أخبار عاجلة
الرئيسية » مجتمع » الوجه الآخر للكارثة: سد النهضة يدمر النسيج الاجتماعي المصري

الوجه الآخر للكارثة: سد النهضة يدمر النسيج الاجتماعي المصري

حذر خبراء الزراعة والسدود والري من آثار اقتصادية وبيئية كارثية لسد النهضة الإثيوبي على مصر بسبب انخفاض تدفق المياه أثناء سنوات الملء الأول لخزان السد، والتي ستستغرق من 5 إلى 7 سنوات، ولا سيما أن الأنشطة الزراعية والصناعية والاحتياجات المنزلية ومياه الشرب في مصر تعتمد على مياه النيل بنسبة لا تقل عن 97%، إن لم تكن 100%.

وحسب الدراسات العلمية فإن ملء إثيوبيا خزان السد بالمياه خلال 4 سنوات سيقتطع 25 مليار متر مكعب من حصة مصر المائية، ما يدفع مصر إلى تعويض هذا العجز من المخزون الحي لبحيرة السد العالي، والبالغ 60 مليارًا، الأمر الذي يؤدي إلى تفريغها تماما من المياه بعد 3 سنوات، وفي السنة الرابعة يتم تبوير 5 مليون فدان على الأقل من الأراضي الزراعية، بمعدل مليون فدان لكل 5 مليارات متر مكعب من المياه.

ومن جهة أخرى، فإن الدراسات الاجتماعية والتي تُعنى بدراسة آثار هذا السد العملاق على النسيج الاجتماعي للريف المصري، واستقرار الأسر فيه، والسلم الأهلي والاجتماعي بين طبقات ومكونات هذا النسيج الاجتماعي للشعب المصري كله لم تنل، على خطورتها، الاهتمام ذاته الذي نالته دراسات آثار السد الاقتصادية والبيئية على مصر.

وليس أدل على خطورة سد النهضة على الحياة الاجتماعية في الريف من تصريح وزير الري، محمد عبد العاطي، يوم 2 إبريل/نيسان، بأن فقدان مصر 2% من المياه، بما يعادل مليار متر مكعب، يعني فقدان 200 ألف أسرة وظائفها، ما يجعلهم عرضة لأخطار التطرف.

ويتراوح متوسط عدد الأفراد داخل الأسرة الواحدة بين 4 و5 أفراد، وفق بيانات جهاز التعبئة العامة والإحصاء الحكومي، ما يعني أن فقدان 25 مليار متر مكعب من مياه النيل في الملء الأول لخزان سد النهضة سوف يؤدي إلى تبوير 5 ملايين فدان، وتشريد 5 ملايين أسرة وتعريض أفرادهم البالغين 25 مليون مواطن مصري لأخطار التطرف.

زلزال في الريف

إن تبوير 5 ملايين فدان يعني فقدان أكثر من 50% من الرقعة الزراعية الحالية والبالغة 9 ملايين فدان، ويعني تشريد 25 مليون مصري، وهم نصف عدد الريفيين، البالغين 57 مليون نسمة، وينشأ عن هذا السيناريو هجرة المزارعين من الريف إلى المدن، وارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة، قد تكون سببا في خلق قلاقل اجتماعية على نطاق واسع.

ومع إهمال الحكومة الآثار الاجتماعية لسد النهضة العدواني، فقد أجرى مجموعة من الباحثين المصريين في معهد بحوث الإرشاد الزراعي والتنمية الريفية، التابع لمركز البحوث الزراعية، دراسة جريئة لاستطلاع رأي 100 خبير من الحاصلين على درجة الأستاذية المتخصصين في علوم المياه والري، والسدود، والاجتماع الريفي، والإرشاد والاقتصاد الزراعي، والعاملين في المركز القومي لبحوث المياه، ومركز البحوث الزراعية، ومركز بحوث الصحراء، والمركز القومي للبحوث، ونشرت الدراسة في مجلة الاقتصاد الزراعي والعلوم الاجتماعية، بجامعة المنصورة، في العام 2015، تحت عنوان، بعض الآثار الاجتماعية-الاقتصادية المتوقعة لسد النهضة الإثيوبي على الريف المصري.

وتوقع الخبراء أن يصيب سد النهضة المجتمع الريفي بزلازل يبدد نسيجه الاجتماعي الذي استقر عبر آلاف السنين. وأكدوا أن نقص الحصة السنوية من مياه النيل يؤدي إلى زيادة الفجوة الغذائية وارتفاع أسعار الغذاء، ومعدلات الفقر الريفي، والذي تتخطى نسبته 70% في محافظات صعيد مصر، و60% في محافظات الوجه البحري، وزيادة تدهور جودة الحياة الريفية، ومعدلات الإصابة بالأمراض، وزيادة جرائم السرقة وتعاطي المخدرات والعنف، مع زيادة التهميش والنبذ الاجتماعي للريفيين، والعجز عن المشاركة الاجتماعية والاغتراب الداخلي والتفاعل السياسي.

هجرة جماعية

مع توقع نقص مياه الري، فإن هناك توقعات بزيادة البطالة وغلاء السلع والفقر، وبالتالي زيادة معدلات هجرة الريفيين الداخلية إلى المدن، والخارجية إلى الدول العربية، وزيادة موجات الهجرة غير الشرعية إلى دول الاتحاد الأوروبي، على خطورتها وتعرض أصحابها للغرق في البحر المتوسط.

وتأكيد ذلك، ما كشفته منظمة الهجرة الدولية من احتلال مصر المركز الأول في الهجرة غير الشرعية للأطفال عبر البحر المتوسط، حتى 2016، وسجلت المنظمة هجرة 2000 طفل من مصر إلى إيطاليا في 2014، وقالت إنها زادت في 2015 إلى 2600 طفل، فيما أعلنت السلطات الإيطالية عن زيادة أعداد الأطفال المصريين في 2016 إلى 2500 طفل، وهو ما أقرته وزيرة الهجرة وشؤون المصريين في الخارج، نبيلة مكرم.

