أخبار عاجلة
الرئيسية » الشأن السوري » عبسي سميسم : قمة أنقرة السورية تمهد لتفاهمات جديدة

عبسي سميسم : قمة أنقرة السورية تمهد لتفاهمات جديدة

مع محاولة النظام السوري وروسيا إنهاء ملف الغوطة الشرقية لدمشق بتهجير مسلحي مدينة دوما، بعد الحديث عن اتفاق مع “جيش الإسلام” لا يزال الأخير ينفيه، يمهّد النظام ومعه موسكو للتوجّه نحو مناطق أخرى، وتحديداً القلمون الشرقي الذي بات مخيّراً بين الحرب أو “المصالحة”. ويتزامن ذلك مع تصعيد القصف على إدلب كما حصل أمس وأدى لسقوط ضحايا مدنيين، وتركيز النظام على استهداف المراكز الطبية في تلك المنطقة. كل تلك المعطيات تسعى روسيا ومعها إيران، لتوظيفها سياسياً، وهو الأمر المتوقع أن يحصل اليوم في قمة العاصمة التركية أنقرة، التي ستجمع رؤساء تركيا رجب طيب أردوغان، وروسيا فلاديمير بوتين، وإيران حسن روحاني، بعد لقاء ثنائي جمع الزعيمين الروسي والتركي أمس. وتأتي أهمية القمة الثلاثية اليوم من نوعية الملفات السورية التي ستكون مطروحة، بدءاً بالتطورات في محيط دمشق، وصولاً إلى الموقف الأميركي المستجد الذي أعلن عنه الرئيس دونالد ترامب بقرب انسحاب القوات الأميركية من سورية، في ما بدا محاولة للتحلل من التزام طويل الأمد في الملف السوري، وعكس إرباكاً أميركياً بعد مسارعة مسؤولين أميركيين للحديث عن بقاء قوات بلادهم راهناً في سورية، إضافة إلى التحركات على الأرض وتحديداً في منبج حيث عزز التحالف الدولي بقيادة واشنطن من وجوده، في موازاة موقف أوروبي يعتبر أنه لا يمكن للغربيين الانسحاب قبل القضاء نهائياً على “داعش” والوصول إلى حل سياسي للصراع السوري.

وفيما وضع الرئيس الإيراني، حسن روحاني، الذي غادر أمس إلى أنقرة، القمة الثلاثية التي تعقد اليوم في إطار “استعراض الظروف الراهنة في سورية ومستقبل هذا البلد والبرامج المحددة في هذا الخصوص”، استبق الاجتماع بالتصويب على القوات الأجنبية التي تتواجد في سورية من دون إذن النظام، في إشارة واضحة إلى تركيا من جهة والولايات المتحدة من جهة ثانية. وقال روحاني: “من وجهة نظرنا فإن تواجد القوات الأجنبية في سورية دون الحصول على إذن الحكومة في هذا البلد، هو تواجد غير قانوني، وبما يستدعي وضع حد له”.

وفيما عقد اجتماع بين كبار خبراء الدول الثلاث، أمس الثلاثاء، لإعداد الصیغة النهائیة لنص مسودة اجتماعي وزراء الخارجیة ورؤساء جمهوریة البلدان الثلاثة اليوم الأربعاء، كانت وكالة الأناضول قد أفادت بأنه من المنتظر أن يتضمن البيان التأكيد على تطابق آراء الدول الثلاث حيال وقف انتهاكات وقف إطلاق النار بسورية، ووحدة أراضيها، وضرورة مواصلة وقف الاشتباكات.

في ظل هذا الواقع، يبقى مصير القطاع الشمالي من الغوطة الشرقية والذي يضم مدينة دوما ومحيطها، يشوبه الكثير من الغموض، خصوصاً لجهة التوصل لاتفاق يحدد مصير المنطقة ومصير مقاتلي “جيش الإسلام” الذي يسيطر عليها، وذلك بعد أن تمت محاصرته ضمن قطاع جغرافي لا يتعدى الـ12 في المائة من مساحة الغوطة الشرقية، ويقطنه أكثر من 150 ألف نسمة. ومما زاد في ضبابية الموقف نفي “جيش الإسلام” التوصل لأي اتفاق وإصرار قادته على البقاء في مدينة دوما، مقابل تصريحات للنظام السوري والروس يرفضون فيها بشكل قطعي بقاء أي فصيل مسلح في محيط دمشق، والذي تزامن مع خروج حافلات تهجير من دوما نقلت 1200 شخص إلى محافظة إدلب بالإضافة إلى خروج آلاف المدنيين، عبر معبر الوافدين باتجاه مناطق النظام، الأمر الذي فسره البعض على أنه تطبيق لاتفاق لم تعلن تفاصيله.

