أخبار عاجلة
الرئيسية » كتب » أدب الرحلات : كتاب “الحياة في بيوت فلسطين”: رحلة ماري إليزا روجرز في عام 1855 حتى عام 1859

أدب الرحلات : كتاب “الحياة في بيوت فلسطين”: رحلة ماري إليزا روجرز في عام 1855 حتى عام 1859

الولع بالحج إلى فلسطين، وإلى القدس تحديداً، ولع معبر عنه في الكثير من الرحلات التي قام بها أوروبيون وعرب إلى هذه المدينة المقدسة، وهناك اليوم في المحصلة عشرات الرحلات الأجنبية التي تؤرخ للزيارة إلى المدينة وجوارها. كان الأمر أشبه بحج روحي، بل هو كذلك، حيث تهفو النفس إلى تتبع مسارات النبوة في أرض الأنبياء، وحيث لكل فضاء ولكل حجر ذاكرة مقدسة وعلامات بصرية لا تخطئها العين، بل تمدها بالجوهر والأبدي.

ولعل الذاكرة الثقافية الخاصة بـ أدب الرحلات، تذهب رأسا في اتجاه رحلة مهمة في زمنها، وهي تلك التي قام بها الكاتب الفرنسي فرانسوا شاتوبريان عام 1806 إلى القدس، ضمن مخطط رحلة كبير، شمل إسبرطة وأثينا والإسكندرية وقرطاج والأندلس، وهي الرحلة التي وصفها بكونها “دورة كاملة حول البحر المتوسط، جرت دون مخاطر تذكر وكانت شبيهة برحلة البحارين القدامى”.

وفي هذا الإطار بالذات، تأتي رحلة الإنكليزية ماري إليزا روجرز المعنونة بـ”الحياة في بيوت فلسطين”، إلى القدس، ودونت مشاهداتها وافتتانها بالحياة وأهل القدس والمدن المجاورة، وقدمت مقتربا مهما بعين الأجنبي إلى طبيعة هذا المجتمع المتعدد والمتساكن في تلك الفترة الزمنية الحاسمة في تاريخ فلسطين.

تقول عنها المتخصصة في تاريخ فلسطين، والأستاذة بجامعة وين ستيت، ديترويت، الدكتورة مي صيقلي، والتي وضعت مقدمة للترجمة العربية لكتاب ماري إليزا روجرز “خبَرت بنفسها الحياة اليومية لمعظم شرائح المجتمع الفلسطيني إبان خمسينيات القرن التاسع عشر، عندما رافقت أخاها إدوارد توماس روجرز، الموظف الدبلوماسي الإنكليزي الذي خدم في عدة مناصب قنصلية ودبلوماسية في البلاد العربية وتحديدا في القدس وحيفا وبيروت ودمشق والقاهرة، في عام 1855 لدى عودته إلى فلسطين لمزاولة مهام منصبه الدبلوماسي الجديد كنائب للقنصل البريطاني في حيفا، فأقامت بمعيته هناك حتى عام 1859”.

وترصد مي صيقلي أهمية كتاب روجرز في كونه شهادة على مرحلة مفصلية من تاريخ فلسطين والمنطقة عموما، بحكم التغيرات الجارفة التي ستأتي في ما بعد، وهي التغيرات التي سيساهم الانتداب البريطاني الداعم للصهيونية العالمية في ترسيخها، في محاولة يائسة لتغيير الحجر والبشر والسطو على الأرض، ضمن مشهد لصوصي لم يعرفه التاريخ أبدا، انتهى بطرد الفلسطينيين من وطنهم وإقامة دولة الاحتلال الغاصب.

تقول صيقلي “كان المجتمع الفلسطيني في تلك الفترة – شأنه شأن الشرق الأوسط بأسره – على شفا التغيير والتطور والاتصال بالعالم الخارجي. ومع أن هذا الكتاب يسلط الضوء على تفاصيل عملية التحول التي شهدها المجتمع الفلسطيني آنذاك، إلا أنه يتناول ذلك من منظور يشب عن طوق المحلية. لقد تعرضت المنطقة في تلك الحقبة إلى موجة عاتية من الانكشاف على الآخر، والاستغراق في التحولات، بل والاضطرابات التي نتجت عن احتلال نابليون لمصر في عام 1798، فأميط اللثام عن بُعد جديد حمله القرن الوافد في صورة صراعات أوروبية سياسية واقتصادية عنيفة شاءت الأقدار أن تكون فيها فلسطين وغيرها من بلدان الشرق الأوسط مسرحاً لتلك الصراعات. لقد أفضت السياسات الغربية الخاصة بفلسطين خلال نهاية القرن التاسع عشر إلى ما يعرف باسم وعد بلفور وإلى تحديد مصير فلسطين وشعبها طوال العقود التي تلت الحرب العالمية الأولى. أما داخل البلد نفسها فقد تضافرت هذه السياسات الدولية مع الفساد والإفلاس السياسي اللذين ميّزا أداء الإدارة العثمانية في مراحلها الأخيرة، فأشاعت أجواء وأوضاعاً تركت أثراً بالغاً على كافة أطياف المجتمع الفلسطيني”·

وتستعرض في مقدمتها مادة الكتاب حيث “سطرت المؤلفة هذا الكتاب خلال منتصف القرن التاسع عشر (1855-1859)، كاشفةً عن تفاصيل ودقائق الأنماط المعيشية للفلسطينيين آنذاك، مع بعض التركيز على المناطق الشمالية من فلسطين، لا سيما حيفا والبلدات والقرى الشمالية، لكن الكتاب غطى معظم مناطق فلسطين وتحدث عنها”.

تؤكد صيقلي أن المؤلفة توثّق صور النفوذ الغربي، ولا سيما البريطاني والفرنسي، وتأثير ذلك على النسيج الاجتماعي الفلسطيني، من حيث التأثر أكثر بأنماط الحياة الغربية، بعد تراجع وانحسار النفوذ العثماني.

وفي إنصاف لمؤلفة الكتاب، تقدم صيقلي شهادة موضوعية فيها، تقول “كانت ماري إليزا روجرز نتاجا لمجتمعها وزمنها، وكانت ذات خلفية إنجيلية أصولية وأفكار تتناسب وهذه العقلية عند تفسير وفهم التاريخ والأحداث. ورغم نهجها الاستشراقي إزاء المجتمع العربي بمسلميه ومسيحييه، إلا أنها كانت راوية صريحة وأمينة للحقائق التي تظهر مدى رسوخ المجتمع الفلسطيني وتمسكه بأركان ثقافته وثباته على تراب أرضه. بل إنها – باستقراء الكثير من الأوجه – عالمة مثقفة بعلوم الإنسان وباحثة غير متكلفة، تقيم صلة شخصية وثيقة بما تتناول من مواضيع، فضلاً عن استعدادها لخوض الصعاب من أجل الحصول على القصة بتفاصيلها.

وعلى الرغم من الأوضاع الاجتماعية الاقتصادية المزرية التي سادت تلك الحقبة (كانعدام النظافة العامة، وتفشي المرض والجهل والانقسامات الاجتماعية الصارخة) في فترة اصطبغت بالفساد وبتداعي أركان المؤسسات الرسمية للدولة العثمانية، فإن السيدة روجز تكشف بكتابها هذا عن أصول المظاهر الاجتماعية والثقافية التي أقام عليها الفلسطينيون وما يزالون (من تقاليد وعادات في الطعام والتضامن والتراحم)”·

لا يعدم الكتاب/الرحلة الأحداث المشوقة ولا السرد الرشيق أو الرؤية الحية للواقع المعيوش في تلك الفترة في أرض فلسطين، وخصوصا قدرتها على “التسلل” إلى المجتمع الفلسطيني المحافظ، وبالأخص إلى “حريمه”، حيث قدمت صورة وافية عن دور المرأة الفلسطينية، وحياة النساء القرويات على وجه الخصوص.

منجم معلومات

تثني صيقلي كثيراً في مقدمتها على الكتاب، ولا شك أنها أعجبت به، وبترجمته أيضا، وبمضمونه ثالثاً، تكتب “ومن واقع جولاتها وتجوالها الكثيف في البلد، قدمت المؤلفة للقارئ الكثير من جوانب المجتمع الفلسطيني بجالياته وطوائفه وعلاقاتهم وعاداتهم، وقضاياه الجدلية المتعلقة بوجوده.

تواكب هذا الجهد الوافر مع إشارات المؤلفة إلى أسماء وذريات العائلات في البلدات والقرى التي زارتها، ما يقدم سجلاً طيباً للمؤرخين ويثري خزائن مراجعهم. إن هذا الكتاب – مع ترجمته العربية الممتازة بأسلوبها الرشيق وعباراتها الدقيقة وصياغتها الرائقة للعين واللسان – إنما يقدم مورداً عظيماً من المعلومات في هذا المجال للقارئ والباحث العربي والفلسطيني؛ فهو مصدر حافل بالمعلومة وشائق في الأسلوب. وإنني على يقين من اعتبار القارئ العربي هذا الكتاب كنزاً من المعلومات ومنطلقاً لمعرفة تلك الحقبة التاريخية البالغة الأهمية عن كتب.

حريم وقرويات

يمكن اعتبار كتاب ماري إليزا روجرز وثيقة بالمعنى الإثنوغرافي، تختصر مشهد فلسطين عموماً في القرن التاسع عشر، وخصوصاً في منتصفه، تقول صيقلي “تقدم ماري قصصا تنبض بالحيوية والدقة عن حياة المرأة داخل أجنحة الحريم المغلقة في البيوت في المدن والقرى الفلسطينية وتستعرض الأنماط الاجتماعية التي كانت تحكم حياة النساء ومعيشتهن في تلك الفترة، وهو ما يمنح القارئ فرصة للتعرف عن كثب على الظروف المعيشية للنساء في كافة أطياف المجتمع الفلسطيني، مسلطة الضوء على حياة النسوة الريفيات في قراهن وبلداتهن، وعلى سيدات المجتمع في المدن الأكبر والأكثر تعرضا للتأثير الغربي. وبالمجمل، فإن الصورة التي تقدمها ماري للحياة داخل أجنحة الحريم الخاصة بالنسوة الفلسطينيات من شتى الخلفيات الاجتماعية والعرقية والدينية، تساعدنا على التعرف عليهن وعلى سلوكهن في الأفراح والأتراح والعديد من الأحداث الحياتية الأخرى التي كنّ يعشنها في تلك الفترة.

كما تطرقت ماري بكثير من الإسهاب إلى موجة الحداثة التي كانت تجتاح بعض الأوساط النسوية الفلسطينية، خصوصا في البلدات والمدن. وفي الوقت الذي نتعرف فيه عبر صفحات الكتاب على سيدات ونساء بدأن بالتأثر بالنمط الغربي في المعيشة والسلوك الاجتماعي، نرى أيضا نسوة متمسكات بعاداتهن وموغلات في الإيمان والتشبث بالخرافات والأساطير والتفكير المحافظ الذي يتماشى وطبيعة المجتمع الفلسطيني خصوصا والشرقي عموما، في تلك الفترة الزمنية.

بحر يافا وبياضها

توضأ جيراننا المسلمون وفرشوا سجاجيد الصلاة الخاصة بهم وأدوا صلاتهم، ثم تحلّقوا حول طبق من الأرز والسمن والبندورة، وأكلوا جميعا بأيديهم من الصحن نفسه، كانوا يأكلون بسرعة وبصمت، ثم غسلوا أيديهم وشرعوا بتدخين غلايينهم وأراجيلهم، وفي تلك الأثناء دعانا الرهبان، الذين كانوا يجيدون الفرنسية والإيطالية والإسبانية، إلى تناول شيء من المأكولات المحفوظة والعصائر التي كانت بحوزتهم. سُمح لنا بعد أن مالت حرارة النهار للاعتدال بالخروج لنتمشى، برفقة أحد حراس مركز الحجر الصحي الذي كان مكلفا بمنعنا من الاحتكاك بالناس.

هبطنا الدرجات المؤدية إلى سجننا بسعادة بالغة، ووصلنا إلى رمال الشاطئ مع غروب الشمس التي صبغت السماء والبحر وجدران يافا البيضاء باللون الأحمر المتوهج. مشينا بمحاذاة الشاطئ باتجاه الجنوب، فكانت التلال الرملية المكسوّة بالأعشاب على يسارنا، وأمواج البحر المتقاذفة باتجاهنا على ميمنتنا، وصادفنا هيكلا عظميا لجمل غمرت أجزاء كبيرة منه بالرمال، كما عثرنا على العديد من الأصداف وعظام لأسماك متنوعة بما فيها الحبار، وعلى بعد حوالي الميل من مركز الحجر الصحي، كان الشاطئ يعج بالأصداف التي كانت غالبيتها العظمى قد تحطمت.

أما الصخور التي شكّل بعضها أرصفة بحرية طبيعية، بينما ارتفع بعضها الآخر فوق الشاطئ، فقد بدت وكأنها رواهص صخرية مكونة من الرمال والأصداف التي تتفاوت درجات صلابتها، وعلى الرغم من تشابه هذه الكتل الصخرية من حيث المظهر العام، إلا أن بعضها كان بصلابة الرخام، بينما كان من السهل تفتيت البعض الآخر منها، وكان من السهل أيضا فصل الأصداف المطمورة داخل الرمال بقليل من الجهد. عندما اختفت الشمس تماما وراء الأفق، استدار الحارس عائدا إلى مركز الحجر الصحي، فتبعناه بطاعة وإذعان، كانت أنوار البلدة قد سطعت، وانعكست الأضواء المنبعثة من السفن الراسية في الميناء على المياه الهادئة، وكانت النجوم تُشع في السماء؛ لأن الليل يحلّ سريعا عقب النهار في هذا الجزء من العالم، ما يجعل من تكوّن الشفق أمرا نادر الحدوث·

أعد الصبي الذي تولى دور الطباخ والنادل الخاص بنا وجبة العشاء ووضعها على الأرض تحت أشجار التوت، وكان السراج الموضوع على حجر أسود كبير يلقي بنوره المترجرج على أطباق الطعام. أما الملح الذي كان خشنا ولاذع المذاق، فقد قام الصبي بوضعه في صدفة فارغة وملساء، وهو ما حاول لفت انتباهنا إليه، أملا بأن نبدي إعجابنا بأفكاره الخلاقة، ثم جلسنا على حصير من القصب ونحن محاطون بنمل أحمر يبلغ طول الواحدة منها ثلاثة أرباع الإنش، وهرعت القطط من مخابئها في الظلام وهي تتوق لمشاركتنا وجبتنا· نام العديد من الحجاج والبدو على الأرض في الهواء الطلق، وتوزعت فرشات النوم على الأسطح المستوية وشرفات المباني المحيطة بالساحة·

لم تكن هناك نساء ضمن طاقم العاملين في مركز الحجر الصحي، كما لم تكن هناك نساء بمعية رفاقنا المحتجزين، وبينما كان شقيقي مستلقيا في الساحة وهو يدخن في ضوء النجوم، قمت أنا بتجهيز وإعداد غرفتنا لتكون مريحة قدر الإمكان في ظل الظروف المتاحة، وبالرغم من الأوضاع المزرية المحيطة بنا، فقد حاولنا الترويح عن أنفسنا، في الوقت نفسه الذي حصلنا فيه على دروس مفيدة في كيفية التمييز بين الضرورات والكماليات في الحياة المتمدنة.

حكيم عنكر