أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » عندما يتراشق الأميركيون والروس بدمائنا

عندما يتراشق الأميركيون والروس بدمائنا

لا نحتاج دلائل كثيرة لنثبت أن القوى العظمى، وخصوصا الولايات المتحدة وروسيا، دول تمارس النفاق السياسي، وتعيش بالمعايير المزدوجة تبعا لمصالحها. هذا ثابت وواقع معاش، ونراه يتكرّر مرارا، خصوصا في مجلس الأمن الدولي، حيث تحتكر دول خمس حق النقض (الفيتو). وبالتالي، فإنها تعيش فوق القانون الذي وضعته هي نفسها، في حين يتم فرضه على “الصغار”، اللهم إلا من تمتع منهم بمظلة حمايةٍ من واحد من “الكبار”، كإسرائيل. مناسبة هذا التذكير هو ذلك التراشق بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن المجازر البشرية التي ترتكب في الغوطة الشرقية في سورية، والضغوط الأميركية المتصاعدة على الفلسطينيين، لإرغامهم على الاستسلام لـ”صفقة ترامب” التي تروم تعرية القيادة الفلسطينية الرسمية من ورقة التوت الأخيرة التي ما زالت تتستّر بها.

كان الثلاثاء الماضي من أيام معارك التراشق بقضايانا ودمائنا، نحن العرب، بين القوتين العظميين. في مجلس الأمن الدولي، تحدثت السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة، نيكي هيلي، بانفعال عن الوضع الإنساني المأساوي في الغوطة الشرقية. لم تتردد هيلي في توبيخ روسيا، متهمة إياها بممارسة “الخداع والرياء والوحشية” نيابة عن بشار الأسد، كما اتهمتها باستغلال المفاوضات التي تشرف عليها الأمم المتحدة لوقف إطلاق النار، لتعزيز موقف قوات الأسد في حربه على المعارضة. بل إنها مضت أبعد من ذلك، عندما اعتبرت روسيا وإيران مسؤولتين، كما نظام الأسد، “عن المذبحة” في الغوطة الشرقية. أما الرسالة الأهم التي حملها خطاب هيلي فكانت توبيخها زملاءها الآخرين في مجلس الأمن، لتردّدهم في محاسبة روسيا وسورية وإلزامهما باتفاق وقف إطلاق نار أكثر صرامة. “هذه مهزلة”، هكذا وصفت هيلي المذبحة المستمرة في الغوطة، في ظل مفاوضات إطلاق النار التي تشارك فيها روسيا. مضيفة: “يجب أن يكون هذا يوم عار على كل عضو في هذا المجلس”. وختمت تصريحاتها المنفعلة بالقول: إن “التاريخ لن يكون لطيفا عندما سيحكم على فعالية هذا المجلس في التخفيف من معاناة الشعب السوري”.

توبيخ هيلي جميل لو أنه صدَق، لكننا نعلم أنه غير صادق، وأنه يندرج في سياق المناكفات مع روسيا، أكثر منه الحرص على دماء الشعب السوري. بداية، نعلم أن الولايات المتحدة تحت
إدارة الرئيس السابق، باراك أوباما، هي من تركت السوريين في مواجهة مصيرهم المحتوم بالذبح والسحق، بل إنها منعت عن ثوارهم السلاح النوعي، تاركة فراغا هناك، ملأته تنظيمات متطرفة مثل “القاعدة” و”داعش”. حينها تدخلت الولايات المتحدة لمحاربة “الإرهابيين”، وجندت من أبناء سورية من أجل حربها تلك، مانعةً عليهم مقاتلة النظام. ثمَّ ما لبثت روسيا أن دخلت على الخط داعمةً نظام الأسد مباشرة، بعد أن عجز هو وحلفاؤه من الإيرانيين وأتباعهما، عن سحق الثورة، وكانت نتيجة ذلك ما نراه اليوم في الغوطة الشرقية، وما رأيناه في حلب وحمص وغيرهما من المناطق. حتى إدارة دونالد ترامب التي قصفت مطار الشعيرات السوري العسكري في إبريل/ نيسان الماضي، بذريعة أن هجمات كيماوية انطلقت منه على بلدة خان شيخون، في ريف إدلب، حصرت تدخلها المحدود ضد النظام السوري باستخدام الأسلحة الكيماوية، أما غير ذلك من وسائل القتل، فموقفها كما كان موقف إدارة أوباما، اقتل ولا تهتم. ما يهم الولايات المتحدة، قولا وفعلا، لا ينحصر في منع التنظيمات المتطرفة من مأوى آمن في سورية فحسب، بل الأهم السطو على ثروات سورية من الغاز والنفط. ولعله من المفيد هنا التذكير أن إدارة ترامب هي من قطعت آخر المساعدات العسكرية، الضئيلة أصلا، عن بعض الفصائل السورية المسلحة، ولم تنفذ وعيدا واحدا بمحاسبة نظام الأسد على جرائمه.

