أخبار عاجلة
الرئيسية » ثقافة وفن » خراب مدينة ماري… درّة الفرات

خراب مدينة ماري… درّة الفرات

تتواصل الحرب الدائرة في سوريا، ويتواصل معها مسلسل خراب المواقع الأثرية. آخر فصول هذا المسلسل خراب موقع مدينة ماري في ريف دير الزور الشرقي بعد تعرضه لعمليات سرقة وتخريب وتدمير منهجي على مدى سنوات.

رثت الصحافة الفرنسية موقع ماري الفريد، وتحدّثت عن خراب مدينة عمرها خمسة آلاف سنة تضمّ قصرا ملكيا يُعتبر أقدم القصور المكتشفة إلى يومنا هذا. يعكس هذا الرثاء اهتمام الفرنسيين الخاص بالمدينة التي تُعرف بـ”حاضرة الفرات”، فالفضل في اكتشاف هذه المدينة والتعريف بآثارها يعود بالدرجة الأولى إلى كوكبة من العلماء الفرنسيين الذي دأبوا على دراستها طوال ثمانية عقود من الزمن.

بدأ هذا البحث المتواصل في الثلاثينات من القرن الماضي، حين تم اكتشاف ماري في الموقع المعروف باسم تل الحريري، غربي مدينة مدينة البوكمال الصغيرة، على الضفة اليمنى من الفرات، عند التقاء النهر بالخابور، على مسافة قريبة من الحدود التي تفصل بين الجمهورية السورية والجمهورية العراقية. كان الملازم الفرنسي إتيان كابان المقيم في مدينة البوكمال أول من سلّط الضوء على هذا الموقع المندثر تحت الرمال، وذلك حين التقى في آب 1933 بمجموعة من البدو يبحثون في تل الحريري عن حجر منحوت يزينون به قبر واحد من أقربائهم. بعد بضعة أيام، توجّه أحد الفلاحين إلى مكتب الملازم ليخبره بأنه عثر على تمثال في التل، فقصد معه الموقع، ووجد تمثالا لرجل عاري الصدر، ونقله إلى المدينة، وأبلغ إدارة مصلحة الآثار في بيروت بنبأ هذا الاكتشاف. دخل هذا التمثال إلى متحف حلب واسترعى انتباه رينيه دوسو، المسؤول عن القسم الشرقي من متحف اللوفر، فاتصل بالباحث أندريه بارو وكلفه بمباشرة أعمال التنقيب في تل الحريري.

شرع بارو في إدارة هذه الأعمال في نهاية عام 1933، ونشر في سنة 1936 كتاباً بعنوان “ماري، مدينة ضائعة” روى فيه بشغف قل نظيره حكاية اكتشافه لهذه المدينة التي تحولت رمادا بعد أن تألقت حضارياً على مدى اثني عشر قرناً من الزمن. استمرّ العالم الفرنسي في البحث، لكنه اضطر إلى إيقاف التنقيب لمدة ثمانية عشر عاماً إثر اندلاع الحرب العالمية الثانية، ونشر كتابا ثانيا بعنوان “ماري” سنة 1952، ثم استأنف مهمته، وعاود عمله في الموقع، ونشر نتائج التنقيبات في كتابين من أجزاء صدرت بين 1956 و1959. واصل العالم الفرنسي هذه المهمة دون هوادة، ونشر نتيجة الأبحاث الأخيرة بين 1971 و 1972، ثم روى حكاية اكتشافاته في سيرة بديعة بعنوان “ماري، عاصمة رائعة” سنة 1974، وختم مهمته بعد أربع سنوات وهو في السابعة والسبعين من عمره، قبل وفاته في صيف 1980.

فاقت نتائج هذه الرحلة الطويلة كل التوقعات، وخرجت من خلالها مدينة ماري المطمورة في رمال الصحراء إلى الضوء، ما دفع الباحثين إلى إعادة رسم تاريخ تطور الشرق القديم. لم تنتهي رحلة استكشاف ماري عند هذه الحدود، ففي عام 1979، أوكلت البعثة الفرنسية مهمة إدارة التنقيب إلى جان كلود مارغورون، العالم والمستشرق الذي عمل من قبل في لبنان وسوريا والعراق. واصل هذا الباحث العمل في الموقع على مدى خمسة وعشرين سنة، ونشر سنة 2004 مجلدا ضخماً بعنوان “ماري حاضرة الفرات” شكّل خلاصة للأبحاث الفرنسية المتواصلة منذ أكثر من ثمانية عقود لإخراج المدينة الفراتية من ظلمة الماضي السحيق، وإحياء مراحل تاريخها المستمر على مدى اثني عشر قرناً.

من خلال هذه الأبحاث المتشعّبة، برزت ماري كأقدم مثال معروف لمدينة شُيّدت في الصحراء لتشكل قناة تجارية بين سهول بابل وجبال طوروس في الجنوب الأناضولي، وسلّط أهل الاختصاص الضوء على مكانتها الكبيرة في دراسة تكوين الشرق الأوسط في الألف الثالث قبل الميلاد. جاء حصاد أعمال التنقيب في هذا الموقع الأثري وفيراً، وتمثّل بعدد من المعابد والقصور والمنازل حوت مجموعة من التماثيل الحجرية والرسوم الجدارية والحلي النفيسة، إضافة إلى مكتبة غنية تحتوي على آلاف الألواح المكتوبة باللغة المسمارية. اندثرت ماري، ولم يبق منها سوى نواة، إلا أن الأبحاث العلمية الدقيقة أعادت رسم حدودها ومعالمها الأصلية.

تقع المدينة على تل بيضاوي تبلغ أعلى نقطة فيه حوالي عشرة أمتار، طوله كيلومتر واحد، وعرضه 800 متراً. يحيط بها جزئياً سور يظهر بالقرب من الطريق الذي يقود اليوم إلى منطقة البوكمال التي تشكّل آخر نقطة لنهر الفرات في سوريا، قبل دخوله الأراضي العراقية. أنشئت ماري في منتصف الألف الرابعة، وعرفت قمة ازدهارها في الألفين الثالث والثاني حيث امتدت سلطتها على 480 كيلومتراً من حدود بابل. كان سكانها من الجزيرة، وقد جاؤوا في زمن الهجرات السامية الأولى، واستوطنوا حوض الفرات الأوسط حيث عُرفوا بالعموريين.

سيطر أهل ماري على الحركة التجارية في المنطقة بفضل القنوات التي أنشأوها للري ولمرور المراكب، وجعلوا من مدينتهم عاصمة لهم، وهي المدينة “العاشرة التي عمرت بعد الطوفان” بحسب الوثائق التاريخية. تطوّرت ماري على ثلاث مراحل، أولها مرحلة “المدينة الأولى”، وهي حقبة التأسيس التي تلتها مرحلة البناء والإعمار التي تشكّل عصر”المدينة الثانية”. في بداية الألف الثاني قبل الميلاد، عاشت المدينة المرحلة الثالثة والأخيرة من عمرها عندما دخلت في صراع مع ملك بابل الشهير حمورابي الذي حاصرها واقتحمها وأحرقها عام 1760.

أشهر أبنية ماري القصر الملكي الكبير الخاص بملكها المدعو زمري ليم. يعود تاريخ هذا القصر إلى الألف الثاني، وتبلغ مساحته خمسة وعشرين ألف متر مربعاً، ما يجعل منه مدينة ضمن مدينة، تضم أكثر من ثلاثمائة غرفة. في هذا القصر المحاط بسور يبلغ ارتفاعه ستة أمتار، وجد اندريه بارو نفسه وسط مستودع يضم مجموعة هائلة من ألواح الطين المشوي التي تٌعرف بـالرقيم. تُعتبر هذه المجموعة أقدم أرشيف سياسي في التاريخ، وقد سمحت حملات فك نصوصها المسمارية بالتعريف بنصوص بالغة الأهمية، منها ما هو سياسي واقتصادي، ومنها ما هو أدبي وديني. تشكّل هذه الألواح المسمارية سجلا حيا يحفظ أسماء الملوك والوزراء والكهنة والأطباء والفلاحين، وذلك بلغة “بلغت من الرقي الادبي وفن الخطابة ما نعجز عنه اليوم”، بحسب تعبير أندريه بارو. إلى جانب هذا القصر الذي وُصف بدرة العمارة الشرقية القديمة، كشفت أعمال التنقيب عن مدرستين في المدينة انتشار القراءة والكتابة في هذه الحقبة السحيقة من تاريخ نشوء المدن، كما كشفت عن معابد تُماثل معابد بلاد الرافدين التي تٌعرف بالزقورات، منها معبد داغان، ومعبد عشتار، ومعبد نينو رساغ.

من أبنية ماري، خرجت مجموعة كبيرة من التماثيل دخل قسم منها المتاحف العالمية، فيما توزّع القسم الأخر منها على عدد من متاحف سوريا. وتشكل هذه التماثيل أهم مجموعة معروفة لدراسة فن النحت في الشرق القديم في هذه الفترة الزمنية. لم ينحصر التعبير الفني في ماري على النحت والنقش، بل تعداه إلى ميادين أخرى ترتبط بالتصوير المسطّح، كما تشهد جدارية “تنصيب الملك” الاستثنائية المحفوظة في متحف اللوفر، وجادرية “تقدمة الذبيحة” المحفوظة في متحف دمشق. إلى جانب هذه الجداريات، نقع على ألواح فسيفسائية يجمع بين معادن الصدف والعاج، منها لوح انتقل من معبد داغان إلى متحف دمشق، يُمثل مشهدا جماعيا يمتد على ثلاثة أقسام متوازية، ويصوّر طقوسا دينية خاصة اتّبعت في المدينة.

أفرغت ماري من كنوزها وحللها، وبقيت مبانيها في موقعها الأصلي. عام 2005، تولّى العالم الفرنسي باسكال بوترلان مهمّة مواصلة البحث في هذا الموقع، واضطر إلى التوقف عن العمل بعد خمس سنوات، بسبب الأوضاع الراهنة، وذلك بعد أن عمد إلى تثبيت آثار المدينة لحمايتها من العوامل الطبيعية. تبيّن اليوم أن قصر زمري ليم العائد للألف الثاني قبل الميلاد دُمّر بشكل كبير بعد تهاوي السقف الذي بني لحمايته، كما تبيّن ان اللصوص الباحثين عن الآثار أحدثوا حفرا في كل ارجاء الموقع، مما ألحق خرابا واسعا في عدد كبير من مبانيه.

هكذا يتواصل مسلسل تدمير بنى الحضارة الإنسانية السورية، وتقف المنظمات الدولية المعنية بالتراث الثقافي عاجزة أمام هذا الخراب، مكتفية بإصدار البيانات التي تدين هذه الأعمال التدميرية، وتدعو إلى حماية هذا الإرث الإنساني الذي لا يُقدّر بثمن.

محمود الزيباوي

almodon