أخبار عاجلة
الرئيسية » صحافة وإعلام » مجزرة الكيميائي في دوما والبروباغندا الروسية: لا ابتكار في التحريض

مجزرة الكيميائي في دوما والبروباغندا الروسية: لا ابتكار في التحريض

لم يكُن تصريح الجيش الروسي، الأربعاء، والذي قال فيه إنّ الهجوم الكيميائي على دوما اختلقته جماعة “الخوذ البيضاء”، برغم وقاحته، بجديد على السياسة الدعائيّة الروسيّة. فقد اعتمدت آلة البروباغندا الروسية، تحديداً الموجّهة للغرب منها، على هذا النوع من الاختراعات، كي ترسُم خطّاً خيالياً تُبرّئ فيه نظام القمع والقتل السوري من جرائمه المتكرّرة. ولعلّ خطورة الهجمات الكيميائيّة تحديداً لجهة تحريمها في القانون الدولي، دفعت الوسائل الإعلاميّة التابعة لروسيا إلى تكرار هذه المزاعم.

بالطبع، فإنّ الإعلام الروسي ليس وحدَه في خندق نظريّات المؤامرة والأكاذيب، بل إنّ وسائل الإعلام السورية النظاميّة، ووسائل الإعلام الإيرانيّة، بالإضافة إلى عددٍ من وسائل الإعلام اليمينيّة المتطرّفة في الولايات المتحدة الأميركيّة اعتمدت هذه “الخطّة”، في تناسقٍ تامّ، ظهر مجدداً مع الهجوم الكيميائي على دوما، الأسبوع الماضي.

وكثّفت وسائل الإعلام السوريّة من الأخبار والتغطيات التي اعتبرت الهجوم الكيميائيّ “مسرحيّةً”، وضحاياه “ممثّلين”. لا بل إنّ قناة “سما” الفضائيّة ذهبت للقول أيضاً إنّ “من يتابع صور الأطفال التي تعرض على الشاشات التابعة للإرهابيين يتأكد من فبركة الكيميائي، فهم لا يسعلون أو يتقيئون أو يعانون من ضيق تنفس، حتى الأطفال مستغربون لماذا يرشون بالماء وهم بحالة جيدة”. كما نقلت وكالة “سانا” التابعة للنظام عن “مصدر رسمي” زعمه “أن الأذرع الإعلامية لـ جيش الإسلام تستعيد فبركات استخدام السلاح الكيميائي لاتهام الجيش العربي السوري في محاولة مكشوفة وفاشلة لعرقلة تقدم الجيش”، معتبرةً أن ما جرى في دوما “مسرحية”.

وروسيا، المتّهمة بنشر الأخبار الكاذبة بهدف التلاعب السياسيّ بالانتخابات الرئاسيّة الأميركيّة عام 2016، تستخدم ما هي ضالعةٌ فيه حول العالم، كي تتّهم معارضي النظام السوري بالفبركة، وبالتالي كي تبرّئه. وبرزت هذه المحاولات مراراً خلال الهجمات الكيميائيّة المتكرّرة التي قام بها النظام السوري، بينها الهجوم الأخير في دوما، وقبله بعام، في خان شيخون. وتعتمد البروباغندا الروسيّة على محاولات تشويه صورة الدفاع المدني السوري وتصويره كمرتكب للجرائم التي يوثّقها، ويُساهم في تأكيد حصولها لدى المنظّمات العالميّة.

على هذا النسق، نشرت “روسيا اليوم” ترويجاً لمقالات وآراء صحافيين غربيين مشهورين بمواقفهم الداعمة لرئيس النظام بشار الأسد. وقالت القناة المعروفة بكونها آلة دعائيّة للكرملين، إنّه “ليس الجميع يصدّقون التقارير عن الهجوم الكيميائي الذي قامت به الحكومة السوريّة في دوما، بينما يقول الناقدون على الشبكة إنّ الإدّعاءات تتزامن بشكلٍ ملائم مع خطّة دونالد ترامب للانسحاب من سورية، وانسحاب إرهابيين من الغوطة”. وأضافت القناة في تمهيد ترويجها لتلك الآراء، “إنّ الناشطين المناهضين للحكومة السورية، ومن بينهم مجموعة الدفاع المدني (الخوذ البيضاء)، ألقوا اللوم على الحكومة السورية في استخدامها الأسلحة الكيميائية في مدينة دوما التي يسيطر عليها الإرهابيّون في الغوطة الشرقية، قائلين إنّ عشرات المدنيين قتلوا وأصيب المئات”.

وقُتل المئات وأصيب حوالى ألف شخص، بينهم أطفال، بحالات اختناق، مساء السبت الماضي، نتيجة قصف قوات النظام لمدينة دوما المحاصرة، في الغوطة الشرقية بريف العاصمة دمشق، بالغازات السامة. و”الخوذ البيضاء” هي مجموعة من المتطوعين الذين يعملون لإنقاذ السوريين من جرائم الأسد، وتوثيقها، منذ 2013.

