أخبار عاجلة
الرئيسية » شؤون عربية » انتخابات لبنان التشريعية تواجه تحدي تغيير المعادلة السياسية إلى مستقبل بعيد

انتخابات لبنان التشريعية تواجه تحدي تغيير المعادلة السياسية إلى مستقبل بعيد

لبنان على موعدٍ مع الانتخابات البرلمانية في السادس من أيار/مايو المقبل. برلمان الـ2009 الذي كان يُفترض أن تنتهي ولايته في حزيران/يونيو 2013 مدّد لنفسه مرّات عدّة بفعل عوامل تأثره بأحداث سوريا وتداعياتها الأمنية والسياسية، وبفعل التوازن السلبي بين القوى السياسية في البلاد التي انقسمت بين معسكري الثامن والرابع عشر من آذار.
الجديد في انتخابات 2018 أنها ستجري، للمرة الأولى في تاريخ لبنان، على أساس «القانون النسبي» لا «الأكثري» الذي اعتُمد على الدوام. كان يُفترض أن يُشكّل القانون «قفزة نوعية» في الحياة السياسية اللبنانية لو كانت القوى الشرعية تبسط سلطتها لوحدها على كل المناطق، ولو أن الذهاب إلى اعتماد «النسبية» كان وليد قناعة سياسية، وليس «ضلعاً ثالثاً» اشترطه «حزب الله» في التسوية السياسية التي أتت بميشال عون رئيساً للجمهورية وأعادت سعد الحريري إلى رئاسة الحكومة.
فـ «الحزب» يعتبر لبنان «ساحة» صراع في إطار مشروعه، وهو يُدرك جيداً أن كسر التوازن فيه لا يتم بالانقلاب ولا بالقوة، نتيجة للتركيبة اللبنانية، وأنه لم يعد بإمكانه تكرار «7 أيار 2008» (الاجتياح العسكري لبيروت والجبل الدرزي) بسبب الصراع المحتدِم في المنطقة، لذا عمدَ إلى سياسة «الإدارة من خلف» لقانون الانتخاب بما يؤدي إلى إحداث تغيير، ولو بطيء، عبر المؤسسات يُمكِّنه من التأثير في صنع القرار على مستوى السلطة وحيال موقع لبنان الإقليمي.
وبعيداً عن الأوهام، ومحاولات «تجميل الخسائر والهزائم»، فإن هذا القانون الذي يُوصف بـ «الهجين» لم يَمرّ في صيغته النهائية إلا بعدما أمَّن «حزب الله» ما يصبو إليه من أهداف، أولها القبض على الحصة البرلمانية الشيعية كاملة، بالتضامن والتكافل مع شريكه في «الثنائية» رئيس «حركة أمل» ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ذلك أن الإمساك بكامل المقاعد الشيعية في الندوة البرلمانية يُشكّل ما يشبه حجر الزاوية الذي يتّكِئ عليه «الحزب» في مشروعه العقائدي والاستراتيجي، وفي مشروع تحكّمه بالقرار اللبناني. وثانيها الفوز بـ «ثلث مُعطّل» في البرلمان عبر كتلة من أكثر من 43 نائباً، يستطيع من خلالها التحكّم بمفاصل اللعبة البرلمانية، على غرار ما حصل لجهة تعطيل انتخابات رئاسة الجمهورية. هذه المرة يريد حلفاً أولياً يجمعه مع حلفائه الصافين المنتمين إلى المحور السوري ـ الايراني بمعزل عن حليفه المسيحي المتمثل بـ «التيار الوطني الحر»، فيتحوّل تلقائياً إلى «بيضة القبّان»، وهي السمة التي كانت تطبع موقع الزعيم الدرزي وليد جنبلاط. في السابق كانت لدى «حزب الله» تلك الإمكانات لكنه كان يحوزها بفعل «فائض القوّة» لا «قوة الدستور». اليوم يُحضّر لتطويع المسرح اللبناني من بوابة الدستور لا السلاح.
ثالث الأهداف، هو قيادة كتلة وازنة قادرة على بناء تحالفات، كلما دعت الحاجة، لبلوغ الأكثرية البرلمانية، بحيث أن «الحزب» يرسم لنفسه دوراً جديداً مضافاً إلى دوره السابق الذي كان ينحصر بمتطلبات «المقاومة» وسلاحها. يتحدث الآن عن الاقتصاد وعن إدارة الدولة والمالية العامة والقروض. يُريد، بعد الانتخابات النيابية، الانخراط المباشر في شؤون لم يَألفها من قبل. معادلة «السلاح لنا والاقتصاد لكم» ما عادت تُقنع «الحزب». هو عازم على التحوّل من مجرّد شاهد في الحكومة إلى مشارك عبر حصة وزارية مختلفة في الكمّ والنوع، بحيث يصبح «شريكاً مضارباً» في السلطة التنفيذية. وهو في هذا الإطار يحتاج إلى أكثرية يمكن تأمينها من خلال عناوين مكافحة الفساد والإنماء والإدارة الرشيدة وما إلى سواها. متناسياً أنه هو مَن ساهم في إيجاد هذا الفساد عبر ضربه هيبة الدولة وسعيه لتأمين «امتيازات خاصة» له عند المرافق الحدودية، البرية والبحرية والجوية تحت شعار «حاجات المقاومة»، ما ساهم بضرب الاقتصاد نتيجة ممارساته غير المشروعة التي لاقاه فيها الآخرون في ظل الانفلات الحاصل.
