أخبار عاجلة
الرئيسية » حكايات من سوريا » الغوطة بعد ترحيل سكانها… منازل مدمرة لم ينته ملاكها من تسديد أقساطها

الغوطة بعد ترحيل سكانها… منازل مدمرة لم ينته ملاكها من تسديد أقساطها

بعد إعلان النظام السوري بسط سيطرته على الغوطة الشرقية ما عدا بلدة دوما، لا يبدو أن أم وحيد التي غادرت بيتها منذ خمس سنوات في عين ترما تفكر بالعودة لتفقد بيتها، ربما ليقينها أنه غالبا قد غدا أثرا بعد عين. و«حتى لو أنه لم يدمر فمن المؤكد أن العفيشة مرّوا به وتركوه على العظم». تقول بنبرة حزن شديد.

وتتدفق من مداخل دمشق الشرقية سيارات الشحن الصغيرة المحملة بأثاث المنازل المسروق من بلدات الغوطة الشرقية التي سيطرت عليها قوات النظام، وتفرغ تلك الشاحنات في عشرات الأسواق التي باتت تعرف بأسواق «التعفيش» تنشأ بعد كل عملية استعادة سيطرة على منطقة ما. وتتوزع تلك الأسواق على أحياء مثل مزة 68 والسومرية وسوق الحرامية وسط دمشق والدويلعة وجرمانة جنوب.

أم وحيد التي تستأجر شقة مع بنتها وكنتها وأطفالهن في حي شعبي (عشوائيات) على سفح جبل قاسيون، تعمل مستخدمة في شركة تجارية خاصة وسط العاصمة منذ أربع سنوات، وذلك بعد أن بلغت سن التقاعد في عملها الحكومي، تقول: «إيجار الشقة التي نسكنها خمسون ألف ليرة ونحتاج إلى مائة ألف ليرة أخرى للأكل والمعيشة والفواتير» وتتابع أنه بعد نزوحهم وتقاعدها «اضطررنا للعمل أنا وابنتي وكنتي. بداية عملنا في تنظيف البيوت ثم حصلنا على عمل دائم، أنا في شركة خاصة وابنتي وكنتي في ورشة صوف تريكو». لا تفكر أم وحيد بالعودة إلى بيتها في عين ترما حتى لو سمحت الحكومة بذلك، تقول «ما الفائدة من العودة إذا كنا لا نملك مالا لإصلاح البيت والبدء من جديد؟ إلا في حالة واحدة هي بيع البيت ولكن بأي ثمن؟ وهل ثمنه سيكفي لشراء بيت بالعشوائيات على أطراف دمشق؟» تسأل أم وحيد نفسها وتجيب «من غير العدل أن أبيع بيت طابو أخضر نظامي لأشتري غرفة مخالفة من دون طابو». وتهزّ رأسها متأسفة: «بعنا أرضنا بريف حماة قبل ثلاثين عاما لنشتري بيتا قريبا إلى دمشق، الآن خسرنا أرضنا وبيتنا والأنكى، أن جزءا منه اقترضناه من المصرف ولم ننته بعد تسديد القرض».

أم وحيد نموذج لآلاف السوريين العاملين في الدولة الذين وفدوا قبل عقود إلى العاصمة للعمل واستوطنوا في ريف دمشق قريبا من مكان عملهم، وحاولوا تحقيق أحلامهم بامتلاك بيت قريب من العاصمة، عبر قروض يسددونها من رواتبهم على المدى الطويل، إلا أن الحرب جاءت لتنسف تلك الأحلام مبقية على الديون فقط.

جمال وهو موظف حكومي من ريف حمص، كان يسكن في حرستا ونزح منها قبل أربع سنوات ليعيش في شقة مؤجرة في الضاحية القريبة، تمكن عن طريق أصدقاء في قوات النظام من الوصول إلى بيته على أطراف حرستا، ساعات قليلة جدا أمضاها بين الركام في الطابق الرابع متفقدا أشياء ربما نسيتها الحرب أو المعفشون تؤكد أنه كان يعيش هنا مع عائلته الصغيرة، لكنه عاد بكثير من الألم والخيبة، لم يبقَ من البيت سوى غرفتين بجدران مدمرة جزئيا وسقف أحدثت فيه قذيفة «فتحة سماوية على العدم». يحكي جمال بمرارة «ما زلت مدينا للمصرف العقاري الذي سحبت منه قرضا لشراء بيت الأحلام في حرستا».

وجمال مهموم الآن بسؤال: «هل ستعفينا الحكومة من تسديد باقي القرض؟».

أما أبو راتب فهو من أهالي الغوطة، لكنه نزح مع بداية الحرب والحصار وترك مزرعة مع معمل هناك وديعة عند قريب له سكن فيها مع عائلته، لكن القريب قتل ولم يعد أبو راتب يعرف ما حلّ بالأملاك. ولا يفكر أبو راتب بالعودة فورا قبل أن تأتيه «تأكيدات» من معارف بأن الوضع مهيأ فعلا للعودة، وأيضا أن تتضح تماما نيات ومخططات النظام حول مستقبل الغوطة الشرقية. «لن أغامر مجددا فليس بالعمر بقية»، يقول في تحسر.

المصدر: الشرق الأوسط



تنويه : ماينشر على صفحة حكايات من سوريا تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع