أخبار عاجلة
الرئيسية » اخترنا لكم » أسلحة الحروب الروسية القذرة: قراصنة وهوليغانز ومرتزقة ومتمولون وتصفيات

أسلحة الحروب الروسية القذرة: قراصنة وهوليغانز ومرتزقة ومتمولون وتصفيات

لم تعد تكتيكات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في “إعادة أمجاد روسيا” تقليدية. الرجل أعلنها صراحة أنه يريد فرض سطوته على العالم، بعناوين قومية روسية وبإرث تاريخي سوفييتي توسعي حيناً، وقيصرية استعمارية أحياناً. يرغب بوتين في تشكيل جدران فصل مع عوالم عدة، يسعى من خلالها لإعادة “الهيبة الروسية”، لكن الطريق يبدو معبّداً بسلسلة طويلة من المخالفات والاعتداءات والاستفزاز وفعل أي شيء لترجمة القوة والسطوة، ذلك أن الكثير من أدوات القوة الكلاسيكية تنقص روسيا، مثل الاقتصاد، فكان لا بد من ابتداع وسائل حرب قذرة بديلة عنوانها العدوانية والاستفزاز والتخريب حيث تعجز الدبلوماسية والتأثير الاقتصادي. في 5 ميادين تتمظهر الحروب الروسية، في القرصنة، والاغتيالات على طريقة الكي جي بي، وزرع رجال أعمال وشركات الطاقة في مختلف دول العالم، والتدخل العسكري المباشر بجيشه النظامي أو بمرتزقة صارت لهم شركات، والهوليغانز في ملاعب كرة القدم.

في القرصنة الإلكترونية، أثبتت السنوات الأخيرة أن الاستخبارات الروسية لم تتوقف عن العمل، لا بل سعت إلى تطوير منظومتها الإلكترونية، خصوصاً بما يتعلق بـ”القرصنة الإلكترونية”. الملعب الذي لطالما أبدع فيه الروس أيام الحرب الباردة (1947 ـ 1991)، حين كان يتمّ فكّ شيفرات الرسائل الاستخباراتية لدى الغرب. روسيا الحالية تمكنت من اختراق منظومات إلكترونية والتأثير في انتخابات دول عدة، ومنها الولايات المتحدة، التي يعمل قضاؤها على جمع ملفات حول تورّط روسي محتمل في الانتخابات الرئاسية الأميركية، التي جرت في 8 نوفمبر/ تشرين الثاني 2016. والقرصنة الروسية نفسها باتت هاجساً في الانتخابات الألمانية (سبتمبر/ أيلول 2017)، وفي تحرّكات الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا، خصوصاً أن مناصرين لليمين الأوروبي صاروا يرتدون ثياباً عليها صورة بوتين بشكل مثير للريبة بالنسبة للنظام الأوروبي، في ألمانيا وفرنسا والنمسا وسويسرا وغيرها، في صورة تُظهر مدى تغلغله في غربي أوروبا.

وإذا كان الروس قادرين على اختراق المنظومات الإلكترونية، بصورة باهرة، خصوصاً أن الأميركيين لم يكتشفوا أدلّة حاسمة بعد على التورّط الروسي بانتخاباتهم، إلا أن الروس تمكنوا من التقدّم خطوة في عالم الاغتيالات “مجهولة الفاعل”. وما محاولة تسميم العميل الروسي المزدوج سيرغي سكريبال وابنته يوليا، في 4 مارس/ آذار الماضي، في سالزبري البريطانية، سوى محاولة من محاولات روسية. وعلى الرغم من عدم حسم القضاء البريطاني بالاتهام لموسكو في شأن سكريبال، إلا أن التاريخ الدموي للكي جي بي (تم استبداله بجهاز الأمن الفيدرالي) بالنسخة الروسية المتجددة، في عهد بوتين، يظهر في قضايا اغتيال ستيفن موس (2003)، وسيرغي أوشاكوف (2003)، وبول خليبنيكوف (2004)، وسليم خان ييندرباييف (2004)، وآنا بوليتكوفسكايا (2006)، وستيفن كيرتس (2006)، وإيغور بونوماريف (2006)، وألكسندر ليتفينينكو (2006)، ويوري غولوبيف (2007)، ودانيال ماكغروري (2007)، وبدري باتاركاتشيشفلي (2008)، وناتاليا إستميروفا (2009)، وسيرغي ماغنيتسكي (2009)، وبول كاسل (2010)، وغاريث ويليامز (2010)، وروبي كورتيس (2012)، وبوريس بريزوفسكي (2013)، وجوني إيليشاوف (2014)، وسكوت يونغ (2014)، وألكسندر بريبلتشني (2015)، وبوريس نيمتسوف (2015). ولا تعني الأسماء المذكورة من روس وأجانب، سوى تمدّد الكي جي بي الروسي، من روسيا إلى العالم. وبحسب ما تقاطعت عليه مصادر متابعة، فإن اغتيال كل فردٍ من هؤلاء كان آمره واحد… فلاديمير بوتين.

مع العلم أن جزءاً من هؤلاء كانوا ضمن منظومة روسية، هدفت إلى توزيع رجال الأعمال وشركات الطاقة في مختلف دول العالم، خصوصاً الغربية منها، في سياسة تجسسية تهدف للسيطرة على قطاع الطاقة والأعمال. ففي انكلترا تحديداً، والتي يعتبرها الروس الأكثر قوة ضمن تركيبة الغرب الأوروبية، وصل عشرات رجال الأعمال تحت اسم “رؤساء الأندية الكروية” إليها مع بدء عهد بوتين في عام 2000. والأكثر شهرة من بينهم هو رومان أبراموفيتش، الملقّب بـ”مستر أي”، مالك نادي تشلسي الانكليزي لكرة القدم، وهو القطب الذي يملك كلمة مؤثرة في الداخل الروسي، إلى حدّ أنه جلس مع كل مرشح لتولي وزارة في حكومة بوتين عام 1999 بمفرده، لتزكيته لدى بوتين. كما تقاطعت المعلومات حول أن أبراموفيتش كان الأساس في وصول بوتين إلى السلطة، بفعل قربه من الرئيس الروسي الراحل بوريس يلتسين. كما كان أبراموفيتش بمعية فيكتور زوبكوف وأليكسي ميلر، جزء من فريق سعى لتوسيع الطلب الأوروبي للغاز الروسي، ضمن شركة “غازبروم”، لتطويق الساحة الأوروبية بالغاز الآتي من الشرق، من دون بدائل. وقد نجح في مهمته إلى حد ما، خصوصاً من جهة أوكرانيا. لكن عملية توسيع أسواق الغاز الروسية لأوروبا، رافقتها نزاعات دموية في جورجيا (2008)، وأوكرانيا (2014).

النزاعات الدموية بسبب الغاز في أوروبا، تحوّلت إلى “قاعدة” روسية عبر التدخل العسكري المباشر في ساحات النزاع. ففي جورجيا عام 2008، بدا الروس وكأنهم في معركة “خارجية” هي الأولى من نوعها منذ أفغانستان (1979 ـ 1989). نجحوا في أيام خمسة في إحكام القبضة على جورجيا التي انتظرت الدعم الغربي والأطلسي عبثاً. وبغياب أي ردّ فعل غربي، عاد الروس وحرّكوا الوضع العسكري في أوكرانيا، ويقيناً القول إنه لولا الدعم الروسي لانفصاليي الشرق الأوكراني في حوض دونباس (منطقتي لوغانسك ودونيتسك) من جهة، وضمّهم شبه جزيرة القرم إليهم من جهة أخرى، لكان الخيار الانفصالي سقط مع هروب الرئيس الأوكراني، الموالي لروسيا، فيكتور يانوكوفيتش إلى موسكو عام 2014. وعدا جورجيا وأوكرانيا، عمل بوتين على تأمين حماية النظام السوري، بتدخل عسكري واسع النطاق في 30 سبتمبر/ أيلول 2015. تدخّل حمى نظام بشار الأسد من السقوط، بعد وصول قوات المعارضة إلى تخوم محافظة اللاذقية وتضييق الضغط عليه في قصر المهاجرين في دمشق. إلا أن لبوتين رأياً آخر، فبتدخلّ عسكري دموي كرّس عاملين: الأول هو عدم أخذه بعين الاعتبار الضحايا المدنيين السوريين، تماماً كما فعل في قضية احتجاز رهائن في مسرح موسكو (2002)، واحتجاز رهائن في مدرسة بسلان (2004)، وفي الحالتين لم يأبه جيش بوتين لحياة المدنيين في عملية تستوجب تحريرهم لا قتلهم. والعامل الثاني في تدخّل بوتين في سورية، تمحور في أنه بات “زعيم الشرق الأوسط الجديد”، وقد أفصح عن ذلك، بإطلاقه 26 صاروخاً من بحر قزوين على مواقع لتنظيم “داعش”، بحسب قوله في سورية، بعد أيام من بدء تدخله في سورية، راسماً خريطة جيوبوليتيكية، تضعه في المرتبة الأولى أمام الإيرانيين والأتراك.

وحين يكون هناك إحراج في استخدام الجيش الروسي في حروب بوتين، وجب اللجوء إلى شركات المرتزقة الروسية المؤلفة من جنود وضباط متقاعدين وتنال رعاية رسمية من أجهزة الدولة الروسية، وتحظى بامتيازات قانونية شبيهة جداً بما يحظى به الجيش الروسي. شركات مرتزقة تضم الآلاف من المحاربين الأشداء من مختلف الدول السوفييتية السابقة، خصوصاً من الجنوب الروسي، أي من القوقاز، بتدريب رفيع المستوى وعدوانية موصوفة، وفي الآن نفسه يمكن التبرؤ من جرائمهم في سورية وفي أوكرانيا مثلاً بحجة أنهم “شركات خاصة لا علاقة لموسكو بهم”. أبرز شركات “القتل الخاص” الروسية هي شركة “فاغنر”، التي قتل لها نحو 300 مقاتل في فبراير/ شباط الماضي بغارة أميركية على منطقة حقول النفط في ريف دير الزور. وتقول وكالة “رويترز” إن قائد مرتزقة “فاغنر” في سورية هو العميد السابق ديمتري أوتكين، وهو من المقاتلين السابقين في منطقة دونباس، شرقي أوكرانيا، وكان يعرف بالاسم الحركي “فاغنر”، وقد أسس شركته الخاصة بعدما كان موظفاً في شركة مرتزقة أخرى تدعى “سلاف كوربس”. وتذكر هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” أن وزارة الخزانة الأميركية أدرجت في يونيو/ حزيران 2017 مجموعة فاغنر على قائمة الأفراد والكيانات الروسية الخاضعة للعقوبات بسبب مشاركتها في الصراع الأوكراني. وأضافت واشنطن قائد هذه المجموعة “أوتكين” إلى لائحة الخاضعين للعقوبات. وبحسب صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية، فإن يفغيني بريغوجين، وهو أحد المقربين جداً من بوتين، يملك شركة مرتزقة أخرى أو “شركة أمنية” هي شركة “إيفرو بوليس”، وهي تنشط جداً في مجال القتل في سورية في مقابل نيل نسبة 25 في المائة من النفط والغاز السوريين اللذين تسيطر على إنتاجهما مثلاً. فضلاً عن “الفيلق السلافي”، وهو مجموعة قتل روسية خاصة أخرى تنشط في سورية، وقد أضاء الإعلام الأميركي على جوانب من عملها أخيراً.

لم يكتفِ بوتين بذلك فحسب، بل عمد إلى تشكيل عصابات كروية تحت اسم “الألتراس الروسي”، أي الهوليغانز الشرسين، الذين يحضرون لمباريات كرة القدم من أجل افتعال المشاكل لا من أجل مشاهدة المباراة. وتفيد تقارير ناتجة عن تحقيقات مع هؤلاء “المشجعين القتلة” بأن بوتين هو الذي يعطي الأوامر المباشرة لتشكيل مثل هؤلاء لـ”إعادة الهيبة الروسية في الملاعب الأوروبية”. ومن أفضل من الهوليغانز البريطاني للتصادم معه؟ في لغة الشارع، إن “أردت تكريس قوتك فعليك إزاحة زعيم الشارع ليهابك الجميع”. ففي مرسيليا الفرنسية، صيف 2016، وفي مباراة بين منتخبي روسيا وانكلترا، ضمن كأس الأمم الأوروبية لكرة القدم، هاجمت الجماهير الروسية نظيرتها الانكليزية بعدوانية دموية. وبلغة شارعية أيضاً، تفوق الروس على الإنكليز، رغم محاولات الشرطة الفرنسية إنقاذ الموقف، خصوصاً أن العقوبات كادت أن تؤدي إلى طرد المنتخب الروسي من البطولة وعدم السماح له بمواصلة مشواره الكروي. وفي الشهر الماضي، قتل الهوليغانز الروس شرطياً إسبانياً خلال مباراة بين فريقي سبارتاك موسكو الروسي وأتلتيكو بلباو الإسباني في إقليم الباسك الإسباني. هل يهتم بوتين؟ لا، بل ينتظرهم مع “قتلة الملاعب” في كأس العالم الذي تستضيفه روسيا بين 14 يونيو/ حزيران و15 يوليو/ تموز المقبلين.

بيار عقيقي