أخبار عاجلة
الرئيسية » مدونات Blogs » سما حسن : العيون والغمازات وما بينهما

سما حسن : العيون والغمازات وما بينهما

كبرنا، وبدأنا نستخدم الكلام الكبير، وخرجنا من شرنقة السذاجة إلى ثوب الزمان القاسي، الباقي فينا، حتى النهاية، فكانت الدروس تلو الدروس، فكاد أن يتبلَّد الإحساس، وعلى الرغم من ذلك، تحسَّستُها بأطراف أصابعي، حين عرفت أول مرة، وبعد كل هذا العمر والرفقة والصحبة معها، أنَّ الحديث عنها قد حقَّق أعلى رقم من التغريدات على موقع تويتر، فيما يُعرَف بهاشتاغ خاص باليوم العالمي للغمَّازات، تم تدشينه، في شهر إبريل/ نيسان الحالي.

لم يتوقف الأمر عند الغمَّازات، وتلا ذلك تدشين “ترند” عن يوم عالمي للعيون الجميلة، وكأنَّ الشباب العربي يشكِّلون عالمهم الخاص، من خلال مواقع التواصل الاجتماعي الافتراضية، فيتفقون على أمر ما، ليلفتوا أنظار المغرِّدين له، ويبدو أنَّ ما فعلوه قد أتى بثماره، فقد أعادوا شريط ذكرياتي، حين تحسَّستُ ذلك الانبعاج في منتصف وجنتي اليسرى، فقد عرفت، فيما كنت أكبر، أنني ورثت الغمَّازة عن جدتي لأمي التي تنبَّأت لي بالحظِّ الحسن، في ما يخصُّ شريك الحياة. قالت ذلك، وهي تنظر بكل حب إلى شريك عمرها، وهو جدّي، والذي كان يمارس هوايته، وهي تقشير ما تيسَّر من فاكهة الموسم، نيابة عنها وسيلة للتعبير عن حبِّه لها.

صدَّقتُ كلام جدَّتي، وحين أصبحت في سنِّ الزواج، وتقدَّمَت تلك المرأة لخطبتي لابنها، بطريقة تقليدية “زواج الصالونات”، كما يقولون عنه، قالت باختصار إنَّ غمَّازتي قد خلبت لُبَّ ابنها، منذ كنَّا جيرانًا، ولم تتردَّد عن مَدِّ يدها؛ لكي تقرصني في موضع الغمَّازة، واعتقدت أنَّ الحظَّ الحسن الذي توقّعته جدَّتي قد جاء، وأنا التي لم تكن تكذب، في قول جدِّتها يوماً.

ولم يأتِ الحظُّ الحسن، وإن ظلت تلك “الغمّازة” في منتصف وجنتي اليسرى، وأصبحت أوصف بها، وتوقفت عن إدارة رأس شريك حياتي، فتمنّيتُ ألا يرثها أيٌّ من أولادي، وقد كان، حين تحسّرت ابنتاي على عدم وراثتها مني، كنت أصمت، ولا أعلق، لكن قلبي كان ينتظر أن تنعكس نبوءة جدَّتي، أما حين تمازحني إحداهن بأنها ستعمد إلى زراعة غمازة كما يفعل المهووسون بجمال كيت ميدلتون، صاحبة أجمل غمّازتين في العالم، فقد كنت أضحك في دلال.

الغمازة التي افتخرت في زمن ولّى بأنها ملكي، لم أكن أعرف أنها تُعَدُّ إحدى العيوب الخلقية، وهي صفة وراثية مهيمنة، كما يقول علم الوراثة، لكنها أصبحت من علامات الجمال لارتباطها بجميلات العالم، حتى أن العملية التي تجري للحصول عليها تصل كلفتها إلى نحو ألف يورو، ولا تخلو من مضاعفاتٍ غير محمودة.

أما عن العيون، فقد تداول المغرّدون في اليوم العالمي للعيون الحلوة الأشعار والأقوال والصور التي تعبِّر عن جمال عيون المرأة، واستغل بعضهم هذه الاحتفالية لترويج أنواع وماركات من الماكياج الذي يبرز جمال العيون، في محاولةٍ لمواساة النساء والبنات اللواتي لم يحظين بعيونٍ لافتة بجمالها، على الرغم من أن الجمال في كلّ شيء يكون نسبياً، حيث أشار البروفيسور الألماني المختص بطب العيون، هانس كوخ، إلى أن حول عيني الراقصة المصرية الشهيرة نجوى فؤاد يجعل جمالها مثيراً.

وكان للدراسات العلمية مكانها وسط النقاشات التي تعالت بشأن معايير جمال العيون، فأشارت إحداها إلى أن أصحاب العيون المتشابهة اللون من الجنسين ينجذبون لبعضهم بنسبة أعلى من أصحاب العيون المختلفة اللون، ولهذه الدراسة ما يشذ عنها، فكلنا رفعنا حواجبنا استنكاراً وفغرنا أفواهنا، حين رأينا حسناء زرقاء العينين، شقراء الشعر، تتأبّط ذراع رجل أسود اللون، بحدقتين سوداوين بالطبع، وشعر مجعَّد.

أما جدتي الطيبة فلها دراستها الاجتماعية الخاصة بها، والتي خلصت إليها من تجاربها في الحياة، وهي أن النساء ذوات الجمال العربي هن المخلصات والطيبات والحنونات، وكانت تحذّر ألف مرة من أي امرأةٍ تهبط على مجلسها النسوي اليومي المعتاد بحدقتين غريبتين عن الشائع، فهي قد تتوقع شرًّا قادما، وإن لم يحدث، فهي تنعت صاحبة الحدقتين الزرقاوين، أو الخضراوين، بأنها قاسية القلب، غير مأمونة الجانب.

سما حسن