أخبار عاجلة
الرئيسية » الشأن السوري » باريس تدفع باتجاه «دينامية دبلوماسية» بعد العمليات العسكرية

باريس تدفع باتجاه «دينامية دبلوماسية» بعد العمليات العسكرية

«بعد الضربات العسكرية، حان الوقت للعودة إلى العمل الدبلوماسي، أخيراً، للوصول إلى حل سياسي في سوريا بمساعدة الأطراف كافة وعلى رأسها روسيا».

هذا باختصار ما تريده باريس وتسعى إليه، وتعتبر، وفق مصادرها، أن مشاركتها في العملية العسكرية لـ«تأديب» النظام السوري بسبب استخدامه السلاح الكيماوي في مدينة دوما في السابع من الشهر الحالي، يؤهلها لأن تطالب الأطراف الإقليمية والدولية بالعمل من أجل هذا الهدف، وأولها روسيا.

إشارة الانطلاق نحو الدفع باتجاه استعادة الجهود الدبلوماسية جاءت أولاً من القصر الرئاسي الذي صدر عنه بيان، بعد ساعات قليلة على العمليات العسكرية، جاء فيه أنه «يتعين على مجلس الأمن الدولي أن يستعيد، موحداً، المبادرة على الصعد السياسية والإنسانية والكيماوية، من أجل توفير الحماية للمدنيين، ومن أجل أن يحل السلام أخيراً في هذا البلد (سوريا)». وفي لقاء مغلق مع مجموعة من الصحافيين، أشارت مصادر الإليزيه، إلى أن اللحظة «مناسبة»، وأن «إبراز العضلات» الذي مارسه الغربيون عن طريق إرسال صواريخ على ثلاثة مواقع كمياوية في سوريا «لن يكون مفيداً إلا إذا جاء في إطار خطة استراتيجية سياسية». وعمد الرئيس ماكرون إلى التواصل مرة جديدة مع نظيره الأميركي دونالد ترمب، ثم مع الرئيس التركي رجب الطيب إردوغان، لضم الأول إلى الجهود الفرنسية ودفع الثاني باتجاه التركيز على العملية السياسية.

بيد أن الترجمة العملية للجهود الفرنسية، بانت في نيويورك من خلال تقديم مشروع قرار بالتعاون مع «الحليفين الآخرين» «بريطانيا والولايات المتحدة»، ستبدأ مناقشته اليوم، وهو يتناول الجوانب الثلاث للأزمة السورية. وهي المرة الأولى التي يطرح فيها نص شامل بهذا الشكل. وتعمل باريس على صعيدين متوازيين: دفع الطرف الأميركي للمساهمة في الجهود الدبلوماسية والسياسية وليس فقط في العمليات العسكرية. ومن جهة أخرى، تريد باريس الاستفادة من الضربات العسكرية للضغط على موسكو والاستفادة من بقاء خط التواصل مفتوحا بين الرئيسين ماكرون وبوتين؛ الأمر الذي ظهر في الاتصال الهاتفي بين الرجلين قبل يوم واحد من الضربات العسكرية. وفهم من أكثر من مصدر أن باريس دفعت باتجاه «حصر» الضربات العسكرية بالمواقع ذات العلاقة بالسلاح الكيماوي، كما حرصت على منع التصعيد مع روسيا وتلافي استهداف مواقع قد تتواجد فيها عناصر روسية أو حتى إيرانية.

وأمس، أعرب وزير الخارجية جان إيف لودريان في مقابلة مع صحيفة «لو جورنال دو ديمانش» الأسبوعية، عن أمله «أن تدرك روسيا أنه بعد الرد العسكري (…)، علينا أن نضم جهودنا للدفع في اتجاه عملية سياسية في سوريا تسمح بإيجاد مخرج للأزمة». ويريد لودريان من موسكو أن تمارس ضغوطاً «جدية» على الرئيس السوري الذي تعتبره فرنسا «معرقل العملية السياسية». وكاختبار أولي، اقترح الوزير الفرنسي «البدء بهدنة يتم الالتزام بها فعلياً هذه المرة طبقاً لما تنص عليه قرارات مجلس الأمن» الدولي. وبالتوازي مع ذلك، تريد باريس إعادة إحياء دور الأمم المتحدة ممثلة بالمبعوث الخاص ستيفان دي ميستورا الذي لم تفضِ جهوده حتى اليوم إلى أي نتيجة بسبب «تعطيل» النظام وتواطؤ روسيا.

