أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » الضربة الثلاثية الصاروخية على سوريا ما هي الا انتصاراً للقيم الإنسانية بنظر الغرب بدون اي جدوى

الضربة الثلاثية الصاروخية على سوريا ما هي الا انتصاراً للقيم الإنسانية بنظر الغرب بدون اي جدوى

استهدف، فجر الرابع عشر من إبريل/نيسان الحالي، هجومٌ صاروخي (أكثر من مائة صاروخ)، المواقع التابعة للنظام السوري التي استخدمت أو يمكن أن تستخدم في إعداد هجمات كيميائية وتنفيذها، رداً على هجوم كيميائي نفذه نظام الأسد في الغوطة الشرقية قبل أسبوع من ذلك.

بديهي أن لا علاقة لحسابات الدول الثلاث، صاحبة الضربات الصاروخية (أميركا وفرنسا وبريطانيا) “ضد” نظام الأسد، بحسابات السوريين الذين رحبوا بها، أو الذين ندّدوا بها. من الواضح أنها إجراء له حساباته الغربية المستقرة على دور روسي حاسم في سورية، وهو إجراء لا يخرج عن الخط العريض الثابت للصراع السوري، وفق المنظور الغربي منذ ظهور التنظيمات الإسلامية الجهادية فيه، خط يقوم على منع وصول بديل إسلامي، بوصفه الاحتمال الأوفر حظاً في حال سقوط النظام عسكرياً، مع عدم الرغبة في تبلور بديل وطني وديموقراطي. هذا النهج الذي اعتمده الغرب طوال فترة الصراع يجعل الغرب في موقع التابع للخطة الروسية فعلياً، ويجعل من سورية عراقاً ثانياً، أي بلداً مثقلاً بنظام سياسي مهترئ الشرعية وتابع، ويقوم على إرهاب الداخل، وعلى فساد نخبته، وعاجز عن حماية سيادته الوطنية.

منذ البداية، لم يكن هناك ما يشير إلى أن أميركا تريد تغييراً جذرياً لحدود الصراع السوري
المذكور وآلياته. معروفٌ أن الرئيس الأميركي اقترح قبل “كيميائي دوما” بقليل أن يسحب قواته من سورية “في أقرب وقت”. وسيكون من السذاجة الافتراض أن الاستراتيجية الأميركية سوف تنقلب بهذا الشكل البهلواني بين الاستعداد للانسحاب وتغيير قواعد الصراع وقلبها جذرياً. وقد عاد الأميركان إلى تأكيد قرارهم بالانسحاب السريع من سورية بعد الضربة، وبعد ساعات قليلة من تأكيد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في مقابلة مطولة له، مساء 15 إبريل/نيسان الحالي، بمناسبة مرور عام على ولايته، على أنه أقنعهم بالبقاء الطويل الأمد في سورية.

من نافل القول أيضاً إنه لم تكن الدول الثلاث المهاجمة مدفوعة بالحرص على من قتلهم الغاز في دوما أو في خان شيخون أو في غيرهما من قبل، لأن القتل غير الكيميائي يجري ليل نهار أمام عيون هذه القوى، ويطاول أيضاً نساء وأطفالاً ومدنيين باتت المراصد ووسائل الإعلام تمل من إحصائهم.

على الرغم من إصرار معارضين سوريين، في فترة التحضير الغربي للعمل العسكري ضد نظام الأسد، على رفض تسمية هذا العمل “ضربة” لصالح تسميته “عملية”، نوعا من التميمة اللفظية التي تقي مما لا يُراد حدوثه، وهو أن تكون ضربةً عابرة. كانت الضربة عابرةً، وأكد أصحاب الضربة لفظياً ما قالته “الضربة” عملياً. قال الرئيس الفرنسي “لم نعلن الحرب على بشار الأسد”. وفي اليوم التالي، أكد رئيس وزرائه بصورة أوضح: “لا نية لنا في إسقاط الأسد”. وقالت رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، “إنها ليست عملية لتغيير النظام”. وأكدت الولايات المتحدة أنها عملية محدودة، وسماها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، “ضربة” ممتازة وحققت هدفها. هذا ما حدا بنظام الأسد للاحتفال بعد الضربة، ولسان حاله يقول: “لا يهم الخسائر المادية أو البشرية، المهم أن أبقى”.

وصفت الصحف الأميركية الضربة بأنها “وخزة دبوس”. ولكن، هل يتعلق الموضوع بحجم الضربة ومداها؟ الضربة العسكرية التي تأتي معزولة عن استراتيجية أو خطة محدّدة، وفيها قدر كاف من العدالة لإنقاذ سورية والسوريين من هذه المأساة، هي في الحقيقة بلا أي معنى سوري، إنها مصدر جديد للدمار لا أكثر. ويُشك، إلى حد بعيد، في قدرتها على ردع “الكيماويين”. وهي على هذا ليست في صالح سورية وشعبها. إنها مجرّد تفاخر “إنساني” فارغ على حساب الدم السوري. “إن ليلة من القصف ليست بديلاً عن استراتيجية واضحة وشاملة تجاه سورية”، قالت، محقة، زعيمة الديموقراطيين في مجلس النواب الأميركي، نانسي بيلوسي. سوى ذلك فإنها تبقى عملية معزولة عن أي سياق سياسي، يعطيها معنى وقيمة في خلاص سورية.

تحرّك الثلاثي من خارج مجلس الأمن، ومن دون انتظار معلومات مؤكدة حيال الهجوم الكيميائي، ففي حين أكد ماكرون أن لدى فرنسا تأكيدات على استخدام النظام للسلاح الكيميائي في دوما، قال وزير الدفاع الأميركي، جيمس ماتيس، إنه لا يملك معلومات مؤكدة (حتى بعد تنفيذ الضربة، لا تزال الصحف الأميركية تتكلم عن الشك في هجوم كيميائي). ليس غرض
هذه السطور أن تشك في مسؤولية النظام أو في استخدامه السلاح الكيميائي، فهو نظام كيميائي ومجرم حتى لو ثبتت براءته في هذه الحادثة، ولن تثبت. لكن الغرض هو القول إن التحرك الثلاثي الذي جرى من خارج مجلس الأمن، وبدون أدلة كافية، يدل بوضوح على أن الـ 12 “فيتو” التي اتخذتها روسيا فيما يخص الصراع في سورية كانت مرغوبة من أميركا، كما أشار مرة، محقاً، وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف. على هذا، كان الفيتو الروسي المتكرّر ستاراً “شرعياً” لتقاعس أميركا حيال واجبها “الإنساني” (كما يقولون) في حماية الشعب السوري الذي يتعرّض لقتل يومي، ويموت عشرات الآلاف منه في سجون النظام، وفي سجون الجماعات الإسلامية، ويعاني الحصار وقصف المرافق الحيوية في المناطق الخارجة عن سيطرة نظام الأسد.. إلخ.

لا تأتي فاعلية المجهود العسكري الروسي، قياساً على نظيره الغربي، فقط من كثافة وجوده على الأرض السورية، بل لأنه يأتي ضمن إطار استراتيجية روسية واضحة، تقوم على دعم صريح لنظام الأسد، لنصرته عسكرياً ثم إعادة تأهيله سياسياً. غياب الخطة لدى الأوروبيين والأميركيين حيال الصراع السوري، ووقوفهم في منطقةٍ عديمة الفاعلية ومتردّدة سياسياً، يجعل من وجودهم العسكري، مهما عظم، قليل الأثر، قياساً بالوجود الروسي. بكلام آخر، التفوق الروسي في سورية سياسي، قبل أن يكون عسكرياً.

إصرار الرئيس الأميركي على الانسحاب من سورية نتيجة منطقية لغياب الخطة الأميركية في سورية، الغياب الذي كشفته تغريدة “ارتزاقية” له، حين قال إنه جاهز لتمديد الوجود الأميركي في سورية إذا دفعت السعودية التكاليف، أي إن هذا الوجود العسكري ليس ضمن أي خطة أميركية محددة، خارج القضاء على “داعش”.

الخلاصة، بالقراءة السورية، لا قيمة سياسية أو عسكرية مهمة للضربة الصاروخية الغربية المذكورة. أما في الغرب فيمكن أن تقرأ بوصفها انتصاراً للقيم الإنسانية، وهي في هذا قراءة انعزالية لفعلٍ منافق.

المصدر: العربي الجديد – راتب شعبو



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع