أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » ليس بالقوة العسكرية فقط… كيف حققت روسيا “انتصارها” في الحرب السورية؟

ليس بالقوة العسكرية فقط… كيف حققت روسيا “انتصارها” في الحرب السورية؟

“يبدو أن روسيا حققت على الأقل نصراً جزئياً في سوريا، وحققت ذلك من خلال مزيج مثير للإعجاب بين الكفاءة والمرونة والتنسيق بين العمل العسكري والعمل السياسي”.

هذه خلاصة تحليل مطوّل عن التدخل الروسي في الحرب السورية كتبه مايكل كوفمان، الباحث في “مركز التحليلات البحرية” CNA والمسؤول عن برنامج الدراسات الروسية فيه، وماثيو روجانسكي، مدير معهد كينان للأبحاث في مركز وودرو ويلسون.

عدا مضمونه وخلاصاته، من أكثر ما يلفت الانتباه في هذا التحليل هو مكان نشره، إذ نشرته دورية Military Review التي تصدر عن الجيش الأمريكي، بعنوان “أي نوع من الانتصارات حققت روسيا في سوريا؟”.

وإذا كان، ككل تحليل علمي، ليس حاسماً في بعض استنتاجاته، إلا أنه يخلص إلى أنه “إذا لم تحقق الحملة في سوريا انتصاراً للروس، فإنها بالتأكيد تسببت بإخفاق معارضي التحالف الذي تقوده روسيا”.

ويأتي هذا التحليل ليضيء على بعض الأمور، في فترة تشهد تغيّرات حاسمة في السياسة الأمريكية حيال سوريا، مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل أيام، في كلمة ألقاها في مدينة ريتشفيلد في ولاية أوهايو، أن قوات بلاده ستغادر سوريا “قريباً جداً” بعد أن انتصرت على تنظيم داعش، “لندع الآخرين يتولّون الاهتمام بها”.

حديث ترامب المفاجئ أتى في وقت كان الجيش الأمريكي يناقش إرسال العشرات من الجنود الإضافيين إلى شمال سوريا لينضموا إلى حوالي 2000 جندي منتشرين في هذا البلد.

لم يعجب كلام الرئيس بعض دوائر وزارة الدفاع (البنتاغون) ولم يعجب كثيرين منهم السناتور ليندزي غراهام، عضو لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، والذي قال لقناة فوكس نيوز إن هذا الأمر سيكون “أسوأ قرار منفرد يمكن أن يأخذه الرئيس”، مضيفاً أنه سيؤدي إلى “خروج الحرب بين تركيا والأكراد عن السيطرة وسيعطي دمشق للإيرانيين”.

ويقترح مسؤولون في البنتاغون على ترامب زيادة حجم القوات الأمريكية في سورية بدلاً من سحب المنتشرين هناك، في ظل مخالفة وزارتي الدفاع والخارجية الأميركيتين ووكالة الاستخبارات المركزية لنوايا الرئيس الأمريكي.

وعاد ترامب مرة ثانية للحديث عن الأمر معتبراً أن المهمة في سوريا “مكلفة جداً لبلدنا وتساعد دولاً أخرى أكثر بكثير مما تساعدنا نحن”. ولكنه هذه المرة ترك باباً مفتوحاً بتوجهه إلى السعودية بالقول: “حسناً، كما تعرفون، تريدون منّا البقاء، ربما سيكون عليكم دفع التكاليف”.
الدور الروسي في سوريا

يقول كوفمان وروجانسكي إن موسكو حين قررت التدخل في الحرب الروسية في سبتمبر 2015، كانت ترى أن نجاح تدخلها سيحقق لها انتصاراً على ثلاث جبهات: منع سقوط حليفها النظام السوري؛ كسر عزلتها السياسية وإجبار الولايات المتحدة على التعامل معها كندّ؛ وإقناع الشعب الروسي أن روسيا قوة عظمى في السياسات الدولية.

وفكرت روسيا أيضاً في أن تدخلها في سوريا سيحول دون عودة الجهاديين الروس إلى أراضيها ما يهدّد أمنها، وسيجبر الدول الغربية على إجراء مقايضة ما معها بخصوص الأزمة الأوكرانية.

ويرى الباحثان أن روسيا ربما لم تأتِ إلى سوريا مع آمال باستعادة قوتها في الشرق الأوسط، ولكن “طموحاتها كانت تنمو مع كل نجاح تحققه على أرض المعركة”.

ومع مضي الوقت، “صارت روسيا صانع قرارات محتمل، وربما موازن لنفوذ الولايات المتحدة، حتى لو لم تكن قد بدأت حملتها في سوريا مع وضع هذه الأهداف في ذهنها”.
أبعد من الدور العسكري

حققت روسيا، بدعمها للتحالف بين قوات النظام السوري والقوات الإيرانية والميليشيات الشيعية، مكاسب كثيرة على الأرض. فالنظام السوري يسيطر حالياً على أكثر من 55% من مساحة البلاد بعد أن كان يسيطر قبل التدخل الروسي على نحو 10% فقط.

حققت روسيا ذلك بدون خسائر بشرية كبيرة لأنها لا تحرّك قواتها على أرض الجبهات الساخنة وتلجأ حين الضرورة إلى الاستعانة بمرتزقة توفّرهم شركات خاصة تتعاون مع وزارة الدفاع الروسية.

