أخبار عاجلة
الرئيسية » كتاباتكم » م. سليمان الطويل: هل سيتّعظ بوتين بعد القصف الأخير لسورية ويمضي بالحل السياسي وفق القرارات الأممية

م. سليمان الطويل: هل سيتّعظ بوتين بعد القصف الأخير لسورية ويمضي بالحل السياسي وفق القرارات الأممية

الضربات الجوية التي وجهتها الولايات المتحدة وحلفائها لبعض الأهداف داخل الأراضي السورية كانت في المقام الاول رسالة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين مفادها أن الأرض السورية ليست سوقا مُحتكرا للرئيس بوتين حتى يبيع ويشتري به كيفما يشاء، وأن هناك تُجّارا آخرون سيبيعون ويشترون في السوق السورية ولن يتركوا بوتين لوحده.
الحل المُنتظَر في سورية لن يصنعه بوتين بقراراته كيفما يرغب عبر سوتشي أو آستانة، وإنما ستشارك به الولايات المتحدة وحلفائها الغربيون وسيكون في جنيف ووفقا لقرارات مجلس الأمن الدولي لاسيما القرار 2254 وبيان جنيف. وهذا يعني أن الانتقال السياسي في سورية لا بُدّ منه ودون ذلك لن يكون هناك سوى التقسيم وسيتحمل بوتين في المقام الاول مسؤولية ذلك لأنه لم يفعل ما يكفي لإنجاز الحل السياسي المقبول للجميع، وسيكتب التاريخ أن بوتين وهذا النظام هم من تسببوا بتقسيم وتفتيت وضياع سورية. والمُضحِك بعد كل ما نراه أن يخرج أحدا من مسؤولي النظام ويقول أنه لن يسمح لأحدٍ بانتهاك السيادة السورية، وكأن هناك سيادة سورية متبقية. السيادة السورية هي اليوم أشبه بفتاة تمّ انتهاك غشاء بكارتها منذ زمنٍ وكل يوم يعاشرها شخصا جديدا ومع ذلك تخرج بين الفينة والأخرى وتصرخ: كل شيءْ إلا انتهاك غشاء البكارة، فهذا لن أسمح به لِأحدٍ على الإطلاق.
بوتين أثبت ضعفه خلال هذه الضربات الأمريكية الصاروخية وانكشف على حقيقته وأنه غير قادر على حماية النظام الذي شعر بالمذلّة، ولا على ردع الولايات المتحدة فيما إذا قررت الولايات المتحدة وحلفائها إتخاذ إجراءات أشد في المستقبل. ويبدو أن بوتين تعلّم من النظام السوري الجعجعة والكذب في كل شيء وكل ما كان بمقدوره فعلهُ هو التصريحات التي لا معنى لها في أن هذه الضربة تخالف القانون الدولي وأنها غير شرعية وتزيد التوتر في المنطقة، وما إلى هنالك من كلام فارغ. وكي يحفظ ماء وجهه خرج بعض الضباط الروس ببعض الأكاذيب والقول أنه تم إسقاط معظم الصواريخ التي أطلقتها قوات التحالف الثلاثي بينما أنكر هؤلاء سقوط أي صاروخ لهم إلا على هدفه، وأن الأهداف المعنية أصبحت أثرا بعد عين، وهذا واضح من خلال الصور. وبطبيعة الحال لا أحدا يصدق الإعلام الروسي ولا المسؤولين الروس ولا الإعلام السوري ولا المسؤولين السوريين فديدنهم هو الكذب ثم الكذب وقلبِ الحقائق مُعتقدين أن الناس أغبياء ولا تعرف الحقيقة.
لا يمكن لسوري وطني أن يشمت بضرب أية بقعة في بلاده من طرف أية قوة أجنبية، ولكن تعنت هذا النظام وحماقته وعناده في عدم الانخراط الجدي والفعلي بالحل السلمي إنما سوف يجلب لسورية المزيد من الخراب والدمار والتفتيت.
الضربة الصاروخية صبيحة السبت 14/4/2018 ليست سوى بداية الطر يق كما وصفها الرئيس ترامب، وها هي ضربات صاروخية أخرى على مطارين عسكريين صبيحة الثلاثاء 17/4/2018 وباتوا لا يعرفون من أين تأتي الضربات.
الرئيس بوتين يتحمل القسم الأكبر من المسؤولية عن عناد هذا النظام وتعنته لأنه هو من يحميه ويدافع عنه، وإنْ رفعَ بوتين حمايته عن النظام فسوف يتهاوى بزمنٍ قياسي وسيهرب مسؤوليه كل في مكان وحيث توجد ثرواتهم وأملاكهم وأموالهم في الخارج.
على بوتين أن يعي مسائل عديدة من أبرزها:
أولا: أن الشعب السوري لن يقبل مطلقا بنموذج الحُكم الذي قام على حُكم المخابرات وهيمنتها وسيطرتها على كل شيء في سورية وكمِّها لأفواه الناس وتسلطها عليهم. فالجميع يعرف أن هناك دولة شكلية ظاهرية في سورية قوامها الحكومة، وهناك الدولة العميقة المتمثلة بحكم المخابرات بكل ما تعنيه من قسوة وشدة ووحشية وصلاحيات وانتهاك لحرمات الناس وحرمات بيوتها وممتلكاتها والدعس على كل القوانين وحتى على الدستور. فهل توجد دولة بالعالم تخضع بالمطلق لِحكم المخابرات سوى سورية؟ لم تفعل قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني من انتهاك لِحرمات البيوت وتعدٍّ عليها ونهبٍ لها، ومصادرة للأرزاق والممتلكات واستباحة كرامات الناس والإلقاء بها في السجون لأتفه الأسباب أو حتى من دون أسباب لغايات شخصية وخاصة ومن دون محاكمات، أكثر مما فعلته المخابرات السورية بأبناء الشعب السوري. بل قوات الإحتلال الإسرائيلي فعلت كل ذلك ضد شعبٍ تخوض حربا معهُ بينما المخابرات السورية فعلت كل ذلك مع أبناء شعبها، في الوقت الذي لا يجرؤون على إطلاق رصاصة واحدة باتجاه الجولان المحتل وأجبن من أن يطلقوا رصاصة لأنهم يعرفون بالنتيجة أن إسرائيل قادرة أن تزيلهم ليس من الحُكم فقط وإنما من الوجود ولذك هُم يدارونوها بكل السبُل ويتجاهلون إذلالها لهم متى ما شاءت. فمع إسرائيل جراذين وعلى شعبهم أسُودا.
هذا هو النظام الذي يريد بوتين استمراره فوق صدور أبناء الشعب السوري، نظاما يفتقر كبار مسؤوليه إلى ذرة من أخلاق وضمير ووجدان في سلوكياتهم اليومية وممارساتهم في مؤسساتهم، فلا تحكمهم سوى عقولهم المحدودة والمريضة ولؤمهم وكيدهم وظلمهم وعُقدِهم النفسية وحقدهم على عموم الناس، إلا على المدعومين والمقربين فلأجل هؤلاء يخترعون قوانين خاصة. هذه هي الدولة التي يريد بوتين للشعب السوري أن يبقى في ظلها.
ثانيا: الشعب لن يقبل بالعودة إلى دولة تسودها شريعة الغاب والمافيات والعصابات وتقاسُم ثروات الدولة وإفقار الشعب ونَهبِ ثرواته وإسناد المناصب لوكلاء المخابرات والمدعومين وأقارب النظام وأصهرته، وتحويل الشعب إلى طبقة من العبيد لدى هؤلاء، ضاربين عرض الحائط بكل الكفاءات والخبرات في الوطن.
ثالثا: الشعب لن يقبل بدولة لا توجد فيها مؤسسات فعلية وحقيقية وتمارس دورها بكل فاعلية وفق معايير ثابتة وتحاسب الجميع بدءا من راس الدولة وحتى أصغر مسؤول فيها، ويكون فيها القضاء مستقلا تماما، ويُحاسَب فيها الفاسدون والمفسدون الذين نهبوا ثروات البلد، ليس فقط منذ بضع سنوات وحتى اليوم وإنما منذ عام 1970 ، التاريخ الذي أسس لكل أشكال الفساد في سورية والكسب غير المشروع وكانت البداية من أصحاب القرار وأقاربهم، وحينما لم يحاسبهم أحدا فقد لحِق الجميع بهم وبات الفساد هو العُرف والثقافة الطبيعية في سورية. فأولئك اللصوص معروفون بالاسماء منذ ما بعد عام 1970 وحتى اليوم وغير خافِين على أحد.
رابعا: الشعب يريد نموذج حُكم جديد يقوم على الديمقراطية البرلمانية والتعددية والانتخابات الحرة والشفّافة وحرية التعبير واحترام حقوق الإنسان، وتركيز الصلاحيات في البرلمان المنتخب وفي الحكومة المنبثقة عنه، وإبعاد الجيش والأمن كلية عن السياسة كي يكون جيشا لكل الوطن وليس جيشا لنظام محدد.
