أخبار عاجلة
الرئيسية » الشأن السوري » قمة أنقرة عززت مسار آستانة ووسعت المواجهة مع واشنطن

قمة أنقرة عززت مسار آستانة ووسعت المواجهة مع واشنطن

لم تخرج نتائج القمة الروسية – التركية – الإيرانية عن التوقعات التي سبقتها لجهة سعي الأطراف الثلاثة إلى «ضبط الساعات» والخروج برؤية مشتركة لبلورة ملامح التحركات المقبلة، على خلفية التطورات الكثيرة التي شهدتها سوريا على المستويين الميداني والسياسي منذ اللقاء الأول الذي جمع رؤساء البلدان الثلاثة في سوتشي في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

وقد يكون العنصر الجديد الوحيد الذي فرض نفسه بقوة على أجندة اللقاء، التصريحات الأميركية المتباينة حول احتمال الانسحاب من سوريا، والذي تحول إلى «إحدى النقاط الأساسية التي تركز البحث عليها» وفقا لدبلوماسي روسي، قال إن الأطراف الثلاثة تولي أهمية خاصة للنشاط الأميركي في سوريا، واحتمالات أن يطرأ تغيرات عليه ما يفتح على أسئلة في شأن «من هي الأطراف الإقليمية أو الدولية التي ستلعب دورا لتمثيل مصالح أميركا في حال قررت واشنطن في نهاية المطاف سحب قواتها».

ولم يكن مستغربا أن تكون واشنطن الطرف الغائب لكنه «الحاضر بقوة» في أعمال القمة، فهي نجحت في جعل البلدان الثلاثة الضامنة وقف النار في سوريا تتحول إلى محور يجمع لاعبيه على رفض سياسات واشنطن في سوريا، كما أن لكل منهم منفردا ملفا معقدا وخلافيا مع الولايات المتحدة.

وقد يكون هذا هو المغزى المقصود من مسارعة وسائل إعلام رسمية في روسيا فور انتهاء القمة إلى تأكيد أنها «وجهت رسالة واضحة إلى واشنطن» بأن «الثلاثي» هو اللاعب الرئيسي في سوريا حاليا، ولا يمكن الإقدام على أي خطوة من دون أخذ مواقف موسكو وأنقرة وطهران بعين الاعتبار. برز ذلك رغم أن الوثيقة الختامية للقمة لم تشر بكلمة إلى سياسات واشنطن، لكن كل بنودها حمل تأكيدا مباشرا أو غير مباشر أحيانا على أن محور الضامنين غدا الآلية الأكثر فعالية ونشاطا وأن كل التطورات التي جرت في سوريا خلال العام الأخير تدل على قدرته على فرض السيناريوهات التي يتم التوافق عليها فيما بين أعضائه.

وكان لافتا أن يركز البيان الختامي على أن «صيغة آستانة هي الآلية الوحيدة الفاعلة القادرة على خفض العمليات القتالية على كل الأراضي السورية وتأمين الاستقرار والسلام ومنح دفعة لمسار جنيف بهدف إيجاد تسوية سياسية دائمة».

الملاحظ بحسب محللين روس، أن ذكر مسار جنيف لم يأت إلا في إطار الإشارة إلى جنيف ستكون تتويجا لعملية آستانة بما يعكس ذلك من تفاهمات على ضمان مصالح موسكو وأنقرة وطهران. كما أن الملاحظ أن القرار 2254 الذي يعتبر الأساس المتفق عليه دوليا لأي تسوية في سوريا لم يذكر في الوثيقة إلا مرة واحدة، لم تأت في إطار التأكيد على «تطبيق القرار الدولي» بحسب الصياغة التي صدرت عن لقاءات ومؤتمرات دولية وإقليمية عدة في السابق، بل كان ذكره مقتصرا على الفقرة التي أكدت أن تحرك البلدان الثلاثة لتأمين وقف متين للأعمال القتالية ودفع تسوية سياسية «ينطلق من دعوة القرار 2254». وقد تكون هذه الصياغة اختيرت بعناية لتوفير مجال للتملص في وقت لاحق من ضرورة توالي تنفيذ بنود القرار بالترتيب الذي صدر فيه عن مجلس الأمن، ما يعني تجاوز عقدة «تشكيل هيئة حكم الانتقالي» والانتقال مباشرة إلى «إقامة حوار يجمع كل مكونات الشعب السوري»، وهي الصياغة التي ترى موسكو وأنقرة وطهران أن مؤتمر سوتشي عبر عنها.