هكذا، يبدو «عنوان» التحرك الفرنسي ممارسة الضغوط على الدولتين الكبريين: على واشنطن، من جهة، لإقناعها بالحاجة إلى أن تبقى «منخرطة» في البحث عن حل في سوريا وليس «الانسحاب في أقرب وقت»، وفق ما يريده الرئيس ترمب الذي سيلتقيه ماكرون الأسبوع المقبل في واشنطن في إطار «زيارة دولة». والضغط من جانب آخر على موسكو لإفهامها أن «الانتصارات» العسكرية التي حققتها في سوريا «لن تكون كافية»، وهي «عاجزة» عن ترجمتها لانتصارات سياسية، والدليل على ذلك عزلتها في مجلس الأمن كما ظهرت ليل الجمعة ــ السبت، حيث لم يقف إلى جانب مشروع قرارها سوى دولة واحدة، وكذلك فشل «آستانة» و«سوتشي» في تحقيق نتائج ملموسة.

لكن باريس تريد أيضاً وللغرض نفسه، إعادة «تفعيل» المجموعة المصغرة الخاصة بسوريا «تضم إلى جانب باريس ولندن وواشنطن، الرياض وعمّان» من خلال الدعوة إلى اجتماع قريب وتعبئة الأوروبيين للأغراض نفسها، بمناسبة اجتماع وزراء خارجية الاتحاد في بروكسل اليوم. وربط لودريان في المقابلة المشار إليها بين الحرب في سوريا والدور الإيراني فيها، وبين الاستقرار الإقليمي بقوله، إنه «ينبغي بذل كل ما في وسعنا لمنع الوجود العسكري الإيراني في سوريا من أن يقود إلى امتداد النزاع إلى خارج الحدود السورية».

من بين الأطراف الإقليمية، تريد باريس «اجتذاب» تركيا، وهو ما سعى إليه ماكرون من خلال اتصال يوم السبت مع إردوغان. وجاء في بيان الإليزيه، أن الرئيس الفرنسي «آمل في تكثيف المشاورات بين فرنسا وتركيا في الأيام المقبلة للسماح بحل سياسي جامع في سوريا». وبالنظر للتوتر التركي ــ الأميركي بسبب دور وحدات حماية الشعب الكردي، فإن باريس تعتقد أنها يمكن أن تتحول إلى «المحاور الأول» لتركيا التي ستكون لها كلمتها في صورة الحل في سوريا، وخصوصاً في موضوع شمال البلاد ومصير محافظة إدلب. وبخصوص النقطة الأخيرة واستباقاً لأي عملية عسكرية للنظام في هذه المنطقة، فقد اعتبر لودريان أن مصير إدلب «يجب أن يحسم في إطار عملية سياسية تتضمن نزع أسلحة الميليشيات». وكان من المنتظر أن يعود ماكرون لتناول هذه الموضوعات في لقاء تلفزيوني، ليل أمس، كما أن البرلمان الفرنسي سيعمد اليوم، في جلسة خاصة لمناقشة المشاركة الفرنسية في الضربات العسكرية وفق ما ينص عليه القانون الفرنسي.

وفي ظل الانتقادات التي وجهت له، خصوصاً من اليمين المتطرف واليسار المتشدد وبعض اليمين الكلاسيكي، فمن المؤكد أن يعمد الرئيس الفرنسي للدفاع عن قراره وعرض المبررات التي حملته على اتخاذه.

المصدر: الشرق الأوسط