أخبار عاجلة
الرئيسية » الشأن السوري » مخيم اليرموك.. عودة مؤجلة

مخيم اليرموك.. عودة مؤجلة

منذ العام 1956، وبموجب القانون رقم 260، تمتع اللاجئون الفلسطينيون في سورية بوضع قانوني، هو الأفضل مقارنةً بغيرهم من فلسطينيي بلدان الشتات الأخرى. وبحكم موقع سورية الجيوسياسي، وتبني النظام السياسي السوري، منذ 1963، خطابا يبرز القضية الفلسطينية مركزيةً بوصفها أحد أهم مكتسبات الشرعية السياسية داخليا وخارجيا، شهدت تجمعاتهم حراكا سياسيا واسعا، أسهم، من بين عوامل أخرى، في بلورة شخصيتهم الوطنية، فكان دورهم فاعلا ورياديا في مختلف مراحل الثورة الفلسطينية، واستقطب مستوىً عاليا من النضال الفلسطيني الفصائلي والشعبي، عسكريا وسياسيا. ولم يكن عبثا أن أطلق على تجمعهم الأكبر، مخيم اليرموك، وصف “عاصمة الشتات الفلسطيني”.

بحكم التداخل بين الوضعيتين الاجتماعيتين، الاقتصاديتين والسياسيتين، الفلسطينية والسورية، فشلت محاولات إبقاء المخيم على الحياد إزاء الأزمة السورية. أخذت بدايات تدخل المخيمات الفلسطينية في الأحداث طابعا إنسانيا إغاثيا، ليحتضن المخيم آلافا من سوريين نزحوا من أحياء دمشقية، وبلدات ريفية متاخمة للمخيم. ترافق ذلك مع تشكيل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة لجانا شعبية فلسطينية مسلحة، بالتنسيق مع السلطات السورية، وبعض الفصائل الفلسطينية الموالية لها داخل مخيم اليرموك، في مرحلةٍ شديدة التوتر، وبقيت تلك القوات محل خلاف فلسطيني.

انهارت الأوضاع الأمنية في المخيم كليا مع نهاية العام 2012، حين اقتحم تنظيم صقور الجولان المحسوب، في حينه، على المعارضة السورية المسلحة، واستمر نزوح أعداد متزايدة من الأهالي، خوفا من أعمال حربية متوقعة (سقطت في تلك الفترة قذيفة هاون في شارع الجاعونة في 2 /8 /2012، وأخرى صاروخية على جامع عبد القادر الحسيني في 6 /12/ 2018، أوقعتا عشرات القتلى والجرحى).

بدأ الخناق يضيق على المخيم منذ ديسمبر/ كانون الأول 2012، وبعد طرد التنظيم المذكور من “أكناف بيت المقدس”، المرتبطة بحركة حماس، انتهى الأمر إلى تطويق المخيم بشكل كامل من عناصر الجيش والأمن التابعين للحكومة السورية وفصائل فلسطينية موالية. ومع تزايد معاناة من بقوا من المدنيين في أزقة المخيم، بدأت تظهر مبادرات عديدة من أجل تحييد المخيم وفتح معابره، شاركت فيها منظمة التحرير، وفصائل فلسطينية، ولجان أهلية، لكن جميع المبادرات فشلت.

خضع المخيم لعملية استقطاب سياسي وأمني حاد بين الموالاة والمعارضة، ليدفع فاتورةً بكلفة مرتفعة في المشهد السياسي السوري المعقد، وشهد، منذ أواخر العام 2014، عمليات اغتيال احترافية ( لا تزال مجهولة الأهداف والفاعلين) راح ضحيتها كوادر من حركتي فتح وحماس من العاملين في المجال الإغاثي الطبي، حمّلت الـ”أكناف” تنظيم داعش في الحجر الأسود مسؤولية اغتيال مسؤول “حماس” السابق في المخيم، يحيى حوراني، واعتقلت بعض عناصره للتحقيق.

اقتحم “داعش” بعتاده وعديده مخيم اليرموك، وسيطر سريعا على أحيائه الجنوبية التي كانت تخضع لهيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقا)، فيما بدا تنسيقا مسبقا بين الطرفين. انتهى الاقتتال بسيطرة “داعش” على 80% من مساحة المخيم، لتتوقف كل محاولات إدخال المساعدات الإنسانية إلى المخيم، ما فاقم الوضع الإنساني، لكن الوضع الأمني الميداني شهد فترة طويلة حالة من الهدنة الحذرة بين مختلف الفرقاء في مختلف خطوط التماس، داخل المخيم وخارجه.