خامسا: سورية لا يمكن أن تكون مزرعة لشخص أو لفئة أو لحزب أو لعائلة وللمنتفعين من حولها يعيثون فيها فسادا وخرابا ونهبا ولصوصية ويرمون باقي الشعب في غياهب الفقر والبؤس والحرمان.
هذه هي الأمور الأساسية التي يجب أن يعيها الرئيس بوتين ويتوقف عن تفكيره المحدود والعزف على نظرية المؤامرة وكأن الشعب السوري لم يرى ما حصل من قبل في تونس ومصر وليبيا، وكان هذا هو الدافع والحافز والمُشجِّع له للخروج إلى الشوارع في 2011 . ليست أمريكا ولا حلفائها هم من دفعوا الناس للشوارع في تونس ومصر وليبيا وإنما الظروف الاجتماعية والاقتصادية والقهر والفقر والبطالة والفساد واحتكار السُلطة وانعدام المحاسبة وتمركز السلطات في أيدي حفنة من عديمي الشعور بالمسؤولية الوطنية والمراهقين والصبيان اللاهثين خلف المال وجَمعِ الثروات وحياة البذخ والترف، وأمور أخرى عديدة، كل ذلك هو من دفعَ البشر للشوارع.
كان زين العابدين بن علي من أكبر حلفاء أمريكا وكذلك كان حسني مبارك وليست هي من حرّضت شعوبهم عليهم، وإنما ظروف تلك الشعوب الحياتية والمعيشية التي لم تعُد تطاق وتحتَمل هي من كانت المحرّض والدافع، والشعب السوري قام متأثرا بتلك الشعوب ضد نظامه، وكل ما في الأمر أن أمريكا وقفت لجانب تلك الشعوب كما وقفت لجانب الشعب السوري والليبي وغيره. وليس بمقدورها إلا أن تتّخذ هذا الموقف بِحكمِ مسؤوليتها العالمية كأكبر واقوى دولة في العالم.
وإن نظرنا إلى الوضع السوري قبل عام 2011 فإننا نرى أنه كانت هناك أضعاف أضعاف الأسباب التي كانت في تونس ومصر وليبيا ودفعت البشر للخروج للشوارع والمطالبة بإسقاط الأنظمة. ولذلك لم تكن هناك مؤامرة وإنما حركات جماهيرية عفوية، ومَن أدخلَ المؤامرة هم الحمقى والأغبياء والمصابين بداء العظَمَة الذين لم يتصرفوا بحكمة منذ البداية ويعرفون كيف يعالجون الأوضاع، وانطلقوا من أنانياتهم ومصالحهم الخاصة وليس من مصلحة الوطن، وكانوا آذانا صاغية لإيران وروسيا اللتان خشيتا على مصالحهما في سورية إن حصل أي تغيير، وليس على سورية ولا على شعب سورية.
لقد تصرف زين العابدين بن علي بكل حكمة وكان قادرا على نَشرِ الجيش في كل مكان ومجابهة المتظاهرين ولكنه لم يفعلها. كما تصرف حسني مبارك بكل حكمة وكان قادرا على نشر الجيش بكل مكان ولكنه لم يفعلها. ولذلك لم تتدمر تونس ولا مصر وإنما تدمرت ليبيا وسورية لأن النظامين قررا المواجهة مع الشعب وانطلقا من اول يوم من نظرية المؤامرة وكأن المطالبة بالحرية والديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان وحرية التعبير والتداول على السلطة وتغيير نموذج الحكم المستبد والفاسد، هو مؤامرة. طبعا هو مؤامرة بِنظرِ الحكام المستبدون الذين حكموا بلدانهم بالحديد والنار واحتكروا كل شيء في أوطانهم لمصالحهم ومصالح عائلاتهم وزبانيتهم وشركائهم وعاثوا في بلدانهم فسادا وإفسادا ونهبا للثروات.