وأكدت مصادر مطلعة من مدينة دوما أن هناك 21 حافلة انطلقت من دوما ليل أول أمس أقلت نحو 1200 شخص باتجاه مدينة جرابلس في الشمال السوري، ولكن هذه الحافلات لم تنقل أي عنصر من “جيش الإسلام” وإنما كانت تستكمل اتفاق التهجير الخاص بالمنطقة الوسطى، والذي تم بموجبه نقل بعض عائلات عناصر “فيلق الرحمن” بالإضافة إلى عناصر ما تبقى من “جيش الأمة” وعناصر “الاتحاد الإسلامي لأجناد الشام”، بالإضافة إلى بعض الشخصيات المعارضة وبعض الناشطين الإعلاميين، وبعض الجرحى والحالات الانسانية الصعبة. هذا فيما لا يزال “جيش الإسلام” ينفي توصله لاتفاقٍ مع المفاوضين العسكريين الروس، حول مصير مدينة دوما، مؤكداً أنه يفاوض الجانب الروسي على البقاء في دوما وليس الخروج منها، وذلك بحسب ما ورد على لسان قائده عصام بويضاني، وكذلك بحسب تأكيد رئيس الهيئة السياسية لـ”جيش الإسلام” محمد علوش.

ودخلت أمس الثلاثاء دفعة جديدة من الحافلات إلى مدينة دوما تمهيداً لاستكمال عملية الإجلاء من المدينة، بعد إعلان موسكو مساء الأحد التوصل إلى اتفاق “مبدئي على انسحاب مقاتلي جيش الإسلام” من مدينة دوما، فيما تباطأت العملية أمس جراء “خلافات” بين قياديي “جيش الإسلام”، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان.

وذكر التلفزيون السوري التابع للنظام أمس أن “أكثر من 20 حافلة دخلت باتجاه نقطة تجهيز وتجميع إرهابيي جيش الإسلام وعائلاتهم تمهيداً لخروجهم عبر ممر الوافدين إلى جرابلس”. وفي وقت لاحق أفاد التلفزيون عن خروج حافلتين فقط من دوما، فيما كانت عشرات الحافلات الفارغة متوقفة على الطريق الدولي عند أطراف دمشق وفق “فرانس برس”. وتحدث المرصد السوري لحقوق الإنسان عن خلافات داخل “جيش الإسلام” بين قياديين موافقين على الاتفاق وآخرين متشددين رافضين له. وقال مدير المرصد رامي عبد الرحمن لـ”فرانس برس” إن “الجناح المتشدد في جيش الإسلام ما زال على موقفه الرافض لاتفاق الإجلاء”.

ويبدو أن “جيش الإسلام” قد فَقَد نقاط قوته العسكرية بعد محاصرته من قبل قوات النظام المدعومة روسياً، ومن غير المتوقع أن تساعده العوامل على الصمود خصوصاً في ظل وجود كتلة بشرية هائلة في المنطقة تشكل عامل ضغط إضافي عليه. كما أن موضوع الأسرى الذين هم بحوزة “الجيش” والذين تتضارب الأرقام حول عددهم بين ألف و300 أسير، لا يُعدّون نقطة تفاوض تؤثر كثيراً في سير المفاوضات في حال كانت هناك إرادة دولية لإنهاء وضع “جيش الإسلام” من الغوطة، وإنما يبقى تفصيلاً تقنياً يمكن الاتفاق عليه. لتبقى نقطة القوة الوحيدة التي يمتلكها “جيش الإسلام” حالياً هي علاقاته السياسية مع محور السعودية-مصر، والتي يبدو أنه يراهن عليه وعلى علاقاته مع الروس، خصوصاً أن اتفاق خفض التصعيد الخاص بدوما تم توقيعه في مصر برعاية “تيار الغد” المدعوم سعودياً والذي يتزعمه أحمد الجربا. الأمر الذي يرجّح مراهنة “جيش الإسلام” على تدخّل سياسي لحل وضعه من دون اللجوء إلى عملية تهجير عناصره خارج الغوطة، إذ يعاني من مأزق حقيقي في حال قبل بالتهجير إلى شمال سورية بسبب عدم قبوله من الفصائل الموجودة في الشمال، وبسبب عدد عناصره الكبير الذي قد يغيّر موازين القوى في أي منطقة يمكن أن يذهب إليها، بالإضافة إلى عدم قبول الروس والنظام بتهجيره إلى منطقة القلمون كونها المنطقة الثانية التي يعمل الروس والنظام على “تسوية وضعها” وبسبب موقعها الاستراتيجي بالنسبة للنظام والروس.

ويصطدم وضع “جيش الإسلام” بإصرار النظام وإيران على إغلاق ملف دوما بأي طريقة، بما فيها الحل العسكري، في حين لا يزال الروس يدفعون باتجاه تجنّب عمل عسكري في دوما بحسب مصادر من المفاوضين مع الروس، ليبقى مصير المنطقة معلقاً بمقدار التدخّل الدولي لدى الروس، حيث يبدو إلى الآن أن الأمور متجهة لتركها تواجه مصيرها بنفسها.

في غضون ذلك، تثير التحركات الأميركية على الأراضي السورية تساؤلات كبيرة، فعلى الرغم من تأكيدات ترامب أن بلاده ستنسحب “قريباً” من سورية، فإن هذا الاحتمال يبقى مستبعداً ميدانياً في الوقت الحاضر، بحسب ما يرى مراقبون إلى الوضع، بما يعني أن موقف ترامب جاء ليشير إلى عدم نيّة أميركية ببقاء طويل الأمد في الأراضي السورية. وفي هذا السياق، ذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن ترامب أمر بتجميد أكثر من مائتي مليون دولار من الأموال المخصصة لإعادة إعمار سورية، في معلومات لم يتم تأكيدها ولا نفيها رسمياً. وقال مسؤولون لوكالة “فرانس برس” إن تصريحات ترامب لم تكن هفوة ولا خطأ، مشيرين إلى أن الرئيس كان ينتقد منذ أسابيع فكرة الالتزام الأميركي بعيد الأمد أو حتى متوسط الأمد في شرق سورية حيث تنشر واشنطن حوالى ألفي جندي في إطار مكافحة تنظيم “داعش”. لكن انسحاب الولايات المتحدة يتعارض مع استراتيجية “إرساء الاستقرار” في المناطق المحررة إلى حين التفاوض برعاية الأمم المتحدة على تسوية للنزاع في سورية، وهي استراتيجية يدعو إليها الأوروبيون. ويعتبر الدبلوماسيون الأوروبيون، بحسب وكالة “فرانس برس”، أنه لا يمكن للغربيين الانسحاب طالما لم يتم القضاء كلياً على تنظيم “داعش” ولم يصر إلى تنفيذ حل سياسي. كذلك نقلت الوكالة عن متحدث باسم البنتاغون، هو أدريان رانكين غالواي، عن أن مهمة العسكريين الأميركيين في سورية “لم تتغير”، مضيفاً “نواصل تطبيق استراتيجية الرئيس القاضية بالانتصار على تنظيم داعش”.

يترافق هذا الحديث مع تحركات أميركية في مدينة منبج، تأتي بعد تصاعد التهديد التركي أخيراً بشن هجوم على المنطقة. ويسيّر التحالف الدولي دوريات تضم آليات وعربات حديثة مصفحة، بالإضافة إلى استحداث خنادق من قبل قوات مجلس منبج المحلي، التابعة لـ”قوات سورية الديمقراطية”، فيما تحدثت وكالة الأناضول عن شروع الولايات المتحدة في توسيع نقطتي مراقبة، تقعان في محيط قرية الدادات، التابعة لمنبج، بغرض تحويلهما لقاعدتين عسكريتين.

وقال قائد مجلس منبج العسكري محمد أبو عادل لوكالة “فرانس برس”: “زاد التحالف الدولي عديد قواته مع أسلحتها الثقيلة عند خطوط الجبهات ويسيّر دوريات مستمرة، كما اتخذنا كافة الاحتياطات لناحية انتشار عناصرنا على خطوط الجبهة”. وينتشر حالياً في محيط منبج نحو 350 جندياً من التحالف الدولي معظمهم من الأميركيين والفرنسيين، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان، الذي تحدث عن تعزيزات جديدة للتحالف تضم عناصر من الطرفين وصلت في اليومين الأخيرين.

عبسي سميسم