ولا يُختزل نفاق هيلي في تناقض تصريحاتها المنفعلة، ربما تصنعا، مع مواقف الدولة التي تمثل، بل إنها تمضي إلى أبعد من ذلك لتتناقض مع مواقف سابقة لها، هي نفسها، في مجلس الأمن الدولي، لم تلق فيها بالا أبدا لموضوع “العار” الذي رمته في وجه زملائها بشأن الموقف من الغوطة الشرقية. في شهر ديسمبر/ كانون الأول الماضي، كانت هيلي تحذر الدول الأعضاء في مجلس الأمن من التصويت لصالح قرارٍ يدين موقف ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونيته نقل السفارة الأميركية إليها، في مخالفة صريحة للقانون الدولي. يومها أكدت هيلي أن الولايات المتحدة سوف “تسجل أسماء” الدول التي ستصوّت ضدها، وبأنها ستقطع المساعدات عن أي دولةٍ تأخذ أموالا من الولايات المتحدة وتصوّت ضدها. وبعد أن اضطرت إلى استخدام “الفيتو” ضد قرار أربع عشرة دولة، قالت بانفعالها نفسه، ولكن من دون تصنّع حينئذ، “ما شهدناه هنا اليوم في مجلس الأمن إهانة. لن ننسى. إنه مثال آخر عن كيف أن الأمم المتحدة تضر أكثر مما تنفع في معالجة الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني”.

نعم، ينبغي على أعضاء مجلس الأمن أن يشعروا بـ”العار” لما يجري في سورية اليوم، كما أن عليهم أن يشعروا بالعار، لنفاق أعضائه الدائمين، خصوصا الأميركيين والروس. لكننا نعلم أنهم لن يشعروا بـ”العار”، فأولئك النافذون دوليا يحيون بـ”العار”، وهم لا يكترثون بالتوبيخ الأخلاقي.

معركة التراشق الثاني، يوم الثلاثاء الماضي، بقضايانا ودمائنا، كان بطلها الروس هذه المرة،
حيث اتهم وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، واشنطن بابتزاز الفلسطينيين عن طريق تهديدهم بحجب المساعدات المالية، في محاولة لحملهم على الموافقة على خططها غير المعلنة للتسوية السياسية في الشرق الأوسط. وقال لافروف، في بيان أوردته الخارجية الروسية: “الابتزاز والضغوط يعتبران من أهم المعاول الأساسية للسياسة الأميركية في الساحة الدولية”. وأضاف: “واشنطن هددت الفلسطينيين بحجب المساعدات المالية، أو الموافقة على أفكار أميركية لم تجد طريقها إلى النور بعد”. طبعا، لا يحتاج الأمر هنا جهدا لإبراز النفاق الروسي، فما سبق تسجيله عن جرائم روسيا في سورية وتوفيرها غطاء للمذابح فيها لا يمكن أن يغسل عاره التمسح بفلسطين أبدا.

ختاما، قد يمكن لنا سياسيا، لا أخلاقيا، أن نفهم النفاق الأميركي الروسي، وتراشقهم بدمائنا، فهي ليست دماءهم، وصراعهم على النفوذ والمصالح معروف وواضح، لكن ما هو عصيٌّ على الفهم هو انخراط بعضنا في تمزيقنا أشلاء، وسفك دمائنا، وتدمير بلادنا. كيف نفسر ذلك، وكيف نفهمه؟ تلك هي “المهزلة” الحقيقية، وذلك هو “العار” الحقيقي الذي نتمنى على هيلي أن تحاضر فينا حوله في المرة المقبلة عبر منصة مجلس الأمن الدولي.

أسامة أبو ارشيد



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع