أخبار عاجلة
الرئيسية » ثقافة وفن » اللجوء الألماني… كتاب سوريون يتحدثون عن المنفى

اللجوء الألماني… كتاب سوريون يتحدثون عن المنفى

دفع المنفى الألماني الكثير من الأدباء والباحثين السوريين والفلسطينيين إلى معاودة النظر في أدوات الممارسات الإبداعية والفنية والجمالية في مناخ جديد عليهم، بدون أن تغيب سورية وفلسطين عن البال، فهما الجرح الذي ينز كل يوم دماً. لكن أحوالهم تختلف، وكذلك اهتماماتهم ومشاريعهم.

ترى الكاتبة والروائية روزا ياسين حسن، أن الفارق بين الوجود في الوطن والمنفى الألماني “قد يكون على كل الصعد إلا الكتابة، يعني أن تكون لاجئاً في بلد جديد يفرض عليك أن تعرف الثقافة الجديدة واللغة والقوانين وأمزجة البشر، وأن تفهم روح المدن الغريبة، لكن في الكتابة الكاتب كاتب أينما حلّ، زاده الذاكرة والتجارب ورصيده الثقافي واللغوي، خصوصاً أننا في عصر الإنترنت، أي أنه يمكن للكاتب أو الكاتبة أن يطّلعا على تجارب وكتابات الكتاب الآخرين وينشرا كتاباتهما أينما كانا. أما بالنسبة إلي، فلم يكن عيشي في بلدي أسهل بكثير من عيشي في المنفى، حين كانت البلاد لا تزال في قبضة الديكتاتور”.

وعن المنفى تضيف حسن “فيه تفقد ككاتب روح الأمكنة والأصدقاء، وألفة العيش، ولكنك تكتسب معارف جديدة وتتعرف على ثقافات جديدة من داخلها، كما تتلمّس معنى ألا تهتم لتفاصيل العيش الصغيرة التي تؤمنها الحياة الأوروبية لك، تلك التفاصيل التي كنت تستهلك من أجلها جزءاً كبيراً من وقتك في سورية”.

بينما يرى الأستاذ في جامعتي كولن وأيسن-ديسبورغ، الكاتب حسام الدين درويش، أنه “على العكس من الوضع في سورية، لا رقابة أمنية استبدادية قمعية هنا. وهذا يعني امتلاك الحرية وتحمّل كامل المسؤولية في خصوص ما أكتبه. الكتابة في سورية كانت موجهة إلى القارئ العربي عموماً والسوري خصوصاً، أما هنا فقد أصبح القارئ الافتراضي أو المتخيَّل يتضمن، أيضًا وأحيانًا، القارئ العربي المقيم في “الغرب” والقارئ الغربي. والكتابة، والعمل في المجال الثقافي أو الإعلامي العربي، أقرب إلى الهواية منه إلى العمل الاحترافي؛ فالمردود المادي من هذا العمل ضعيف جدًّا مقارنةً بتكاليف الحياة في ألمانيا، كما أن ظروف اللجوء، ومحاولة الاندماج في هذا البلد، وتطبيع العلاقة معه، كل ذلك يتطلب تفرغًا كاملًا أو شبه كاملٍ، بما لا يفسح مجالًا (كبيرًا) للكتابة والعمل في ميدان الثقافة. فأنا مثلًا اضطررت، في بداية مرحلة اللجوء، إلى التوقف عن الكتابة، توقفًا شبه كاملٍ، لمدة عامين تقريبًا”.

بين زمنين ومكانين

من ناحيته، يعتبر الكاتب والشاعر رائد وحش أن “الكتابة معاناة ومكابدة أينما كانت. هي أصلًا علاقة خاصة مع الألم الإنساني، نبحث بها في تاريخه وننقّب في أسراره. أما أنك كاتب لاجئ، بما يعنيه ذلك من أنك غريب معلّق بين مكانين، وزمنين أيضًا، فهذا يضيف إلى ما تحمله إحساسًا رثائيًّا يحكم علاقتك بالعالم. قرأتُ رأيًّا قديمًا لماريو بارغاس يوسا، يعود إلى حقبة كان فيها منفيًّا، يقول بأنه كلما ابتعد المرء عن أميركا اللاتينية برَدَت السياسة في حياته. بالنسبة
إلينا، نحن اللاجئين، اليوم، خصوصًا من سورية، الذين جاء خروجهم مع انتشار هائل لوسائل التواصل؛ لم تستطع نار السياسة أن تبرد لحظةً تحتنا، بل بقينا في فوهة البركان، مع إضافة شيء جديد، هو أنك تعيش حصتك اليومية من ألمك السوري مغلفةً بشعور من الذنب”.

ويرى وحش أن لجوءه في فترة حساسة من حياته، مع بدء نضوج شخصيته الثقافية، يجعله يعاني “مع أسئلة تخصّ واقع حياتنا في العالم العربي عمومًا، ولكي أفهمها كما يجب، ومن ثم أعبّر عنها بشكل لائق بكتابات لاحقة؛ وجدتُ نفسي أعود إلى كلاسيكيات عربية في الفكر والتاريخ. من بين ما يفعله المنفى بنا أنّه يرغمك على أن تنجز تعريفًا للذات”.

الشرطي الرقيب والغربة

أما الكاتبة الفلسطينية السورية نعمة خالد، فرأيها يستند إلى تجربتها المتكررة مع حالة اللجوء، إذ تقول لـ”جاليات” إن “الكاتب كاتب أينما حل في الجغرافيا، لكن سمة اللجوء التي وسمت الكاتب هي ربما ما يصنع فرقاً. وأنا الفلسطينية التي عاشت في سورية، لي الأقدمية بوسمي بهذه الصفة.. لاجئة”. وبالنسبة إلى خالد فإنها لم تعش فرقًا كبيرًا في لجوئها السوري الأول، “فالكثير من المفاهيم في المجتمع السوري هي نفسها تقريباً التي درج عليها آبائي وأجدادي. إذًا، لا غربة كما التي أعيش الآن. خاصة أنني ولدت وتعلمت وتطلعت إلى الكتابة في سورية، وفلسطين التي شغلتني كتابياً ليست سوى ذاكرة لمن عرفها، وكنت أمتح منها ما أريد أن أشتغل عليه”.

وعلى الرغم من أن اللجوء أخذها نحو ألمانيا، فإن انشغالات نعمة خالد، كما تصفها، “تتمحور حول ذاكرتي السورية كتابيا. وأجهد أن تكون الذاكرة طازجة كما جرح اللجوء. فعلى الرغم من حالة الانفتاح وعدم الخوف من المحرمات في الفضاء الجديد، ومساحة حرية الكتابة، إلا أن الشرطي القابع في خوفي من مقص رقيب هناك، ما زال قابعاً فيّ، ينبعث كلما تجاوزت خطاً أحمر في الحرام الكثير هناك”.

ترى خالد أيضاً أن “أهل ألمانيا الذين عاشوا تجربة اللجوء في النصف الأول من القرن الماضي ربما يجهدون كي تمحى ملفات كثيرة من أرواحهم من ذاكرة ما عايشوه، وربما هذا لا يمنع أن يستشعروا ماذا يعني اللجوء والغربة. وفي الأخيرة تشكيل لسمة النكوص حيناً ورافعة حيناً آخر. أنا أكابد ربما في الكتابة لأصل في اللغة إلى ذاك الإحساس الذي أعيشه في لجوئي الجديد، وفي الكتابة عن الوضع السوري الآن. لأنني أشعر بأن اللغة عاجزة عن تشخيص الحالة. فهل الفرق في كوني لاجئة، أم في أن ما يحدث يفوق خيال الكاتب؟”.

إشكالية اللغة

بحسب درويش فإن اللغة “تمثل إشكاليةً كبيرةً بالنسبة إلى اللاجئ عمومًا، وبالنسبة إلى اللاجئ – الكاتب خصوصًا. فبالإضافة إلى ضرورة تعلمها، عليه أن يقرر مسألة الاستمرار بالكتابة باللغة العربية (فقط) و/ أو البدء بمحاولة الكتابة بلغةٍ أجنبيةٍ. وهذه مسألة مهمةٌ ولها نتائج كبيرة ومؤثرة في حياة الشخص عمومًا، وفي حياته المهنية وكتابته خصوصًا. ولهذا أحاول التوفيق بين أكثر من أمرٍ/ لغةٍ: العمل والكتابة باللغة الإنكليزية، وتعلم الألمانية وإتقانها، واستمرار الكتابة باللغة العربية. ولكل لغةٍ ضرورتها الخاصة والملحة. فاللغة الوحيدة التي يمكنني العمل بها حاليًّا في الجامعات الألمانية هي الإنكليزية؛ وتعلم اللغة الألمانية ضروريٌّ لأسبابٍ أظنها واضحةً؛ أما اللغة العربية فهي “حبي الأول والأخير وهي اللغة التي أشعر بنبضها، وأحس بطعم مفرداتها وحروفها، وأعبّر عن فكري ونفسي من خلالها، بطريقةٍ لا أجدها في أي لغةٍ أخرى “اضطررت” إلى تعلمها واستخدامها (الفرنسية والإنكليزية والألمانية)، كما أن القارئ العربي هو قارئي الافتراضي “المثالي” حتى الآن”.

وحول الموضوع ذاته، تقول الكاتبة نعمة خالد “هناك مثل شائع لدينا يقول “لما شاب ودّوه الكتاب”، وهذا ما أحس به. على أن ذلك لا يمنع أن أسعى جاهدة لتعلم اللغة ولست مشغولة هنا بمسألة الإلزام بالتعلم، بل مشغولة بامتلاك أفق جديد للمعرفة. وهذا لن يؤثر في لغتي الام التي أعشق. ولا علاقة بين تعلمي الألمانية والحوافز التي تشكلها علاقتي بلغتي الأم للتعلم. ما أحسه هو أنني في مساحة تتيح لي لغة جديدة، عليّ تعلمها، وهل أنجح في ذلك بدون أدلجة واتكاء على مسببات وعلاقات جدلية بين اللغة الأم والجديدة… لا أعرف، حتى الآن أنا أفشل في التعلم، ولا أعرف أسباب ذلك. هل يعود الفشل إلى ما كان في المثل في صدر الإجابة عن السؤال، أم يعود إلى إحساسي بأن اللغة الألمانية صعبة ولا ملفات فارغة في رأسي لاستيعاب الجديد. ببساطة أفشل في التعلم وأعيد الكرّة. ولا أعرف إن كان سيقيض لي النجاح في ذلك”.

أما الكاتب رائد وحش فيرى أن “المفارقة الغريبة أنني تعلّمت الإنكليزية في ألمانيا، ورحتُ أستعملها وسيلة اتصال مع الآخرين، من دون أن أواجه صعوبةً في ذلك، لكون من أتواصل معهم، على قلّتهم، هم من المشتغلين في حقول الثقافة، وبالتالي غالبًا ما يتحدّثون الإنكليزية. اكتشفتُ هشاشة المثقف الذي لا يجيد لغة أجنبية. اللغة الثانية أكثر من كونها وسيلة تثقّف واتصال، هي كذلك فحصٌ للغة الأم، لا سيما إذا كان المرء يكتب شعراً، ففي هذه الحال، تصبح اللغة الثانية نوعًا من ينبوع للأساليب، التي يمكن للمرء أن يضيفها إلى ينابيع أفكاره ومواضيعه وحكاياته السرية”.

في المقابل ترى روزا حسن “أن فهم البلاد الجديدة وأمزجة أهلها حافز رئيسي بالنسبة إلي لتعلّم اللغة، أي ألا أبقى خارج المجتمع الذي قدمت إليه وأجبرت على المكوث فيه إلى أجل غير معروف. فاللغة هي مفتاح الدخول إلى الثقافات وفهمها. الاطلاع على ثقافات الناس وطرائق عيشهم وحكايات الآخرين وأساليب تفكيرهم يغني الكتابة جداً”.

لكن حسن تؤكد المكانة الخاصة للغة الأم “فهي شيء ثابت في الروح، لا يمكن أن يتأثر بحال من الأحوال وسأظل أكتب بها، خصوصاً أننا في زمن الترجمة، وفي هذه البلاد لا يفرض عليك أحد أن تكتب بلغة غير لغتك الأم، صحيح أن إمكانات النشر في المطبوعات والدور الألمانية أقل من إمكانات النشر في الإعلام العربي، إلا أنه يبقى خياراً شخصياً وغير مفروض. لنقل إن تعلّمي اللغة الجديدة كان أمراً انتهازياً من قبلي، لغة جديدة تعني ثقافة جديدة ونوافذ جديدة تنفتح في المخيال الإبداعي”.

برلين- غالية شاهين، خضر الآغا