أخبار عاجلة
الرئيسية » شؤون عربية » جمعة غضب غزة 2: إسرائيل تهدّد بمجزرة

جمعة غضب غزة 2: إسرائيل تهدّد بمجزرة

تبدو إسرائيل عاجزة تماماً عن مواجهة الحراك الجماهيري الفلسطيني ضمن إطار مسيرات العودة الكبرى التي تدخل اليوم أسبوعها الثاني، إلا بالقتل. وتوحي تصريحات حكام تل أبيب من ساسة وعسكر بأن جيش الاحتلال يستعد لارتكاب جريمة جديدة بحق المعتصمين الغزيين على السياح الحدودي اليوم، ضمن جمعة الغضب الثانية، أو جمعة “الكاوتشوك”. وإسرائيل التي أعلنت أنها لن تسمح بأي حال من الأحوال للمشاركين في مسيرات العودة باجتياز الحدود الفاصلة مع القطاع أو المسّ بالتجهيزات التي يستخدمها جيش الاحتلال في تدشين منظومة العوائق المادية الهادفة لمواجهة شبكات الأنفاق الهجومية، تعي أن تحقيق هذا الهدف يتطلّب سقوط المزيد من الشهداء والجرحى في الجانب الفلسطيني، وهو ما سيصبّ مزيداً من الوقود على شعلة هذا الحراك. وفي هذا السياق، حذرت إسرائيل من أنها ستبقي على الأوامر التي أصدرتها الى جنودها في 30 مارس/ آذار بإطلاق النار. وعشية هذه التظاهرات، قال وزير الأمن الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان: “إذا كانت هناك استفزازات، سيكون هناك رد فعل من أقسى نوع، كما حدث الأسبوع الفائت”. وأضاف للإذاعة الإسرائيلية العامة: “لا نعتزم تغيير قواعد الاشتباك”. وقال ليبرمان: “نحن لا نواجه تظاهرة، بل عملية إرهابية. عملياً كل الذين يشاركون فيها يتلقون راتباً من حماس أو (حركة) الجهاد الإسلامي”. ووصف الوزير الإسرائيلي مسؤولي “مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة” (بتسيلم)، وهو المنظمة الإسرائيلية اليسارية غير الحكومية التي دعت الجنود الإسرائيليين إلى عدم إطلاق النار على الفلسطينيين، بأنه “طابور خامس (…) ومرتزقة”. وقد استشهد شاب فلسطيني إضافي، أمس الخميس، هو مجاهد نبيل الخضري، فضلاً عن وفاة شادي الكاشف، وهو أصم، متأثراً بجروح أصيب بها يوم الجمعة الماضي، ليصل عدد الشهداء الفلسطينيين الذين سقطوا منذ يوم 30 مارس الماضي إلى 20.

وتجاهر المحافل الأمنية الإسرائيلية بالتعبير عن مخاوفها من أنه كلّما تواصل حراك مسيرات العودة وتعاظم عدد القتلى والجرحى، فإن هذا الواقع سيهدد بإشعال الأوضاع الأمنية في الضفة الغربية، لا سيما مع اقتراب موعد تنظيم احتفال نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس.

في الوقت ذاته، تخشى إسرائيل من أن يفضي سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى إلى تراجع كبير في مكانتها الدولية والمسّ في بيئتها الإقليمية. من هنا، فإنها تمزج بين تكثيف الاستعدادات العسكرية والحرب الدعائية والتحركات الدولية والدبلوماسية، بهدف محاولة تقليص دافعية الفلسطينيين لمواصلة الحراك. فجيش الاحتلال الذي لا يتردّد في إطلاق النار بهدف الإصابة أو القتل، على كل فلسطيني يكون على مسافة أقل من 300 متر من الحدود، ينشر المزيد من سرايا القناصة على طول الحدود، وتحديداً في مواجهة معسكرات العودة التي دشنها الفلسطينيون بالقرب من الحدود.

وتحسباً لحدوث الأسوأ، اليوم، قرّرت قيادة المنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال الدفع بالمزيد من الوحدات الخاصة وألوية الصفوة، مع العلم أن لوائي “جفعاتي” و”ناحل” هما اللذان يتوليان عبء الجهد الحربي على طول الحدود مع القطاع.

إلى جانب ذلك، وظّف جيش الاحتلال المزيد من التقنيات الحربية لمواجهة المشاركين في مسيرات العودة، إذ إنه يعكف حالياً على استخدام طائرات صغيرة لإلقاء قنابل الغاز على المتظاهرين، وذلك في محاولة لتجاوز التحوّل الموسمي في اتجاه الرياح، فضلاً عن رهانه على أن استخدام هذه الطريقة يمنح الجيش القدرة على استهداف الجماهير الفلسطينية قبل أن تتمكّن من الاقتراب من الخط الحدودي الفاصل.

وعلى الرغم من فشلها في تحقيق أي إنجازات في هذا الجانب، واصلت إسرائيل شنّ حملاتها الدعائية والنفسية للتأثير على دافعية الفلسطينيين للمشاركة. فالتهديدات المسبقة باستهداف المشاركين، بهدف القتل، في حال اقتربوا من الجدار الفاصل، ومحاولة إحداث شرخ في الصف الداخلي من خلال الزعم أن حركة “حماس” تقف وراء مسيرات العودة من أجل الخلاص من مأزق فشل المصالحة وتبعات مواصلة إدارة حكم غزة، لم تؤت أكلها. وتحولت معسكرات العودة على الحدود إلى ساحات لعقد الندوات الثقافية والأمسيات الفنية والمسابقات الرياضية والمناسبات الاجتماعية، حيث لا يتردد بعض الشباب الفلسطيني في عقد قرانه أو تنظيم حفلات الزواج في هذه المعسكرات.

ومما فاقم الإحباط لدى دوائر صنع القرار السياسي والأمني في تل أبيب، أن الفلسطينيين قد أثبتوا قدرة على المفاجأة بابتداع أدوات جديدة من النضال والمقاومة الشعبية، مثل تنظيم “جمعة الكاوتشوك”، اليوم، التي يفترض أن يتم فيها إحراق آلاف إطارات السيارات، بهدف التأثير على البيئة في المستوطنات والقواعد العسكرية المنتشرة في منطقة “غلاف غزة”. وهناك ما يوحي بأنه سيتم الكشف في الأيام المقبلة عن المزيد من أدوات ووسائل المقاومة الشعبية التي تشكل تحدياً لجيش الاحتلال، وستكون مصدراً للإحراج له أمام الرأي العام الداخلي والعالمي.

وإزاء هذا الفشل، وفي ظلّ المخاوف من تطور مفاعيل هذا الحراك وتعاظم خطورة تداعياته، لجأت إسرائيل مجدداً لنظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، إذ طلبت منه التدخّل لدى حركة “حماس” لإقناعها بوقف الحراك. ولعل ما كشفته وسائل الإعلام الإسرائيلية عن أن نداف أرغمان، رئيس الاستخبارات الداخلية الإسرائيلية “الشاباك”، قد طلب من رئيس الاستخبارات المصرية، عباس كامل، الذي يزور الأراضي المحتلة، في لقائهما الأربعاء، بنقل رسالة تهديد لحركة حماس يحذرها فيها من مغبة مواصلة نشاط الحراك، يؤكد هذا التوجه الإسرائيلي.

وإلى جانب تصاعد الدعوات من النشطاء الفلسطينيين التي تطالب الفصائل الفلسطينية بعدم إبداء أي استعداد للتعاون مع أي تحرّك مصري يهدف إلى احتواء حراك مسيرات العودة، فإن كل المؤشرات تدلّ على أن الفصائل الفلسطينية لا يمكنها المجازفة بالتفريط بمسيرات العودة، على اعتبار أن هذا الحراك وحده يضمن استعادة زمام المبادرة لها، ويحمل في طياته طاقة كامنة لإحداث تغيير جوهري في واقع غزة، لا سيما بعد فشل الجهود الهادفة لتحقيق المصالحة الداخلية وفرض قيادة السلطة الكثير من العقوبات على القطاع.
ومما يشجّع الفلسطينيين على مواصلة الحراك، حقيقة أنه أفضى بشكل واضح إلى زيادة مظاهر الاستقطاب الداخلي في إسرائيل، وأبرز حالة انعدام اليقين داخل الأوساط القيادية في تل أبيب، إزاء السياسة التي تنتهجها حكومة اليمين المتطرف تجاه القطاع. فقد عاد وزير الاستخبارات والمواصلات الليكودي يسرائيل كاتس، مجدداً للمطالبة بتطبيق مشروع لتدشين ميناء ومطار عائمين قبالة سواحل غزة، لتأكيد أن إسرائيل لم تعد مسؤولة عن القطاع. من هنا، فإن إسرائيل تخشى أن يكون الأسوأ هو ما ينتظرها، كلما تواصلت فعاليات مسيرات العودة.