الدائرة تضيق حول الرئيس بوتين بعد الضربة الثلاثية للأهداف السورية وإن لم يسارع هو في إصدار الأوامر للنظام بالانخراط في محادثات جدية والقبول بالانتقال السياسي، فقد يُضيع الفرصة وتنقلب الأمور ضده، وسوف تقوم الولايات المتحدة وحلفائها بهذه المهمة عن طريق المزيد من الصواريخ الذكية وعلى فترات متعددة وسوف يتمرغ وجه بوتين أكثر بالإهانة، فهل سيعي بوتين الدرس ويتّعظ من كل ذلك أم سيستمر في الدفاع وحماية هذا النظام المهترئ الذي لم يكن هناك سوريا واحدا، إلا المستفيدون، يحبونه قبل عام 2011. وإنّ الكثير من السوريين وقفوا بجانب النظام في هذه الحرب رغم كراهيتهم له ومعرفتهم به كنظام فاسد وسيء لأنهم انطلقوا من مُسلّمة، وهي حينما يواجهك ضبعٌ من جهة وكلبٌ من جهة أخرى فالطبيعي أن تتجه لمواجهة الضبع لأن هذا أخطر وقد يلتهمك بالكامل إن ما تمكّن منك، ولكن الكلب قد يعضك ويجرحك ولكنه لا يلتهمك . الشعب السوري لا يريد وحشية الضبع ولا يريد وحشية الكلب فالإثنان مرفوضان، إنه يريد نموذجا جديدا من الحُكم يقوم على الديمقراطية والتعددية والتداول على السلطة، وإن كان الرئيس بوتين يغار على الشعب السوري فِعلا فعليه أن يمضي به ضمن هذه الخيارات لاسيما بعد القضاء على الإرهاب وزوال خطر الإسلامويين في سورية، وإلا فكل جهوده ستذهب هباء وسيجد الولايات المتحدة وحلفائها ينخرطون أكثر في الصراع السوري ويُضيِّقون الدائرة أكثر عليه .
الشعب الروسي والشعب الإيراني ليسا بأفضل من الشعب السوري، فلماذا يكون هناك لديهم تداولا على الرئاسة ولا يكون في سورية؟. لماذا يريدون أن يفرضوا على الشعب السوري شخصا مدى الحياة، وهو بدوره يفرض من يشاء على الشعب مدى الحياة، إو حتى يصبحون رِجلا في القبر ورِجلا خارج القبر؟. في سورية آلاف الكوادر المؤهلين لأن يكون كل واحد من بينها رئيسا فلماذا يتم تجاهل هذه الحقيقة والوقوف عند شخص بعينه؟. هل سورية دولة ملَكية أم دولة جمهورية كما الحال في روسيا وإيران؟. هُم بهذه السياسة كأنهم يقولون للجميع أنهم يريدون رئيسا خاتَما في أيديهم يتصرفون في بلاده على راحتهم وكيفما يشاؤون وكأنها محافظة من بلدانهم. ولا يريدون رئيسا قويا يختاره الشعب السوري في إطار ديمقراطي وتعددية حزبية وسياسية وانتخابات حرّة وشفّافة، فهذا لن يكون كما يرغبون ويشاؤون.
لم يعد مقبولا أن تبقى سورية تحت سيطرة مجموعة ضيقة من المحتكرين للسلطة أقرب للمراهقين السياسيين، يلهون بها كما يلهو الأولاد بألعابهم مع غياب كامل لأدنى الشعور بالمسؤولية إزاء وطنٍ ودولةٍ وإزاء شعب .
العار سيلاحق الرئيس بوتين عبر التاريخ إن اكتفى بمحاربة الإرهاب وأبقى على هذا النظام الفاشل الفاسد المكروه من شعبه. بل إن بوتين لم يوجّه عشرة بالمائة من اهتمامه لمكافحة داعش ولولا التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لمَا تحررت الموصل ولا الرقّة ولا تمّت هزيمة الإرهاب. هذه حقيقة يجب أن نعترف بها ونسجلها للولايات المتحدة مهما كان رأينا بها.
على الرئيس بوتين أن يعي أن تواجد قواته وقواعده في سورية لا شرعية لها لأنها جاءت بطلبٍ من شخص لحماية نفسه وعرشهِ ولم تأتي من الشعب. ولذا فالتواجد الروسي والأمريكي هما سيّان.
الرئيس بوتين، بعدائه للديمقراطية ولتطلعات الشعوب، قدّم نفسه أنه طاغية مستبدا لا يدعم إلا الطغاة في وجه الشعوب، فما هي مصلحة بوتين كي يظهر كذلك.
المتحدثة باسم الخارجية الروسية تقول بكل غباء أن الضربات الأمريكية في سورية هدفها عودة الربيع العربي، والسؤال ماذا يضير روسيا إن عاد الربيع العربي وعادت الشعوب المسحوقة من أنظمة الطغيان للثورة في وجه الساحقين الطغاة المستبدين؟. ماذا يضير روسيا من ذلك؟. لماذا روسيا لا ترفع راية الشعوب وتركت ذلك للولايات المتحدة التي عرفناها عبر التاريخ أنها معادية للشعوب ولكن بوتين بسياساته الحمقاء ومواقفه إنما يُبيِّضُ صفحة أمريكا.



تنويه : ماينشر على صفحة كتاباتكم تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع