أخبار عاجلة
الرئيسية » كتاباتكم » م. سليمان الطويل: تقرير الخارجية الأمريكية عن حقوق الإنسان في سورية

م. سليمان الطويل: تقرير الخارجية الأمريكية عن حقوق الإنسان في سورية

لا يحتاج المواطن السوري إلى تقرير من الخارجية الأمريكية حتى يدرك مدى استباحة حقوق الإنسان في سورية. ففي سورية أصلا لا تعتبِر السُلطة الحاكمة أن هناك إنسانا وإنما هناك مخلوقات حيّة متنوعة الأشكال والأحجام بدءأ من البرغوث وانتهاء بالفيل. وما بينهما من حشرات وحيوانات زاحفة وغير زاحفة. هذا هو معنى الإنسان في سورية، في دولةٍ تُحكَم من طرف بضعة أشخاص حكما عائليا بشكلٍ شمولي مُطلق وما تبقى عبارة عن عمالا وموظفين من نائبة الرئيس والوزراء وحتى أصغر مسؤول، كلهم موظفون ليس إلا، يُعفى واحدهم بشخطة قلم، ويُعيّن بديلا له بشخطة قلم.
بكل الأحوال هناك عبارة وردت في تقرير الخارجية الأمريكية عن حقوق الإنسان عام 2017 وذلك بخصوص سورية. العبارة تقول: (إن الإفلات من العقاب متفشٍّ ومتجذرٍ بِعمق في قوات الأمن السورية وفي الحكومة) .
هذه العبارة تلخص كل أسباب مآسي السوريين منذ أكثر من أربعة عقود وحتى اليوم ، لا محاسبة للفاسدين الواضحين للعيان.
في سورية المسألة تخطّت بكثير انتهاكات حقوق الإنسان المدنية والسياسية والاجتماعية وحرية التعبير وما إلى ذلك ووصلت إلى مرحلة خطيرة من انتهاك حرمات البيوت والأعراض واستباحة حتى ممتلكات وأرزاق الموالين بصورة لم يفعلها إلا المستعمرون عبر التاريخ من تتار أو مغول، وذلك من طرف الأجهزة الأمنية صاحبة الصلاحيات المطلقة الممنوحة لها من أعلى رأس في الدولة.
بعض الأغبياء والسُذّج ما زالوا يرددون أن رئيس الدولة لا يعرف ماذا تفعل أجهزته الأمنية من تجاوزات على البشر وامتهان لكراماتهم ونهبا لأملاكهم وأرزاقهم، وتوقيفهم ظلما لإرضاء مزاج مسؤول أمني قد يكون حاقدا وشاذا وغير سوي عقليا، أو مصاب بداء العظَمة والجنون ويتصرف كما لو كان فرعونا في ممارسة صلاحياته، ولكن الحقيقة أن رئيس البلاد يعرف كل شيء، بل ويعرف أدق التفاصيل ولكنه راضٍ عن ممارسات أجهزته لأنها تروِّع البشر وترهبهم فلا يجرؤ واحدهم على انتقاد النظام ولو بكلمة. فبحسب أهل السلطة، من أكبرهم إلى أصغرهم، السوريون لا يستحقون إلا الدّعس بالبسطار على رقابهم.
يُروى عن ضابط شهير توفي قبل أعوام عديدة، وكان في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات يلاحق الأخوان المسلمون في مدينة حلب، يُروى عنه قولهُ أن النظام عصابة يلاحق عصابة . اليوم لم يتغير بالأمر شيئا سوى أن المسألة كانت بالمُفرد وباتت بالجَمع، فأصبحت هناك عصابات للسلطة تلاحق عصابات للمسلحين، والشعب السوري يدفع الأثمان الباهظة بين هذه العصابات من الطرفين.
الإفلات من العقاب كان سببا لكل أشكال الفساد والإفساد في سورية، والفساد بدوره واتساع رقعته وما نجم عنه من مصائب ومشاكل اجتماعية واقتصادية كارثية وفقر وبطالة ، كان ذلك هو السبب في انفجار البشر بالشوارع في آذار 2011 لأن الفساد خلق طبقة من أهل السلطة في البلد جمعت ثروات وأموال هائلة على حساب نهبِ الوطن وإفقار بقية أبناء الشعب، وكلما زاد أهل الثراء غير المشروع كلما ازداد الشعب فقرا وعوَزا وجوعا وحرمانا. والحديث عن مؤامرة خلف الاحتجاجات عام 2011 ما كان سوى هروبا من السُلطة للأمام كي لا تعترف بمسؤوليتها عن الفساد والإفساد واللصوصية والثراء غير المشروع ونهب ثروات الوطن والمواطن. فأسهل شيء للهروب من المسؤولية هو إلقاء التُهم بالتآمر والعمالة، مع أن ممارسات مسؤولي هذا النظام ونهبِهم لثروات البلد والشعب على مدى أكثر من أربعة عقود دون أية محاسبة، كل ذلك كان أكبر مؤامرة.
هناك من الأغبياء والأبواق من يروجون أن الفساد سوف يُحارب في هذه المرّة، وهذا كلام خبثاء يهدفون إلى دغدغة مشاعر المواطنين وخداعهم كما كانوا يفعلون دوما بالماضي. فالفساد لا يمكن محاربته في سورية على الإطلاق في ظل نموذج الحكم القائم كله على الفساد. وإن تمّ فعليا محاربة الفساد فسوف ينهار النظام كله، لأنه كله قائم على الفساد. هكذا هي تركيبة النظام. النظام أشبهُ ببناء قائم على الباتون والإسمنت والحديد، وإن سحبتَ الحديد من البناء فسوف ينهار كله. والفساد في الدولة السورية هو الحديد الذي يربط البناء ببعضه ويبقيه قائما. فحتى يلتفّ الجميع حول النظام يجب أن يحصدوا الفوائد وهذه لا يمكن أن يحصدوها إلا بإفلات أيديهم لممارسة الفساد وغض النظر عنهم وعدم محاسبتهم. فالرابط بين الجميع في مساندتهم للنظام هو الفساد والفوائد والمكاسب، وإلا على ماذا سوف يكونون مع النظام إن لم تكن هناك فائدة من ذلك؟. هل على راتبهم الشهري الذي لا يطعمهم فلافل؟.
النظام استمر طيلة هذا الزمن ولم تحصل انقلابات لأن القادرون على القيام بالانقلابات وصلتهم حصتهم من الكعكة وتقاسم الجميع مُقدرات البلد، ولذا لا حاجة لأن يتآمروا على بعضهم. فعن طريق السماح بالفساد والثراء غير المشروع ضرب قادة النظام عصفورين بِحجرٍ واحد : أولا أخذوا الجميع رهائن لأن أياديهم ملوثة بالفساد وبالتالي ليس من مجالٍ لأحدهم سوى الخنوع خوفا من فتْح ملفاته، وثانيا بات الجميع يشعرون أن أي تغيير لهذا النظام سوف يضر بمصالحهم ومكاسبهم وامتيازاتهم وقد يُودي بهم إلى المحاسبة والسجون. ولذا لا مجال أمامهم سوى الدفاع عن النظام حفاظا على كل ذلك.
هذا هو النظام الذي يسعى الرئيس الروسي بوتين لإعادة تأهيله وفرضهِ على رقاب السوريين. وابتداع الأكاذيب هو ووزير خارجيته كل يوم للدفاع عنه وحمايته. إنه من أسوأ الأنظمة على وجه الكرة الأرضية.
روسيا اليوم هي قوة استعمار حقيقي في سورية، بل هي أبشع أشكال الاستعمار لأنها تخطط كي تكون استعمار استيطاني، إضافة إلى إيران فهذه أيضا تخطط لتكون استعمار استيطاني، أي قائمة للأبد كما الاستعمار الاستيطاني في فلسطين. وما سلوك روسيا في سورية ومواقفهم المعلنة وتصرفاتهم ووضْعِ يدهم على القرار السوري والتفاوض مع الجماعات المسلحة وترتيب كل شيء بأنفسهم وأيديهم، وسعيهم لفرض الحل السياسي الذي يقبلونه هُم وليس الشعب السوري، إلا أكبر دليل على ذلك. حسَنا فعل الغرب حينما قال لروسيا كلّا لن نسمح لكم بفرض الحل على مقاسكم وحسب مصالحكم، فهذا أصاب روسيا بالجنون لأنها لم تكن تتوقع ذلك في أية لحظة واعتقدت أن الساحة باتت خالية لها كلية وبإمكانها ترتيب كل شيء حسبما تشاء وبما يخدم مصالحها دوما.
وزير الخارجية الروسي بارع في الأكاذيب وإلقاء اللوم والمسؤوليات على الغرب في كل سوء الأحوال في سورية، ويقول أن الغرب يريد تدمير سورية، والغريب أن لافروف لا يعي حتى اليوم أن سورية مدمّرة ولم يبقى بها شيئا غير مُدمّر سوى مناطق العلويين ومناطق الدروز، والعاصمة. فلو بدأنا من الجنوب، فدرعا مُدمّرة وريف دمشق مُدمّر وحمص مُدمرة وريف حماه مُدمّر وإدلب مُدمرة وحلب مدمرة ودير الزور والرقة، وكل الأرياف لهذه المدن مدمرة، فماذا تبقى بلا تدمير؟.
إن أكبر من تسبب في تدمير سورية كانت مواقف الروس ودعمهم المُطلق للنظام، مما شجّعه على عدم الانخراط الفعلي والجدّي في العملية السياسية، ولولا أن موسكو لم تفعل ذلك لما كان هذا التعنُّت من النظام، وكان مضى بالعملية السياسية وفْقَ القرارات الأممية وكنا تجنبنا غالبية الدماء والدمار الذي وقع. وحتى اليوم يمكن لروسيا أن توقِف التدمير في سورية بإعطاء الأوامر للنظام بالالتزام بقرارات مجلس الأمن وبيان جنيف، وإلا فالتدمير مستمرا، وخشية روسيا من تقسيم سورية سوف يصبح واقعا، علما بأن طرْحَ موسكو للحل الفيدرالي في سورية هو بحد ذاته تقسيما لها على أسس عرقية ومذهبية.
المصيبة أن موسكو بنتْ كل آمالها في سورية على أساس مقايضة الغرب في أوكرانيا والقّرم والعقوبات عليها، ولكن الغرب رفض تلك المقايضات، ولن يقبل بذلك حتى لو حوّلت روسيا سورية إلى مستعمرة استيطانية، وهذا ما طيّرَ صواب بوتين ووزيره لافروف.



تنويه : ماينشر على صفحة كتاباتكم تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع