أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » العالم يواجه مجزرة دوما بالتهديدات: كيماوي الأسد برعاية بوتين

العالم يواجه مجزرة دوما بالتهديدات: كيماوي الأسد برعاية بوتين

ذهب رئيس النظام السوري بعيداً في قراءته للتطمينات التي وصلته، مباشرة أو غير مباشرة، حول موافقة “المجتمع الدولي” على بقائه في السلطة، فارتكب مجزرة دوما الكيماوية ليل السبت. كذلك حال داعمه وراعيه، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي ذهب بدوره بعيداً في قراءة انعدام الرغبة العالمية في مواجهة سياساته الخارجية، فقرر مواصلة الكذب المفضوح في الدفاع عن مجازر الأسد، بوقاحة لا تنافسها إلا بشاعة الجرائم الروسية في سورية منذ سبتمبر/ أيلول 2015. وقد التقط الأسد الرسالة التي وصلته من ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، ومفادها أن “الأسد باق في الحكم”، كما استوعب فحوى الكلام الصادر عن قمة أنقرة الأسبوع الماضي، ليفهم أن همّ كل من رجب طيب أردوغان وحسن روحاني وفلاديمير بوتين هو كيفية مواجهة أميركا والغرب في سورية، وليس تغيير النظام أو إحقاق العدالة أو الديمقراطية للشعب السوري، فارتكب مجزرة دوما وهو مطمئن تماماً إلى أنه لن تصدر أي ردة فعل دولية تحاسبه وراعيه بوتين عن مجازرهما.

وقد أجمعت المواقف الدولية والعربية المنددة بمجزرة الكيماوي التي ارتكبها النظام السوري في دوما، أول من أمس، على ضرورة محاسبة النظام السوري ورئيسه بشار الأسد على الجريمة الجديدة، وإن اختلفت المواقف حول آلية المحاسبة وحدودها في ظل الدفاع الروسي المستميت عن النظام، ما ترجم في مسارعة موسكو لنفي صحة المجزرة بالتزامن مع مساع لعرقلة عقد الاجتماع الطارئ لمجلس الأمن الدولي الذي دعت إليه الكويت مع كل من فرنسا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة والسويد وبولندا وبيرو وهولندا وساحل العاج لبحث الهجوم ودعم إجراء تحقيق دولي في ما حدث.

ويفتح تعثر اتخاذ موقف مشترك داخل مجلس الأمن الباب أمام احتمالين: إما أن يقتصر رد الفعل الدولي على بضع تهديدات كلامية على غرار تلك التي تكررت يوم أمس، أو حدوث تحرك منسّق خارج مجلس الأمن، ترجح أغلب التقديرات أنه إذا تم المضي به فلن يقتصر على الولايات المتحدة التي لم يستبعد رئيسها دونالد ترامب أو وزير دفاعها، جميس ماتيس، استخدام القوة العسكرية ضد النظام السوري، ليشمل فرنسا بالحد الأدنى، فضلاً عن بريطانيا التي دعت إلى “التحقق بشكل عاجل ممّا حصل يوم السبت”. ومهمة التحقق لن تكون غائبة عنها أجهزة الاستخبارات في الدول الغربية، في وقت أكد المدير العام لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية، أحمد أوزومغو، أمس الاثنين، أن المنظمة تحقق في التقارير الواردة عن وقوع هجوم كيماوي في مدينة دوما قرب دمشق. وقال إن المنظمة “أجرت تحليلات أولية للتقارير عن استخدام أسلحة كيماوية مفترضة فور ورودها”. وتابع في بيان، أن فريقاً لتقصي الحقائق يقوم حالياً بجمع المزيد من المعلومات “للتثبت مما إذا كانت أسلحة كيماوية استخدمت”، معرباً عن “قلقه الكبير” حيال الوضع. ولفت إلى أن الخبراء يبحثون عن معلومات “من كل المصادر المتوافرة” وسيرفعون العناصر التي سيجمعونها إلى الدول الـ192 الموقعة على اتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية. وتلزم هذه المعاهدة الموقعة عام 1993 جميع الدول الموقعة بنزع الأسلحة في العالم.

وفيما توالت لليوم الثاني على التوالي، المواقف المنددة بالهجوم الكيماوي الذي تعرضت له مدينة دوما، بدت روسيا مستعجلة لدحض المجزرة وتورط النظام السوري فيها وإن حملت المواقف الروسية تضارباً. وتولى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، نفي التهمة عن النظام، بقوله إن الخبراء الروس الذين حققوا في دوما لم يعثروا على “أي أثر” لمواد كيماوية”. وقال لافروف في مؤتمر صحافي “خبراؤنا العسكريون توجهوا إلى المكان (…)، ولم يعثروا على أي أثر للكلور أو لأي مادة كيماوية مستخدمة ضد المدنيين”.

في المقابل، كان المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، يحذر من خطورة إطلاق “مزاعم” قبل التحقيق في الهجوم الكيماوي المفترض على مدينة دوما. وأضاف “لم يُجر أي تحقيق حتى الساعة. من دون التحقق، من دون تحقيق، إعلان خلاصات ليس أمراً صائباً”. وأضاف “من دون معلومات، هذا الأمر خطير”، وذلك فيما كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يعرب، أمس الاثنين، لنظيره الروسي فلاديمير بوتين “عن قلقه حيال الهجمات في دوما والغوطة الشرقية”، وأكد له “أهمية منع قتل المدنيين والعمل سوياً لإدخال المساعدات الإنسانية للسكان المحاصرين في دوما”.

وعلمت “العربي الجديد” أن عدداً محدوداً من أفراد الشرطة الروسية دخلوا دوما، أمس، وعاينوا موقع المجزرة لوقت قصير، من دون أن يكونوا مجهزين بأي معدات لأخذ عينات للتحقيق. وبحسب الناشط الإعلامي، ياسر الدوماني، الذي يتحضّر لمغادرة مدينة دوما، فإن نحو خمسة أشخاص من الشرطة الروسية عاينوا الموقع المستهدف ثمّ غادروا المكان بعد نحو نصف ساعة. وأوضح أن العناصر لم يكونوا مجهزين بمعدات أو أجهزة لأخذ العينات.

وتزامن الاستعجال الروسي لنفي المجزرة، مع مؤشرات أميركية حول احتمال توجيه ضربة عسكرية للنظام السوري، إذ أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمس أنه “سيتم اتخاذ قرارات مهمة” بشأن سورية “خلال 24 الى 48 ساعة”، معلناً أنه يدرس الوضع هناك ويتحدث مع القادة العسكريين، من دون أن يستبعد “شيئاً”، رداً على سؤال بشأن الخيار العسكري. وأضاف “سوف نعرف إن كانت المسؤولية تقع على عاتق روسيا أو سورية أو إيران أو جميعها”. كذلك أكد وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس، أنه “لا يستبعد شيئاً” رداً على الهجوم الكيماوي.

وستكون الضربة العسكرية في ما لو تمت، الثانية في غضون عام، إذ إن مجزرة دوما تزامنت مع مرور عام على القصف الأميركي الذي استهدف قاعدة الشعيرات السورية رداً على الهجوم الكيماوي في خان شيخون في إدلب.

وجاءت تصريحات ترامب ووزير الدفاع الأميركي قبل ساعات من المشاورات التي أجراها الرئيس الأميركي مع كبار القادة العسكريين بشأن الهجوم، وبالتزامن مع تسلّم جون بولتون، أمس الاثنين، لمهامه كمستشار للأمن القومي للرئيس ترامب والمتوقع أن يوظف تأثيره على هذا الأخير لدفعه نحو خيار الرد العسكري فيما يعارض آخرون في الإدارة الأميركية هذا الخيار.

وفي السياق، رأى الدبلوماسي الأميركي السابق، ريتشارد هاس، في حديث لموقع “اكسيوس”، أن أمام البيت الأبيض ثلاثة احتمالات: أولها القيام برد محدود مثل الضربة الصاروخية على مطار لتكون بمثابة رسالة تحذيرية لكنها لن تغير شيئاً من المعادلات القائمة على الأرض في سورية. أما ثاني الخيارات فهو القيام بضربة أكبر تدمر جزءاً من القدرة الجوية لنظام الأسد ما يبعث رسالة قوية تلحق أضراراً كبيرة بالنظام. لكن مخاطر هذا الخيار، حسب الدبلوماسي الأميركي، تتمثل بطبيعة الرد الروسي واحتمالات دخول الولايات المتحدة بمواجهة عسكرية غير محسوبة مع القوات الروسية في سورية. في موازاة ذلك، فإن الخيار الثالث المتاح، من وجهة نظر هاس، هو التخلي عن قرار الانسحاب من سورية والالتزام بحضور أميركي يركز على محاربة داعش ويحتفظ بموقع للولايات المتحدة في سورية.

وبينما يميل البيت الأبيض نحو رد عقابي محدد على شاكلة ضرب الشعيرات (7 إبريل/ نيسان 2017) وربما على نطاق أوسع نسبياً، تتصدى لهذا التوجه وزارة الدفاع (البنتاغون) والكونغرس في معظمه ونخب السياسة الخارجية. فقد التقطت هذه الجهات مجزرة الكيماوي لتوظيفها كمدخل يقود إلى تحقيق أمرين: حمل البيت الأبيض على التراجع عن عزمه على الانسحاب من سورية في المدى المنظور. وثانياً تصعيد التصدي لروسيا ومعها إيران في الساحة السورية. وترمي هذه الجهات بثقلها لإقناع ترامب بترحيل قرار الانسحاب لأشهر عدة، علّ المستجدات تفرض في النهاية مراجعته.

وكان ترامب ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون توعدا دمشق بـ”رد قوي مشترك”. وأصدرا تعليماتهما لتكثيف التحقيقات حول استخدام النظام السوري للأسلحة الكيماوية، بعدما “تبادلا المعلومات والتحليلات التي تؤكد وقوع الهجوم”، بحسب بيان صادر عن الإليزيه.

بدورها، بدت بريطانيا، أمس، أكثر ميلاً لتحرك ضد الأسد. وهو ما أشارت إليه رئيسة الوزراء تيريزا ماي خلال زيارتها إلى العاصمة الدنماركية كوبنهاغن عندما أكدت أن “بربرية الأسد لا يجب أن تمرّ”. وأكدت ماي أن “محاسبة مرتكبي هذه (الجريمة) الدموية يجب أن ترسل رسالة بأنه لا يمكن السماح باستخدام مثل هذه الهجمات البربرية”. وأضافت “القضية ليست فقط أن الأسد يرتكب مثل هذه الأفعال بل يجب أيضاً أن نرسل رسالة لداعميه، والروس بينهم، بأنه يجب محاسبة كل من يرتكب مثل هذه الهجمات”.

الموقف نفسه خلص إليه وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون، الذي شدد خلال مكالمة هاتفية مع نظيره الفرنسي جان إيف لودريان، على “الضرورة الملحة للتحقيق في ما حصل في دوما والتثبت من تأمين رد دولي قوي وشديد”، داعياً إلى “طرح مجموعة كاملة من الخيارات على الطاولة”. وفيما أعلنت المتحدثة باسم مفوضة الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي، ماجا كوسيجانسيك، أنّ “الاتحاد الأوروبي علِم من مصادر عدة أن النظام السوري هو المسؤول” عن الهجوم الكيماوي الأخير، شدد المتحدث باسم الحكومة الألمانية، شتيفن زايبرت، على أنه يجب تحميل المتورطين في الهجوم الكيماوي المسؤولية. كما حث روسيا على أن “تتخلى عن عقلية الاعتراض في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة” وتسهيل إجراء تحقيق في استخدام أسلحة كيماوية في سورية. وذكّر بأنه من دون دعم روسيا وكذلك إيران لن يكون بوسع النظام السوري المضي في نهجه المتمثل في الحل العسكري العنيف للصراع”.

عربياً، قال وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، أمس الاثنين، إن ” الهجوم الكيماوي على الغوطة جريمة بشعة مدانة، نؤكد ضرورة إجراء تحقيق مستقل يضمن تطبيق القانون على مرتكبيها”. ودعا الصفدي في تعليق عبر صفحته الشخصية على توتير، إلى وقف القتال في سورية وتكثيف جهود التوصل إلى حل سياسي على أساس القرار 2254 مع تطبيق فوري للقرارات التي تفرض حماية المدنيين وإيصال المساعدات الطبية والإنسانية إليهم. في موازاة ذلك، نقلت وكالة الأنباء الكويتية “كونا” عن مصدر مسؤول في وزارة الخارجية قوله إن سقوط هذا العدد من الضحايا في دوما “أمر يبعث على الألم والأسى ويستدعي تحركاً سريعاً للمجتمع الدولي”.