ومع الفقرات التي أكدت المبادئ الرئيسة المتفق عليها مثل الحرص على وحدة الأراضي والسيادة وتوفير مجالات المساعدات الإنسانية للشعب السوري، فإن التركيز الأكبر في الوثيقة انصب على قرارات مؤتمر سوتشي بصفتها «المنعطف الأهم» الذي يوفر وفقا للوزير سيرغي لافروف «الآلية العملية الوحيدة لدفع التسوية السياسية». بهذا المعنى فإن تطابق مواقف موسكو وأنقرة وطهران حيال تقديم «الإصلاح الدستوري» على المهمات الملحة الأخرى، وجد انعكاسا في الوثيقة التي تشكل رافعة التحرك الثلاثي خلال المرحلة المقبلة. وسوف يرمي هذا الملف بظلاله على تحرك المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا المكلف بالإشراف على اللجنة الدستورية التي يجري تشكيلها. ما يعني أن «سلة الدستور» ستكون لها أولوية في البحث خلال أي جولة مفاوضات مقبلة، بالتوازي مع محافظة «سلة الإرهاب» على مكانتها التي فرضت من جانب موسكو وطهران، وسيشغل ملف الانتخابات الدرجة الثالثة من الاهتمام، بينما سيتم تغييب «سلة الحكم» تدور حولها سجالات كثيرة منذ إعلانها.

ومع مضي الأطراف الثلاثة خلال المرحلة المقبلة في استكمال عملية إعادة رسم خرائط مناطق خفض التوتر بما يعكس توازنات القوى الجديدة وتوزيع مناطق النفوذ، يبرز عدد من النقاط التي يصفها بعضهم في موسكو بأنها إشكالية، وأنه لا يمكن التقدم من دون إيجاد توافقات بشأنها.

الأولى: رؤية الأطراف الثلاثة للمرحلة المقبلة على صعيد الحاجة الملحة إلى تثبيت الوضع الميداني الحالي سياسيا مع إطلاق الحديث عن ملف إعادة الإعمار الذي سيفرض نفسه خلال المرحلة المقبلة. وهنا جاءت تصريحات الرئيس فلاديمير بوتين خلال أعمال القمة لتشير إلى أن موسكو بدأت تفكر جديا في هذا الملف. وترى أوساط روسية أنه لا يمكن التقدم على هذا الصعيد بشكل منفرد، لأن البلدان الثلاثة ليست قادرة على توفير الموارد اللازمة، ما يعني ضرورة الاعتماد على مانحين دوليين وإقليميين، وفي هذا الإطار يبرز دور الاتحاد الأوروبي الغائب عن نقاشات الوضع الميداني وعن التسوية السياسية حتى الآن، كما تراهن موسكو على دور أساسي لمجلس التعاون الخليجي الذي تم تغييبه أيضا عن مسار آستانة والجهود الثلاثية الجارية. وترى أوساط روسية أن موسكو لا تريد التسرع في وضع هذا الملف أمام «مقايضات محتملة» باعتبار أن قطار التسوية السياسية لم ينطلق بعد، لكنها تدرك أنها سوف تضطر إلى فتح هذا الملف عاجلا أو آجلا.

الثانية: رغم التوافقات الكبرى والمهمة بين الأطراف الثلاثة لكن العناصر الخلافية ما زالت قائمة حيال عدد من القضايا. وبالدرجة الأولى تتساءل أوساط روسية حاليا عن رد فعل إيران والنظام على تعزيز الوجود التركي على الأراضي السورية على المدى البعيد. وثمة من يرى أن أنقرة سوف تضطر عاجلا أو آجلا إلى الانسحاب وإخلاء المناطق الخاضعة لسيطرتها وتسليمها إلى أطراف سورية. وفتحت الدعوة المباشرة التي وجهها الرئيس الإيراني حسن روحاني في أنقرة إلى التعاون مع الحكومة السورية وتسليمها المناطق الخاضعة للسيطرة التركية في شمال البلاد على التأكيد بأن هذا الملف كان مطروحا للبحث على المستوى الرئاسي، لكن هل يعني ذلك أن ثمة صفقة يمكن أن تذهب أنقرة اعقدها؟ يرى خبراء روس أنه من المبكر بعد تعليق آمال في هذا الاتجاه، لكنهم يقرون بأن موسكو تعمل بهدوء لإنجاح سيناريو مماثل.

الثالثة: مهما كان القرار الأميركي النهائي حول تقليص الوجود العسكري أو إنهائه، أو ربط هذه العملية بتطورات الواقعين الميداني والسياسي، فإن أسئلة كثيرة تبرز لدى أوساط روسية حول الطرف أو الأطراف التي ستشغل مكان الولايات المتحدة، أو بالأصح ستكون قادرة على تمثيل مصالح واشنطن وفقا لتعليق نشر أمس في صحيفة روسية. والسؤال يشير إلى أن غياب واشنطن لا يعني غياب تأثيرها ونفوذها، ما يعني أن مساعي البلدان الثلاث لوضع سيناريوهات تلبي مصالحها وتقسيم مناطق النفوذ فيما بينها لا يمكن إلا يواجه برد فعل من جانب واشنطن ولندن وباريس التي عادت في الفترة الأخيرة إلى تنشيط تحركاتها تجاه سوريا.

الرابعة: لا يمكن تجاهل واقع أن إجلاء المسلحين وتوسيع مناطق سيطرة النظام لا يلغي حقيقة بقاء عشرات الألوف من المسلحين المعارضين لنظام بشار الأسد، وأن هؤلاء يشكلون عبر ترحيلهم إلى مناطق أخرى قنبلة موقوتة مؤجلة، خصوصا مع تجمع الجزء الأكبر منهم في مناطق الشمال السوري. وبرغم أن بعض «الصقور» في روسيا يميل إلى مواصلة «عمليات التطهير» بالتدريج، لكن هذا السيناريو لا يحظى بإجماع ضمن الثلاثي من جانب، كما أنه يمكن أن يحمل تداعيات سلبية لجهة مواصلة تدهور الوضع بدلا من استغلال الإنجازات التي تحققت والشروع بترجمتها سياسيا. وفي هذه النقطة ثمة خلاف وفقا لمصادر في موسكو بين النظام والروس، إذ يرى الأول ضرورة استكمال الحسم العسكري، بينما تخشى موسكو عودة الأمور إلى الانفلات بشكل أوسع وتضييع فرصة فرض تسوية سياسية تقوم على موازين القوى الحالية. وبدأت أوساط في روسيا بالعودة إلى فرضيات كانت طرحت في وقت سابق لحل هذه الإشكالية، إذ وضع مجلس السياسات الخارجية الذي يديره وزير الخارجية السابق إيغور إيفانون رؤية لدمج الفصائل المسلحة المعارضة في هياكل الجيش والأجهزة الأمنية باعتبار تلك «الآلية الوحيدة لتجاوز هذه المعضلة» لكنه أقر أن هذا السيناريو سوف يحظى برفض قاطع من جانب النظام كما من جانب الجزء الأكبر من الفصائل.

أخيرا، تبقى مشكلة مكانة ودور المكون الكردي من دون حل، وهي مشكلة تؤسس وفقا لخبراء روس لمجموعة من التعقيدات باعتبار أنها تعرقل التقدم نحو تسوية سياسية بسبب التباينات الواسعة حولها داخل الثلاثي، كما أنها توفر مجالا لاستمرار تدخل أطراف خارجية ترى في هذه الورقة آلية لعرقلة جهود موسكو. ورغم أن روسيا تسعى إلى مواجهة هذه المعضلة عبر «فرض» تمثيل للأكراد في أي عملية تفاوضية مقبلة لكن الوضع الميداني المتغير بعد العملية العسكرية التركية والتجربة السابقة في جولات جنيف وجولة سوتشي عكسا أن المكون الكردي لن يحظى بتمثيل يرضي أطرافه الأساسية.

المصدر: الشرق الأوسط