ونقلت “روسيا اليوم” عن “الصحافية المستقلّة”، البريطانيّة فانيسا بيلي، قولها إنّ “الهجوم الكيميائي هو كذبة مئة بالمئة”، مضيفةً أنّ “الخوذ البيضاء كُشفوا بينما كانوا يُفبركون الفيديوهات”.

بيلي هي إحدى أبرز مَن تعتمد عليهم الدعاية الروسيّة في ما تعتبره “كشفاً” عن “الفبركات”. وكانت صحيفة “ذا غارديان” البريطانيّة قد كشفت عن هذه الآلة الدعائيّة الروسيّة في تحقيقٍ لها في ديسمبر/ كانون الأول الماضي. وأفادت بأن أبطال هذه الدعاية هم ناشطون مناهضون للامبريالية، مطلقو نظريات المؤامرة، ومتصيدون إلكترونيون مدعومون من الحكومة الروسية، بينهم بيلي.

وفانيسا بيلي هي ابنة دبلوماسي بريطاني، وزارت سورية لأول مرة في تموز/ يوليو 2016. وتعدّ بيلي من أكثر الناشرين للمواد التي تحتوي نظريّات مؤامرة عن الخوذ البيضاء. وفي عام 2016، التقت بيلي رئيس النظام السوري بشار الأسد لمدة ساعتين في دمشق، كجزء من وفد مجلس السلام الأميركي، ووصفت اللقاء بأنه “أكثر اللحظات فخراً”، في منشورٍ لها على “فيسبوك”، وتمت دعوتها إلى موسكو من أجل الحديث عن “الحرب القذرة في سورية”، والتقت بالمسؤولين البارزين في روسيا، بمن فيهم نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف.

وتزايد تأثير بيلي العام الماضي، إذ تحدّثت في نيسان/ إبريل 2017 إلى جانب وزير من حكومة الأسد حول موضوع “الخوذ البيضاء: حقيقة أم خيال؟”، وتم تقديم ورقتها والشرائح الإلكترونية التي استخدمتها إلى الأمم المتحدة، حيث قدمتها الحكومة الروسية دليلاً ضد الخوذ البيضاء، بحسب “ذا غارديان”.

ونقلت الصحيفة عن مدير “سيريا كامبين” جيمس سادري، قوله حينها إنّ “هذه الوثائق المسربة تقدم أدلة قوية على محاولات الحكومة الروسية تعزيز دور بيلي بصفتها طرفاً مهماً في البروباغندا”.

كما نقلت “روسيا اليوم”، في تقريرها ذاك، عدداً من التغريدات، بينها للإيرلندي جاستن باريت، كتب فيها “أنت رئيس سورية. تبدأ الحرب الأهلية، وتكاد تخسر. لكنّك اليوم قريبٌ من الفوز. شيء واحد يُمكن أن يصبح خطأ، التدخل الدولي للتأكد من أنّك تستخدم الأسلحة الكيميائيّة. تستخدم الأسلحة الكيميائيّة. تحتاج مزيداً من الشرح كي تُصبح قابلة للتصديق، أليس كذلك؟”.

ونشرت أيضاً تغريدة للبنانية سارة عبد الله، تقول إنّها معلقة مستقلة، كتبت فيها “إذاً، بعدما قال ترامب إنّ الوقت حان للقوات الأميركيّة كي تغادر سورية، وفوراً بعدما حررت الحكومة السوريّة الغوطة الشرقية، يقرّر الأسد أن يستخدم الأسلحة الكيميائيّة التي لا يملكها أصلاً؟ نعم. هناك أمر يبدو غير صحيحٍ في هذه الصورة”.

وهذا ليس الأسلوب الوحيد في البروباغندا الروسيّة لتبرئة النظام السوري. وهو تحديداً ما حصل بعد مجزرة خان شيخون، العام الماضي. ففي إبريل/ نيسان من العام الماضي، عمدت وكالة “سبوتنيك” الروسيّة الناطقة بالعربيّة إلى نقل رواية عن موقع “فيتيرينز توداي” قال فيه إنّ منظمة “أطباء سويديون لحقوق الإنسان” اتّهمت “الخوذ البيضاء” بقتل السوريين عمداً قبل تصويرهم.

وكشفت صحيفة “داغنيهتر” السويدية حينها أنّ ما تقوم به منظمة “أطباء سويديون لحقوق الإنسان” هو “العمل على تنظيف صفحة النظام السوري في مجال جرائم الحرب”.

هكذا، تُكرّر وسائل الإعلام الروسية التابعة للكرملين نظريّات المؤامرة، في محاولةٍ لدحض الحقائق، وتكذيب صور الأطفال المختنقين في أحضان أهاليهم، ليلاً. فلا ابتكار في تحريض الآلة الدعائيّة التي تُمجّد المجرم، وتتّهم الضحيّة بالتمثيل.