ثمّة مَن يسأل: لماذا على «حزب الله» أن يُوقف تمدده ما دام الآخرون لا يواجهون هذا التغلغل والتمدّد والتغيير الممنهج ووضع اليد؟ الأكيد أنه يعمل بتصميم على تعزيز مكانته البرلمانية التي تُتيح له الاتكاء على ذراع نيابي ـ وزاري في الداخل، بالموازاة مع أذرعه العسكرية والأمنية، للدخول في لبّ الملف الاقتصادي ـ المالي لأسباب تتّصل بمحاولة كسر حلقة العقوبات المالية الأمريكية المفروضة عليه، والتي يَتوقع لها أن تشتدّ في ظل سياسة مواجهة إيران وتقليم أظافرها في المنطقة، والحلف الأمريكي ـ الخليجي ـ العربي الذي تَعزّز مع وصول الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.
والأهم في إطار التحوّل الذي يسعى إليه «الحزب» هو تحضير المسرح الداخلي، عبر السبل الديمقراطية، إما لشرعنة سلاحه على غرار «الحشد الشعبي في العراق»، إذا كانت موازين القوى في المنطقة لمصلحة مشروعه، أو للتكيّف من ضمن التركيبة اللبنانية مع متغيّرات المنطقة، إذا لم تكن الموازين لمصلحته.
الانتخابات مفصل مهم في مسار الطائفة الخائفة والمُخيفة، فهي الآن مُمسكة بالإمرة الاستراتيجية من خلال السلاح، وتسعى لدور رديف عبر تشكيل إمرة استراتيجية على السياسة، من خلال التسوية السياسية، لجعل الآخرين يرقصون في ملعبها.
على الضفة الأخرى، يُطل تحالف آخر، يُترجم انتخابياً بين التيارين الأبرز على المستويين المسيحي والسنيّ (عون ـ الحريري) لم تتّضح آفاقه تماماً، ولا قدرته على الصمود والتأثير في المشهد اللبناني. فعون الذي جاء رئيساً بقوة سواعد «حزب الله»، يُريد أن يحكم وأن يربط عهده بإنجازات كبرى، لا سيما وأنه يعتبر أن الرؤساء الآخرين أخفقوا في موقعهم انطلاقاً من أنهم لم يكونوا أقوياء بقوة تمثيلية تضاهي قوته. وهو اليوم جاء لتصحيح الخلل الذي لحق بالمسيحيين بعدما تمّ تحجيم المكوّن المسيحي عبر سياسة «النفي والسَجن» التي لحقت به وبقائد «القوات اللبنانية» سمير جعجع، وهما الزعيمين الرئيسيين اللذين حكما المنطقة المسيحية.
غير أن هذ التحالف الذي يُجسّده الحريري ـ باسيل، بوصف الأخير صهر الرئيس ووريثه السياسي، يثير نقزة كبيرة لدى الحلفاء السابقين للطرفين، بدءاً من «حزب الله» الذي لا يستسيغ كثيراً «الانعتاق» الباسيلي بالحريري، الذي لا يعزوه إلى مصالح اقتصادية بين الجانبين بل إلى اتفاق سياسي قد تبدأ ترجمته بعد الانتخابات، بما يحصّن هذا التحالف تمهيداً للاستحقاقات المقبلة، مروراً ببري الذي علاقته بالتيار العوني سيئة، ومرشحة لأن تنعكس في انتخابات الرئاسة الثانية لجهة عدم التسليم برئاسة بري مجدداً، وإن كان من المستبعد أن يسمح «الحزب» بحصوله، وصولاً إلى الزعيم الدرزي وليد جنبلاط الذي خسر الكثير من موقعه السابق الذي كان يلعبه في المعادلة اللبنانية كـ «بيضة القبان»، ووصولاً أيضاً إلى جعجع الذي استطاع استعادة موقعه المسيحي والسياسي والنظر إليه من الشريك السني كزعيم وطني.
لا شك أن تحالفات ما بعد التسوية الرئاسية آلت إلى تغيير المعادلة السياسية التي حكمت البلاد منذ اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري في شباط/فبراير 2005. لم يعد من الممكن الحديث كثيراً عن فريق «الرابع عشر من آذار» الذي تشتت، فيما الأمر لا ينطبق إلى حد كبير على قوى «الثامن من آذار» بنواته الأصلية، ذلك أن تحالف عون معها لاحقاً جاء في ضوء التفاهم الاستراتيجي بين عون وأمين عام «حزب الله السيد حسن نصرالله، والذي يعرف بـ «تفاهم مار مخايل».
ورغم الانطباع بأن عون لن يحيد عن الحزب في المسائل الاستراتيجية، فثمة من يُراهن على تناقض حتمي بين المشروعين: مشروع السلطة الذي يُريد رئيس الجمهورية أن يُجسّده في عهده، بعد تكوّن السلطة السياسية بفعل الانتخابات البرلمانية، وبين مشروع تعايش السلطة والميليشيا الذي يريد «حزب الله» أن يبسطه على أقل تقدير. هي نظرية روّج لها جعجع والحريري مع تعبيد الطريق أمام «جنرال الرابية» للوصول إلى بعبدا، وعُرفت بإمكان «استمالة عون» إلى «الوسط» بما يؤمّن مقتضيات مشروع الدولة، غير أن هذه النظرية بالتحديد هي مجال اختبار في استحقاق السادس من أيار/مايو، كما هي المعادلة السياسية اللبنانية.

بيروت ـ «القدس العربي»: رلى موفّق