أخبار عاجلة
الرئيسية » قصص قصيرة » قصة قصيرة تكتبها هدى توفيق : المسافر الأخير يموت ببطء

قصة قصيرة تكتبها هدى توفيق : المسافر الأخير يموت ببطء

عندما وصلتُ إلى موقف السيارات (الميكروباصات) لأسافر كان ذلك في مساء متأخر جداً.. ليل آخر ملعون وسماء سوداء أخرى، وهج النار ينبعث من الخشب المحروق حيث يحتمي الجميع من ضربات الشتاء الناخرة، كان المكان على قدر ظلمته وكآبته تلفُّه ضوضاء بطيئة تشعرني بخدر في رأسي، سرعان ما تعوّدت عليه وأحببته. التفتُّ إلى السائق فرأيته جالساً في “غرزة” مكشوفة ينادي على من يسافر. إنه لا يشعر بالزهق مثلي، فرغبته فى السفر تتحقّق عندما تمتلئ العربة وهو ينشط فقط حينما يبدو له زبون في الأفق.

رغم قلّة المسافرين وندرتهم بسبب تأخّر الوقت وقساوة الليل الشتائي، فقد انكشفت الأرض فجأة عن عائلتين من المسافرين ذوي الأعمار المتنوعة، فاحتفظت لنفسي على الفور بمكان جيّد داخل العربة بجانب الباب الأمامي، وعندما كان السائق يوزّعهم على الكراسي داخل العربة اطمأننت أن ذلك لن يؤثر على مكاني الذي اخترته.. بعدها بدقيقة واحدة على الأكثر جاء اثنان آخران صديقان أخذا مكانهما في الكرسي الأخير للعربة، حدث هذا في وقت قصير جداً.

والآن ننتظر المسافر الأخير.

“رأيت لحظتها وهج النار يملأ السماء وانكشفت الأشياء. قلت في نفسي لا عليّ. لا أحد يراها غيري ومن غيري”.

( 1 )

إن من أتى لتوه رفض المكان الخلفيّ الضيّق مفضّلاً أن يركب عربة فارغة، كان رجلاً لا يعير اهتماماً للوقت.. كان راغباً فى تضييعه، كنتُ متعجلاً، ولم يكن لذلك سبب، أستشعر الملل والموت، لذا عرضت عليه أن يركب في مكاني الفاخر فأنا أوّل من هبط على هذه العربة. التفتُّ إليه مستعداً للنهوض، أعرفه.. أعرفه جيداً، كانت بيننا صداقة قديمة، ولكن ثمرتها لم تطرح إلا الكراهية.. تعبتُ من أفعاله الضيقة التي كان فيها مُضحّياً بي لينال مُتعاً رخيصة زائلة. لا عليّ، إنه عداء إنساني منتشر بين الناس، وحتى أبتعد عن تركيزي في ذلك انتبهت وتراجعت وقلت: لا.. لن أتنازل عن مكاني وطوّقته بعينيّ بسرعة أدهشته.

الآن ذهب صديقي القديم الذي أعرفه جيداً وأكرهه ليركب عربة أخرى.

فليكن .. قلت: لا عليّ.

طيلة الوقت، ولزمن بعيد، كنت أتخيّل الموت شخصاً وحيداً ممتطياً درّاجته البخارية المتهالكة. مع ذلك.. يسير بسرعة.. برشاقة يعبر العالم ويتخطى الوجوه.. روح سوداء تطير وتطير لتقتنص الأرواح البريئة والشريرة، أو أحسّه طائراً سماوياً مُبهِراً وملعوناً حطّ على هذه الأرض البعيدة ذا أنف حاد ووجه هادئ متكبر.

“أيها المفترس نفسه في غيظه، هل لأجلك تُخلى الأرض أو يُزحزح الصخر من مكانه”.

( 2 )

قال السائق متحمساً:

– مسافر يا بيه.. إنت.. اركب خلاص هنمشي.

قلت لنفسي متعجلاً: من الصعب أن يكون عدوّاً آخر في ليلة واحدة.

سلّمت للمسافر الأخير بحب ورضا مكاني وجلست أسيراً في مؤخرة العربة بجانب الصديقين.

من اللحظات الأولى في الطريق أعرف انتماءات السائقين.. وهذا رجل هادئ في ما عدا نوبات السعال المستمرة، لا تجذبه مناقشات الراكبين ورغباتهم في التحدث معه.. إنه الشيطان الذي يغري الأرواح المستهترة بالحياة وسط المقامرة.. إنها مقامرة لا يُستهان بها رغم كل شيء.. ومن يستهين؟

يبدو أن السائق لا محالة قد قبل المقامرة.. إنه يسرع.. إنه يأكل الطريق أكلاً، وليكن فليسرع وليزدد وهج العرض.

“لقد كنت صغيراً جدّاً على أن تريني هذا”.

توقفت.. نظرنا.. تجمّدنا ونحن نرى العربة الضخمة تهجم علينا بسرعة.. صرخات وتمتمات لكلام غير واضح، أصوات عظام الآخرين تطقطق والدماء المتناثرة من عملية الذبح الفجائية، جثث طازجة تلسعك سخونة دمائها.. القتل فجأة ودون تردد.. الأفعال الروتينية للآلهة.

“لماذا تحجب وجهك عني وتحسبني عدوّاً لك” .

المسافر الأخير تحملقت عيناه وتلاشت.. نظرات السخرية الأخيرة والعتاب.

( 3 )

كان وجهه يرتطم جيئة وذهاباً ضارباً في هيكل العربة الحديدي، الدم النبيل يتطاير على الوجه الساخر المتكبر ببطء، ثقيل بلونه الأحمر الملتهب يغطّي وجهه مطلقاً ابتسامته الحرة الأخيرة.

هل لك حياة أخرى!!

عندما هدأت أصوات الاصطدام قليلاً، كانت جثث رفقائي من حولي تحتضنني برفق واستسلام، كان الخروج من العربة شيئاً صعباً لي، فالمشهد من حولي مليء بالتفاصيل التي يصعب الخروج منها. لقد أُصبت بلعنة وهي الآن تأكلني ببطء.

لكني فى آخر الأمر سأُرجّح فكرة الخروج مهما تكلّف الأمر منّي.

كان وجه السائق الميت لتوّه متدلياً أمامي على ناصية المسند صامتاً ومتذمراً.. لا ينظر إليّ.. لا ينظر لأحد، كان فى غمرة المقامرة وهو الآن خاسر وميت، كنتُ أشاهده وأراقب خسارته.. سرعته عجلت من خسارته.

جثث العائلتين والصديقين كانت ما زالت تتكلم وتقاوم الموت بإنهاك وعجز.. لقد انحشروا جميعاً فى قاع العربة ومصابين بشدة لم تُفلت أرواحهم ولن يموتوا، سيعيشون يؤدون أدوارهم الباقية وتمر الأيام وكل منهم يتكيف مع عجزه المقدر له، لقد انكسرت أرجلهم وتهشمت عظامهم وسيضطرّون بعد ذلك أن يظلوا راقدين متصلبين على فراشهم المعدني لا يُبارحونه.

لن يكون ذلك هيّناً..

( 4 )

خرجتُ من العربة الغارقة في الدماء، أتشمّم الهواء الساخن المنبعث من الاحتراق.. أحسست بسخونة شديدة ورأيت السماء وقد تحوّل مزاجها والقمر يلمع ببريقه الفضي القوي.. رغم الليل الشتائي الطويل، مشيت لا أفكر في شيء، أرى وهج عيون العربات أمامي ولا شيء آخر.. تجاوزت العربة بمن فيها وحولها وفي كل خطوة أخطوها أشعر بأن شيئاً ورائي يتعقبني ويسعى إليّ وأنه سيهاجمني من خلفي يلهث وراء عيوني أينما ذهبت.. لا أستطيع الفِكاك منه.. أقاوم رغبتي في أن أنظر خلفي، تسري قشعريرة في جسدي تمنعني من المقاومة.

لقد وقفت أخيراً رغماً عنّي ونظرت فجأة.. كان وجهه صامتاً -المسافر الأخير- ينظر إليّ ولا يتحرّك، جسده مليء بالجروح وجهه يُشبهني قليلاً.

“لقد كان عليّ أن أذهب -أنا- إلى الموت لأراه دون شيء آخر، كما تصوّرته دائماً يحضر إلى الطرق الطويلة يهاجم المسافرين المنحشرين داخل العربات الصغيرة حالمين بالعودة إلى أماكنهم الأولى بينما تجري الحياة أمامهم وخلفهم بغزارة، لقد ذهبت إلى الموت لأراه ولكني كنت الناجي الوحيد ولم يمسّ التراب ملابسي، شاهدته ببطء ولهذا قصة أخرى سأحكيها فى أحد الأيام سأبثها فى رؤوسكم بثّاً. بدايتها: عن وجودي الثقيل الوطأة في أي مكان أذهب إليه يستحضر إليّ قبضات الموت اللعينة. مَن منكم يزيح بأظافره المعدنية الحادة وجودي الثقيل؟

* كاتبة مصرية من مواليد محافظة بني سويف، حاصلة على الإجازة في الأدب الإنكليزي من “جامعة القاهرة” عام 1995. من مجموعاتها القصصية: “أن تصير رجلاً”، و”كهف البطء”، و”عدوى المرح”، و”حذاء سيلفانا”، كما صدرت لها روايتان: “بيوت بيضاء” و”المريض العربي”. أما آخر إصداراتها، فهو كتاب بعنوان “اقتحام الخلوة” (2017) أعدّته حول الناقد المصري عبد المنعم تليمة بمناسبة مرور سنة على رحيله.

هدى توفيق