أخبار عاجلة
الرئيسية » ثقافة وفن » نجوى بركات : عن شجرة الأكي دنيا وذاك الهُيام

نجوى بركات : عن شجرة الأكي دنيا وذاك الهُيام

جاء في المعاجم أن الهُيام، أي العشق المجنون، هو أعلى درجات الحبّ الأربع عشرة، وأن الكلمة جاءت من داءٍ يصيب الإبل، فتهيم لا تأكل ولا تشرب، وتصبح بذلك صنو العاشق الولهان المتعطش دوماً للقاء محبوبته.

تلك الدرجة القصوى من الهُيام هي ما يصيبني كل عام، عندما يضع الربيعُ قدميه داخل قلوبنا، ويتلوّن الهواء ببرودةٍ ودفء، ويباشر النبات عملَه الشاقّ، بين تبرعمٍ وتسلّقٍ واعوجاجٍ واستدارةٍ واخضرار وتفتّح. وبالذات عندما تستدير فاكهة البشملة الخضراء بما يكفي، ليبدأ تلوينُها صفراء إلى برتقالية، بحسب حدّة الشمس التي لفحتها قبيل نضجها. وثمارها البيضاوية التي يقارب بعضها الكمال، تدعى أيضا المشمش الهندي، كما تطلق عليها أسماء أخرى، بحسب اللهجات المختلفة، مثل مزاح في المغرب، وبوصاع في تونس، وأكي دنيا في لبنان، وهو ذو أصل تركي، ويعني الدنيا الجديدة.

ويا لها من دنيا جديدة تحملني إليها في كل ربيع، أشجارُ الأكي دنيا التي ما زالت بقاياها، المنتشرة هنا وهناك، شاهدةً على ما كانت بيروت عليه ذات يوم، حين كانت فصول لبنان لم تزل على انقسام وتجاور وحياء. وإذ تفاجئك بعض حدائق البيوت الناجية، المحشورة بين العمارات، بشجرةٍ أو اثنتين يثقل أغصانَها غبارُ الطرقات، ويخطف لونَ أوراقها الخضراء، فيتساقط ثمرها قبل الأوان، أو يهترئ على أمّه، ذلك أن أصحاب المكان على نأي وهجران، من جيل إلى جيل، أو لأن الظهر قد تقوّس وانحنى، البصر أغشى، واليد قصرت وما عادت تطال.

أراها هكذا، واقفةً في الظلّ، مهجورة وراء الحجارة التي رماها الإسفلت إلى الخلف، لكي تتّسع الطريق ويتكاثر العابرون. وحيدة أراها، شاهدة عليّ، حين كنت طفلةً أهوى السير على الحوافّ، حافة النهر، وحافة الرصيف وحافة الذاكرة. كأنّ البيوت لم تكن لتستقيم من دونها، سواء كانت فقيرة بباحةٍ خلفيةٍ تصلح لكل ما يضيق على الدار من نوم وأكل وقضاء حاجات المنزل طبخا وغسيلا ونشرا على الحبال، أو كانت ثريةً تجاور زروعَها والشجيرات والنبات المعترش الذي كان يؤثّث العين بقدر ما يفرش الجدران.

يبدأ لقاؤنا، هي وأنا، منذ نهايات شهر مارس/ آذار، وبدايات إبريل/ نيسان، فوق تلك العربات الخشبية التي يسوقها أصحابها في الأحياء، منادين على بضاعتهم الطازجة، أو على بسطات الخضار التي تتّخذ جوانب الطرق السريعة مقرّا لها، فلا تعرض إلا بواكير الفاكهة وما ندر منها وغلا ثمنه. في علبة بلاستيكية شفافة، تصطف ثمار الأكي دنيا في طبقتين، كبيرها الناضج على السطح، وفي قعرها الأخضر الصغير الفجّ. لا بأس. مملكتي مقابل حبّة شهية واحدة، لكنّ الحبّة ليست هنا، والموعد مؤجّل إلى حين، والذكرى سيفٌ قاطعٌ حفر على اللسان نكهة فريدة لم يستعدها الفمُ أبدا مع مرور الزمن.

دخل أبي بثلاثة صناديق خشبية، ملآنة طابات برتقالية وصفراء. قال هذا موسم “صيدا”، وهو الأفضل والأشهى على الإطلاق. أمسك طابةً صغيرةً وراح يقشرها، فبان اللحم نديا، لامعا، قسمه اثنين ليخرج منه النواة، وراح يوزّع الثمار علينا، وابتسامته تفيض فرحا بمرآنا نقضم ونتلذّذ بطعم السكر والحموضة التي ليس لها مثيل. نأكل، ونطلب المزيد، فيضحك أبي ملء روحه، مسترسلا في التقشير والتوزيع. أذكر أننا أنهينا ما في الصناديق، ولا أذكر أن أبي ذاق منها الكثير. بل إني لا أذكر حتى أنه كان يذوق مما كان يأتينا به من رحلاته البعيدة إلى محافظات لبنان، لا كرز البقاع ولا بطيخ عدلون ولا فول زحلة ولا برازق الشام. كان يحبّ أن يرانا نأكل كل تلك الخيرات، كأنه بذلك يطعمنا أجزاء من بلادنا، فتسري تلك في دمنا، بحيث لا يعود لنا منها خلاص.

تلك الأكي دنيا التي ما زلت ألاحقها من موسم إلى موسم، ومن دار إلى دار، كمصاب بالهيام، ربما قضت، مثلما قضت البلاد، ولم يتبقّ لي منها سوى وعدٍ واهمٍ بالوصال، لا يني يتجدّد من عام إلى عام.

نجوى بركات