أخبار عاجلة
الرئيسية » شؤون عربية » ضغوط أميركية على العبادي لتسليم البشمركة مناطق متنازع عليها

ضغوط أميركية على العبادي لتسليم البشمركة مناطق متنازع عليها

عادت أزمة المناطق المتنازع عليها بين بغداد وأربيل إلى واجهة الأحداث في العراق، بعد تصريحات للأمين العام لوزارة البشمركة في حكومة إقليم كردستان جبار الياور يوم الثلاثاء الماضي، والتي كشفت عن مساعٍ كردية جديدة للعودة إلى كركوك والمناطق المتنازع عليها مع بغداد بوساطة التحالف الدولي، والذي يمارس ضغطاً على حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي، وفق ما كشف مسؤولون عراقيون لتبدأ مرحلة جديدة من هذه الأزمة بعد أكثر من خمسة أشهر على استعادة بغداد السيطرة على معظم تلك المناطق عبر حملة عسكرية ضخمة طردت خلالها القوات الكردية الموالية لأربيل منتصف أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي.

أزمة مستفحلة

تستهدف أربيل اليوم العودة إلى المناطق المتنازع عليها، من خلال قوات مشتركة من البشمركة والأسايش، وهي قوات تدين غالبيتها بالولاء لزعيم الإقليم السابق مسعود البارزاني، ويبلغ قوامها نحو 7 آلاف عنصر، وتتواجد حالياً على أطراف كركوك بهدف إدخالها إلى تلك المناطق في حال موافقة بغداد. المناطق المستهدفة هي كركوك وطوزخورماتو وداقوق والتون كوبري وسنجار المحررة أخيراً من حزب “العمال الكردستاني”، ومحور مخمور وشيخان وتلكيف وزمار وكفري ومندلي، وهي بمساحة كبيرة تصل إلى 40 ألف كيلومتر ويقطنها نحو مليوني ونصف مليون عراقي، عبارة عن خليط من العرب والأكراد والتركمان والأيزيديين والشبك والصابئة والآشوريين، والفيلية إضافة إلى أقليات أخرى صغيرة مثل الزرادشتية والكاكائية.

وتبسط القوات العراقية و”الحشد الشعبي” سيطرتها على تلك المناطق. وبحسب سكان محليين في تلك المناطق ومسؤولين فإن غالبيتهم يفضّلون القوات العراقية على البشمركة المتهمة بممارسات عنصرية تجاه العرب المسلمين والمسيحيين وكذلك التركمان على وجه الخصوص. وكان من المقرر أن يُحسم مصير البند 140 من الدستور العراقي الخاص بالمناطق المتنازع عليها في العراق إدارياً منذ ما يزيد عن 9 سنوات، إلا أنه حصل تلكؤ في إجراء إحصاء سكاني، إضافة إلى عمليات تغيير ديمغرافي في تلك المناطق كانت كبيرة جداً لصالح الأكراد، فاقمتها هجرة المسيحيين من معاقلهم الرئيسة في سهل نينوى والموصل وأجزاء من شمال العراق جراء عمليات التضييق وما تلتها من جرائم لتنظيم “داعش”.

وتمتلك هذه المناطق أهمية خاصة، إذ يتوفر فيها نحو ثلث النفط العراقي، فضلاً عن حقول غاز ضخمة ومناجم حديد ونحاس وقصدير وزئبق وذهب غير مستثمرة حتى الآن، عدا عن كونها مناطق حدودية مع تركيا وإيران ذات طبيعة تجارية ممتازة. تاريخياً، فإن غالبية تلك المناطق ذات أصول عربية إما مسيحية أو إسلامية، لكنها تغيّرت خلال القرن الماضي بفعل الهجرة الكردية من مناطق حدودية إيرانية وتركية، وشملت هذه الهجرة مناطق سورية مجاورة للعراق أيضاً غالبيتها ذات طبيعة جبلية صعبة.

وعقب احتلال تنظيم “داعش” مساحات شاسعة من الشمال والغرب العراقي، تقدّمت قوات البشمركة الكردية بدعم من التحالف الدولي مطلع عام 2015 لتسيطر على المناطق المتنازع عليها بعد طرد “داعش” منها، متجاوزة الخط الأخضر الذي يرسم حدود المحافظات الكردية الثلاث ضمن إقليم كردستان. وأطلق مسؤولون في أربيل، من بينهم مسعود البارزاني حينها مصطلح “حدود الدم” على تلك المدن، وشدد على أنهم لن ينسحبوا منها وأنها باتت مدناً كردية تابعة للإقليم.

ضغوط خارجية وداخلية

ويبدو أن التحالف الدولي بقيادة واشنطن قد دخل أخيراً بصفته الرسمية على خط الأزمة من باب وجود تهديد أمني من “داعش”، إذ كشف مسؤولون عراقيون في بغداد لـ”العربي الجديد”، أن ممثلي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا يضغطون في سبيل موافقة الحكومة العراقية على إعادة جزء من البشمركة إلى المناطق المتنازع عليها، خصوصاً كركوك، وهو ما كشفت عنه تصريحات وزير البشمركة جبار الياور، الذي أكد وجود اجتماعات بين أربيل والتحالف الدولي بهذا الخصوص. ووفقاً للياور، فإن “الطرفين أكدا أن الأوضاع في المناطق المتنازع عليها تسير نحو الأسوأ”، وأنه تم بحث عودة البشمركة إلى تلك المناطق، وبانتظار الموافقة من الحكومة الاتحادية في بغداد، حيال الانتشار المشترك.

كردياً، فإن توقيت المطالبة بالعودة إلى مناطق كركوك والبلدات المتنازع عليها مرتبط بالتنافس الانتخابي بين الأحزاب الكردية، ومساعي البارزانيين للعودة إلى تلك المناطق أملاً بكسب أصوات الأكراد هناك. أما عراقياً فإن الأمر مختلف تماماً، فـ”التحالف الوطني” الحاكم في العراق إضافة إلى التركمان والعرب السنّة والعرب المسيحيين وقيادات “الحشد”، ترفض ذلك وتعتبر أن عودة البشمركة مرفوضة بالكامل.

وكشف وزير بارز في الحكومة العراقية لـ”العربي الجديد”، قبيل مغادرته إلى طوكيو مع العبادي في جولة اقتصادية، أن هناك “ضغوطاً على الرجل”، في إشارة إلى العبادي، موضحاً أن الأميركيين يريدون منه إعادة البشمركة، لكن “التحالف الوطني” و”الحشد الشعبي” والتركمان والعرب السنّة والمسيحيين يرفضون ذلك، معتبراً أن هذا الملف بات يهدد مكانة العبادي ومصيره في الانتخابات. وأشار إلى أن “أربيل تجهز قوة من نحو 25 ألف عنصر كردي تقول إنهم سينتشرون في المناطق المتنازع عليها إلى جانب القوات العراقية ويكونون تحت إمرة بغداد، لكن القوات العراقية لديها قدرة عددية وعسكرية عالية ولا تحتاج إلى البشمركة”، مستدركاً أن “الضغوط كبيرة وقد يكون هناك ابتزاز للعبادي في موضوع تأييد الأكراد له في ولاية ثانية إذا نفذ مطلبهم”. وأشار إلى أنه قد يصار إلى تفاهم معين كحل وسط للموضوع في حال استمر الضغط الخارجي على العبادي، منها دخول البشمركة إلى مناطق دون أخرى يكون فيها تواجد عالٍ للمواطنين الأكراد، وإعادة تنظيم تحرك البشمركة تحت سلطة وزارتي الدفاع والداخلية.

وأكد القيادي في “التحالف الوطني” صادق المحنا وجود ضغوط على رئيس الحكومة في هذا الملف، موضحاً أن المراقب لسياسة العبادي سيتأكد أنه لن يقدّم تنازلات مقابل مكاسب انتخابية. وأضاف: “إذا كانت البشمركة قوات عراقية وتحت إمرة القائد العام وتذهب إلى البصرة فلا توجد مشكلة، لكن نحن ضد من يحاول الاحتلال تحت اسم المناطق المتنازع عليها ومنع القوات الاتحادية من دخولها، هذا الأمر لن يحدث وليطمئن الشعب العراقي فكركوك محافظة عراقية والمناطق المتنازع عليها عراقية اتحادية”، متابعاً: “لا يمكن السماح لأي جهة كانت بالاستيلاء على منطقة ما بالقوة أو التحكّم في وضعها ومصيرها بطرق الابتزاز واستخدام قوى خارجية للضغط على بغداد”.

من جهته، قال المتحدث باسم العبادي، سعد الحديثي، إن “موضوع انتشار القوات العراقية في الأراضي الشمالية والغربية، هو جزء من مسؤولية الحكومة في بغداد، وهو قرار عراقي سيادي مستقل لا يخضع لأي رغبات أو إرادة قوى خارجية”. وأشار إلى أن “أي أمر بخلاف القرار الحكومي لن يحدث، وأي مساعٍ تجاه هذا الأمر يجب أن تكون بموافقة الحكومة الاتحادية وبقرار منها، ولا يمكن لأي قوى خارجية أن تقرر مصير الوضع الأمني في العراق وتحدد انتشار ومهام القوات بدل الحكومة العراقية، فهذا القرار عراقي والحكومة من تحدده وفق مقتضيات المصلحة الوطنية، أما التنسيق لمواجهة الأخطار في المناطق المتنازع عليها فهو أمر قائم ومستمر”.

تجاذب وتحذيرات

وتختلف الآراء الكردية والتركمانية والعراقية من هذا الملف. النائب في البرلمان العراقي عن الحزب “الديمقراطي الكردستاني”، أشواق الجاف، رأت أن كثرة الهجمات الإرهابية خلال الفترة الماضية على مناطق كركوك وسنجار تعود إلى انسحاب البشمركة منها، فالقوات الكردية تعرف كيفية التعامل مع هذه المناطق أكثر من غيرها. ولفتت الجاف إلى أن “المناطق التي تقول عنها الحكومة الاتحادية إنها متنازع عليها، ليست كذلك، فالدستور العراقي وبحسب المادة 140 منه، نصّ على أن تكون مناطق كركوك وسنجار ومخمور وغيرها خاضعة للسيطرة العسكرية المشتركة بين كردستان والقوات العراقية”، معتبرة أن “بغداد ما زالت متفردة بقراراتها وتتجاوز الدستور ولا تعمل بروحه”. وأضافت أن “تواجد قوات البشمركة ضروري لحماية كركوك، والمراقب سيعرف الفرق الأمني بين فترة سيطرة البشمركة على تلك المدن وما يحدث الآن”، لافتة إلى أن “المفاوضات على إعادة القوات الكردية إلى تلك المناطق هي من اختصاص وزارتي البشمركة والدفاع العراقية”.

من جهتها، قالت النائب عن “التحالف الكردستاني”، زانا سعيد إن أربيل تقدّمت بمقترح إدارة أمنية مشتركة “كونه حاجة وليس مخالفاً للقانون”، معتبرة أنه “يجب أن تكون هناك إدارة مشتركة في كل هذه المناطق حتى تطبيق المادة 140 وحسب نسبة السكان للمكوّنات الموجودة في هذه المناطق”، لافتة إلى أنه “بعد ظهور مفارز داعش في الآونة الأخيرة واعتدائها على القوات العراقية، دعت الحاجة إلى أن تكون هناك قوات لإمساك الأرض ومسح هذه المناطق من خطر الإرهاب”.

في المقابل، رفض رئيس “الجبهة التركمانية” النائب أرشد الصالحي إنشاء أي غرفة عمليات مشتركة بين البشمركة والقوات الاتحادية. وأضاف: “نحن أكدنا على الحكومة العراقية وتحديداً على رئيس الوزراء بعدم اللجوء إلى هذا الأمر لأنه حتماً سيؤثر على الوضع الأمني الداخلي”، متابعاً: “نعم البشمركة جزء من منظومة الدفاع العراقية وكان لها دور في وقت فراغ القوات الاتحادية، ولكن عقب انتشار القوات الاتحادية انتهت الحاجة لقوات البشمركة كيلا تثار القضايا القومية في المناطق المتنازع عليها”.

ورأى الصالحي أنه “في حال تم الضغط على الحكومة ووافقت على انتشار البشمركة، فهذا يعني إثارة الفتنة القومية في كركوك مجدداً، وحتماً ستخرج تظاهرات عارمة عربية وتركمانية داخل كركوك، فحتى المواطنون الأكراد غير راضين عن تصرف القوات الكردية خلال سيطرتها على كركوك، وهي سبق أن استخدمت طرقاً كثيرة في الإساءة لمواطني كركوك وارتكبت انتهاكات بالجملة لحقوق الإنسان”. ودعا رئيس الوزراء “لعدم جعل كركوك صفقةً في تشكيل الحكومة المقبلة”، مضيفاً: “إذا كان أي مسؤول يعتقد أنه سيشكل الحكومة العراقية وسيتولى منصب رئاسة الوزراء بالاعتماد على هذه الصفقة، فهو سيفشل”.