتالي هناك احتمال أن لا يسلّم القضاء الألماني بيغديمونت، تحقيقاً لسيادة القانون، إلّا إذا ما تمّت مقاربتها بمادة أخرى نصّ عليها القانون الألماني حول “الخيانة العظمى”. علماً أنّ المتحدثة باسم الادعاء العام في ولاية شلسفيغ هولشتاين، أشارت إلى أنّ هناك حداً أقصى يبلغ 60 يوماً لاحتجاز الشخص خلال البت في طلب التسليم، لافتةً إلى أنّ هذا الأمر مبدأ توجيهي أكثر من كونه ضرورة، وليس من المفترض أن يبقى بيغديمونت محتجزاً لفترة طويلة، فيما محامي الأخير قال إن موكله لديه ثقة تامة بالقضاء الألماني.

من جهة ثانية، يقول خبراء في الشأن السياسي إن ألمانيا تصرّفت بشكل صحيح وكما يجب، عملاً بأمر الاعتقال الأوروبي واستناداً لحقيقة أن الثقة متبادلة، وإنفاذاً لقوانين دول الاتحاد بالعمل معاً وبشكل وثيق. وهنا يتوقّف الخبراء عند واقع أن الأمر لن يجنّب البلاد نزاعاً سياسياً أرادت في الأساس تفاديه وتسبب لها ببعض الإرباك، وهو ما ظهر من خلال رفض وزيرة العدل، كاترينا بارلي، التعليق في أي بيان سياسي حول الموضوع، انطلاقاً من مبدأ الفصل بين السلطات، ولأن الخلاف على حدّ سواء قانوني ببعد سياسي، وبالتالي على القضاة ألا يتجاهلوا دوافع مدريد السياسية.

إلى ذلك، يجب الأخذ بعين الاعتبار أنّ مذكرة الاعتقال الأوروبية هي وسيلة لجعل حركة تسليم المجرمين في أوروبا أكثر فعالية، وليست أداة لمحاربة النزاعات المحلية مع المدعين الأجانب. وهنا يمكن لبلدان الاتحاد الأوروبي رفض التسليم إذا ما كان هناك دليل موضوعي “للاضطهاد السياسي”، وهذا بالفعل ما نصّت عليه تشريعات الاتحاد الأوروبي بخصوص أمر التوقيف، أي أنّ ما تمّ الاتفاق عليه في العام 2004 بخصوص هذا الأمر، كان الهدف منه تسهيل تسليم المشتبه بهم بين الدول الأوروبية مع اختفاء الضوابط الحدودية، وأنّ مذكرة التوقيف الصادرة في أي بلد أوروبي تسري في جميع أنحاء دول الاتحاد. والمذكرة ليست سوى طلب تسليم إذا كانت الجريمة تستوفي المتطلبات الموضحة في المذكرة، والتي عادة ما يتم التعامل معها بسرعة. وهنا يطرح السؤال عمّا إذا كان يتعيّن على ألمانيا تسليم بيغديمونت.

في المقابل، يؤكّد مراقبون أنه يبقى الآن على إسبانيا أن تحدّد موقفها القانوني بوضوح بشأن قضية رئيس إقليم كتالونيا السابق، ليتسنى بعدها للقضاء الألماني النظر في ما إذا كانت الاتهامات كافية لتبرير التسليم. ويعتبر هؤلاء أنّ بيغديمونت سجين سياسي، ومن الواضح أنّ قرار العدالة في إسبانيا “يهدف إلى تدمير الوجود الاجتماعي والاقتصادي للنشاط الكتالوني، وبالتالي فإن اعتقاله من قبل السلطات في ألمانيا ليس ذكياً، وعلى برلين الآن وبعد أن فشلت بروكسل، حثّ رئيس الوزراء الإسباني ماريانو راخوي على التفاوض مع برشلونة بشأن حل سياسي للأزمة. علماً أنّ المتحدث باسم الحكومة الألمانية، شتيفن زايبرت، رأى في وقت سابق من هذا الأسبوع أن الحكومة الألمانية لا تجد أنّ هناك تأثيراً سلبياً على العلاقات الألمانية الإسبانية، لأنّ ما حدث تمّ وفق القوانين الأوروبية وأمر البتّ بالقضية يعود إلى السلطات القضائية المختصة فقط.

برلين ــ شادي عاكوم