ولكن الأهم، برأي كوفمان وروجانسكي، هو كيفية نجاح موسكو في تحقيق مكاسب سياسية تواكب مكاسبها الميدانية، فروسيا احتاجت إلى إطلاق عملية سياسية تواكب المكاسب العسكرية التي تحققها على الأرض، “إذ كما قال ماو تسي تونغ، القوة السياسية ‘تنمو من فوهة البندقية’”.

أقوال جاهزة

ونجحت روسيا في ذلك، “فمع مرور الوقت، حققت موسكو نجاحاً على الجبهات العسكرية والسياسية معاً، وضغطت على خصومها وتفاوضت معهم واحداً واحداً لتغيير مواقفهم، على الرغم من أن الطريق إلى تحقيق هذه النتيجة لم يكن سهلاً”.

فبعد أن بدأت روسيا تدخلها في سوريا بتوتر كبير مع أنقرة عبّرت عنه حادثة إسقاط الدفاعات التركية مقاتلة سو-24، في 24 نوفمبر 2015، تغيّر المشهد مع تقديم تركيا “ما يشبه اعتذاراً” عن تصرّفها، في صيف عام 2016، من أجل إعادة تطبيع العلاقات بي الدولتين.

وفي أكتوبر 2017، زار العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز روسيا لأول مرة، ما “يمثل اعترافاً بزيادة النفوذ الروسي في الشرق الأوسط”، بحسب الباحثين.

ونجحت روسيا في الحفاظ على “علاقات بناءة” مع الدول المتنافسة في سوريا، من السعودية إلى إيران، ونجحت في نسج تفاهمات مع قوى يمكن أن تفسد عملها مثل إسرائيل. وبرغم خلافها المستمر مع الرياض على تشكيل فريق المعارضة السورية التفاوضي في جنيف وبرغم بعض خلافاتها مع أنقرة حول التعاطي مع وحدات حماية الشعب الكردية، نجحت في كسب اعتراف الطرفين بتأثيرها.

كذلك، نجحت في إقناع واشنطن بأن سياسة تغيير النظام السوري غير واقعية وبأن دعمها للمعارضة لا يمتلك أية فرصة لتحقيق نجاحات. والأهم، بحسب كوفمان وروجانسكي، هو أن “روسيا كسبت، على ما يبدو، قبولاً أمريكياً بدورها كفاعل رئيسي في مستقبل سوريا”، حسبما أظهر البيان المشترك الصادر عن الرئيسين الأمريكي والروسي في نوفمبر 2017 من فييتنام، والذي أكد استمرار تعاون البلدين في حوارهما من أجل تحديد مناطق تخفيف التصعيد، وهي مبادرة روسية بالأساس.

وسياسياً أيضاً، نجحت روسيا في كسر هيمنة مسار جنيف والقيادة الدبلوماسية الأمريكية على التفاوض على مستقبل سوريا من خلال دمج مفاوضات أستانا التي أطلقتها عام 2016 بالمفاوضات التي تقودها الأمم المتحدة. ونجحت موسكو في الضغط من أجل تشكيل معارضة سورية تقبل بتقديم تنازلات في مفاوضاتها مع النظام.
سؤال “الانتصار” المعقّد

الإجابة عن سؤال “هل انتصرت روسيا في سوريا؟” ليس سهلاً فهو خاضع لجملة عوامل.

“الإجابة عن هذا السؤال تعتمد على ماذا تريد موسكو أن تحقق، وفي كلمات أخرى، كيف عرّفت روسيا أو ستعرّف الانتصار في سوريا؟ ما هي مصالحها المستمرة هناك؟ وهل حققت موسكو هذه المصالح أو أحرزت تقدّماً في سبيل تحقيقها؟”، يقول كوفمان وروجانسكي.

وينبّه الباحثان إلى أن روسيا لا تحرّك قواتها على الأرض وتعتمد في الميدان على حلفائها من النظام السوري وإيران والميليشيات الشيعية، ما يعني أنها “تعاني من نفس العجز الذي تعاني منه الولايات المتحدة” بهذا الخصوص. فـ”كلتاهما قوتان خارجيتان تتدخلان في سوريا من دون أن تمتلكا بالضرورة التأثير على الحلفاء المحليين أو الإقليميين في ما خص عقد الصفقات الكبرى”.

وحتى الآن، فإن العلاقات بين موسكو وطهران مستقرة، لأن الإيرانيين يريدون ضمان هيمنتهم بشكل يمتّن الممر الذي يربط بين العراق ولبنان. ولكن لو تناقضت أهداف الطرفين فإن حلفهما سيتعرّض لأزمة.

وبرغم كل عوامل عدم اليقين التي تلف الإجابة على سؤال انتصار روسيا في سوريا، إلا أن كوفمان وروجانسكي يخلصان إلى أن الاستراتيجية الروسية والتكتيكات التي تعتمدها وتنسيقها بين المبادرات العسكرية والدبلوماسية “تقدّم درساً مهماً حول قيادة أية عملية تدخل عسكري في بيئة معقدة ومتقلبة مثل الشرق الأوسط… وعلى واشنطن أن تولي اهتاماً وثيقاً بالتدخل الروسي وبكيف حققت موسكو أهدافها في سوريا”.

المصدر: رصيف 22