خبراء الاتحاد الأوروبي يتوقعون أيضًا تضاعف أعداد الهجرة بعد كارثة سد النهضة، ومن أجل مواجهة أسباب الهجرة غير الشرعية المنطلقة من مصر إلى أوروبا، عقد الاتحاد اتفاقية مع مصر باسم، 2017/2020، بقيمة نصف مليار يورو دفعها الاتحاد ضمن مساعدات مالية بلغت 1.5 مليار يورو منذ تولّي السيسي الحكم حتى منتصف 2017، لحماية شواطئ أوروبا من المصريين، هذا غير 11 مليار يورو هي جملة مساعدات ومنح وقروض من دول الاتحاد منفردة لمصر لمحاربة الهجرة غير الشرعية، بحسب تصريح سفير الاتحاد الأوروبي بالقاهرة، إيفان سوركوش.

تتوقع دراسة خبراء البحوث المصريين انقراض مهنة الصيد بعد كارثة السد، وزيادة البطالة بين الصيادين، وتضرر الثروة السمكية بسبب تلوث المياه. والسؤال الملح هنا هو، ما مصير الصيادين العاطلين عن الصيد؟!

لقد بدأ شباب الصيادين بالفعل ركوب البحر المتوسط والهجرة غير الشرعية إلى أوروبا. وتُعلق وزيرة الهجرة على زيادة هجرة الأطفال المصريين إلى أوروبا، وتقول إن قرية برج مغيزل هي المُصدِر الأول للرحلات غير الشرعية التي كشفت عنها منظمة الهجرة الدولية.

وقرية برج مغيزل هي أكبر وأقدم قرية مصرية عرفت مهنة الصيد، تطل على البحر المتوسط ويقطنها 18 ألف نسمة، يعمل 95% منهم بمهنة الصيد، وتمتلك ثُلث مراكب الصيد في مصر، استولت القوات المسلحة، بأوامر من الجنرال السيسي، على مزرعة الصيد المجاورة للقرية والبالغ مساحتها 26 ألف فدان، ولم يجد صيادوا القرية بُدٌ من السفر للصيد أمام سواحل ليبيا، والهجرة إلى أوروبا.

تكاليف ري المحاصيل
تتوقع الدراسة ارتفاع تكاليف ري المحاصيل، واستنزاف المياه الجوفية، وتوقف برامج استصلاح الأراضي الزراعية، وتقلص المساحة المزروعة، وتراجع معدل النمو الاقتصادي الريفي، وتغيير النشاط الاقتصادي الرئيسي للمجتمعات الزراعية، وزيادة الحاجة إلى برامج الأمان الاجتماعي للريفيين، وتدهور الإنتاجية الزراعية للمحاصيل، وفقدان الأراضي الزراعية في أغراض أخرى غير الزراعة وإلى الأبد، وتدني قيمتها الاجتماعية، واختفاء بعض المحاصيل الزراعية مثل الأرز.

وقد زاد بالفعل لجوء المزارعين إلى حفر الآبار الارتوازية وزيادة معدلات شراء ماكينات رفع مياه الري، بسبب تراجع كميات المياه في الترع والقنوات، وقد سجلت عدسات الصحافيين انخفاض مناسيب المياه في مجرى نهر النيل، وظهور الجزر في قاعه، و”شحوط” المراكب السياحية مرات عديدة خلال نفس المدة.

كل هذه الشواهد تؤكد توقعات خبراء البحوث الزراعية بزيادة تكاليف ري المحاصيل، مع ما تضيفه هذه الإجراءات من تكاليف جديدة تثقل كاهل المزارعين وتضاف إلى تكاليف الأسمدة الكيماوية، والبذور، وضرائب الأراضي الزراعية التي تضاعفت جميعها أخيرًا.

الاقتتال على المياه

تتوقع الدراسة أن يؤدي شح المياه إلى الاقتتال فيما بين الفلاحين على مياه الري، وتقطع علاقات الجوار والأواصر الاجتماعية بينهم.

وبالنظر في الواقع، فقد سجلت أقسام الشرطة حالات نزاع متعددة وتشاجر بين الفلاحين، خلال السنوات الثلاثة الماضية على وجه الخصوص، وأفضت هذه المشاجرات إلى جرائم قتل، وكان السبب الشائع في هذه النزاعات الخلاف على أولوية الري.

وتكررت حالات قتل الفلاحين هذه في عموم المحافظات، في المنيا، والفيوم، وكفر الشيخ، والمنوفية، والبحيرة، ورصدتها صفحات الحوادث في الصحف القومية والموالية للنظام، ما يذكر بظاهرة قتل المصريين في طوابير الخبز بسبب نقص كمياته، قبل ثورة يناير بسنوات، وكانت ضمن أسباب أخرى عجلت باندلاعها.

وفي فبراير الماضي، عاقبت محكمة جنايات أسيوط أمين شرطة وشقيقه بالسجن المشدد 7 سنوات وغرامة 10 آلاف جنيه لقتلهما فلاح بسبب خلاف على أولوية ري أرض زراعية.

وقعت الجريمة في شهر يونيو الماضي، وهو وقت من المفترض ألا تقل فيه مناسيب المياه. وبدأت الجريمة بمشادة بين المتهمين وجارهم بسبب أولوية ري الأرض الزراعية الخاصة بهم، وتطورت الى اشتباكات قام على أثرها المتهم الأول بإحضار بندقية آلية وأطلق منها عدة طلقات أدت إلى مقتل المزارع.