بعد فشل متوقع للمفاوضات بين الحكومة السورية والجانب الروسي من جهة، وتنظيم داعش من جهة أخرى، بهدف التوصل إلى اتفاق يحسم الوضع الميداني من دون عمل عسكري، شنت قوات الجيش والأمن السوريين، بدعم من الحليف الروسي، وفصائل فلسطينية موالية، عملية عسكرية شاملة على مناطق سيطرة التنظيم جنوب العاصمة، منذ منتصف شهر إبريل/ نيسان الجاري، (مستمرة حتى لحظة كتابة المقال).

على الرغم من تحضّر “داعش” للمعركة، يُتوقع أن يضيق الخناق عليه ليرحل بحد أدنى من الشروط. وفي حال قرّر التنظيم الاستمرار في القتال، ناقلا المعركة إلى داخل دمشق عبر “إنغماسييه”، أو متقدّما ليضرب في خطوط التماس، أو موسعا المعركة شرقا نحو مواقع تسيطر عليها المعارضة المسلحة، فإنه في هذه الحال يكون قد تعمد إطالة أمد معركة مكلفة وخاسرة في نهايتها، لن تنتج إلا مزيدا من الدمار للمناطق الجنوبية، بما فيها مخيم اليرموك.

تشير الأنباء المتواترة إلى حدوث دمار كبير في مخيم اليرموك، والحجر الأسود (يقطنه غالبية من نازحي الجولان السوري المحتل) مع وضع إنساني كارثي، نتيجة عدم إمكانية التحرّك والنزوح تحت القصف، وخلو تلك المناطق من مشافٍ ميدانيةٍ مجهّزة بالمستلزمات الطبية الضرورية لعلاج الجرحى. وتحدثت أنباء عن منع مسلحي المعارضة في يلدا الأهالي من العبور باتجاه مناطق الهدنة الآمنة شرقي المخيم، أو يكون “داعش” قام بذلك؟

ستكون لخسارة “داعش” المعركة نتائج سياسية لا تؤدي إلى خروج “داعش” وحده من المنطقة الجنوبية، بل بموجب تسويةٍ شاملةٍ تخرج معه كل التنظيمات الأخرى، بما فيها مسلحو مناطق يلدا وببيلا وبيت سحم. إن تم ذلك، فإنه لن يعني في كل حال عودة الفلسطينيين إلى مخيمهم في المدى المنظور.

الدمار الهائل في الأبنية السكنية والبنى التحتية، كلفة إعادة الإعمار المرتفعة، في ظل انعدام فاعلية ممثلهم الوحيد منظمة التحرير الفلسطينية، وعجز وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) إداريا وماليا، جغرافيا المخيم الملاصق للمدخل الجنوبي للعاصمة دمشق، والاحتياجات الأمنية للسلطات السورية لتأمين جنوب العاصمة (من داريا وحتى طريق المطار)، الذي كان البوابة الأوسع للاضطرابات المسلحة خلال الأزمة، الحسابات السياسية
لمختلف الأطراف، هذه كلها، وغيرها، عوامل تجعل العودة إلى المخيم مؤجلة، ليستمر من بقوا من سكانه فلسطينيين وسوريين داخل الأراضي السورية موزعين على أطراف العاصمة بشكل رئيسي، وبشكل أقل في مركزها.

حافظت الذاكرة الجمعية الفلسطينية على صور لمخيمات تم تدميرها، ولم تحتفظ بنقيضها، ولا تزال كثرة من سكان مخيم نهر البارد في لبنان، بعد عشرة أعوام ونيف، تنتظر عودة إلى منازلها. كما يشعر فلسطينيو سورية بالقلق، بعد أن لمسوا بوادر تراجع في وضعيتهم القانونية التي استقروا عليها منذ العام 1956، كاستثنائهم من إعلانات التوظيف الحكومي، والابتعاث العلمي، حيث حذفت عبارة “السوريين ومن في حكمهم”، كما جرت العادة في الإعلانات الرسمية. وفي حالاتٍ كثيرة، لم تعد تقبل أي وكالات قانونية يبرمها فلسطينيون غادروا الأراضي السورية لذويهم، وبات الحضور الشخصي لإنجاز المعاملات الرسمية شرطا لازما.

باتت الحرب السورية ملفا إقليميا ودوليا، ما يعرّض مسألة الوجود الفلسطيني في سورية لخطر تسوياتٍ إقليمية ودولية مفروضة من الخارج، لا تكون في صالح قضيتهم، وباتت مآلات وضعيتهم القانونية رهنا بهيكلية النظام السياسي السوري ما بعد الحرب. ومع مستقبلٍ مجهول، تستمر مخيماتهم في دفع ثمنٍ باهظ للسياسة والأمن والجغرافيا.

حسام أبو حامد