أخبار عاجلة
الرئيسية » الشأن السوري » استقالات الائتلاف الوطني السوري: تمهيد لتأسيس إطار جديد للمعارضة

استقالات الائتلاف الوطني السوري: تمهيد لتأسيس إطار جديد للمعارضة

يوحي شكل تقديم استقالات قيادات وأعضاء من الائتلاف الوطني السوري، أمس الأربعاء، والأجواء التي سبقتها، مع معلومات ضئيلة يصرّ أصحاب الشأن على إبقائها طيّ الكتمان إلى حين اكتمال التحضيرات، بأن إطاراً جديداً للمعارضة السورية يتم التحضير لإطلاقه إلى العلن، من دون تحديد شكل الإطار ولا تاريخ ولادته ولا الغطاء الإقليمي الذي من الممكن أن يُعطى له. لكن المعلومات المؤكدة التي حصلت عليها “العربي الجديد”، تفيد بأن مجموعة كبيرة من مؤسسي الائتلاف، وقبله المجلس الوطني السوري، تداعوا للاجتماع في الأيام والأسابيع الماضية، في عدد من مدن المنطقة، على خلفية عدم رضاهم عن أداء الائتلاف الوطني الحالي والهيئة العليا للتفاوض التي يرأسها نصر الحريري، وانخفاض سقف موقفهما وأدائهما تحديداً خلال مجازر الغوطة الشرقية وما تلاها، وبقاء السقف السياسي للائتلاف وللهيئة العليا محكوماً بما صار يعرف بمسار أستانة الذي تحدد روسيا خطوطه العريضة للتوصل إلى ما تسميه “الحل السوري”، فضلاً عما يسميه هؤلاء المعارضون المخضرمون “انقلاباً” نُفذ بحقهم في انتخابات الهيئة العليا للتفاوض أخيراً في الرياض، وعلى أثرها استقال عدد من قيادة الهيئة العليا للتفاوض المنبثقة من الائتلاف، في مقدمتهم حينها منسق الهيئة رياض حجاب، الذي تفيد المعطيات الحالية بأنه سيكون المحور الرئيسي في أي إطار معارض جديد يتم العمل لإطلاقه قريباً فور الاتفاق على تفاصيله السياسية والتنظيمية.

وتوالي الاستقالات من الائتلاف الوطني السوري أمس، قبل أيام من موعد الخامس من مايو/ أيار المقبل المحدد لانتخاب قيادة جديدة للائتلاف، شمل أعضاء مهمين وظلوا لفترة طويلة في الدائرة الضيقة لصنع القرار في العنوان السياسي الأبرز للثورة السورية منذ أواخر عام 2012، وأبرزهم جورج صبرا وخالد خوجة وسهير الأتاسي، مع ترجيح أن تتسع دائرة المغادرين لتشمل وجوهاً بارزة أخرى مثل رياض حجاب وغيره من سياسيين وعسكر.

وبينما قللت مصادر في الائتلاف من أهمية هذه الاستقالات “المتوقعة”، إلا أن معارضين سوريين يرون أن الائتلاف بات بأمسّ الحاجة إلى “إصلاح وتقويم وإلا إعلان حل نفسه”، إذ لم يستطع القيام بالمهام المنوطة به وهو ينتقل من فشل إلى آخر. وكان جورج صبرا أول المعلنين عن استقالته من الائتلاف، وأرجعها إلى أن “الائتلاف لم يعد ائتلافنا الذي حمل أمانة الإخلاص لمبادئ الثورة وأهداف الشعب، ولأن طرق العمل والتدابير المعتمدة لا تحترم الوثائق والقرارات، ولا تلتزم إرادة الأعضاء والرؤية الوطنية السورية المستقلة وبسبب التناقضات الجارية بين مكوناته وأعضائه”.

كما أعلنت سهير الأتاسي انسحابها من الائتلاف، “بعد أن أصبح المسار الرسمي الحالي للحل السياسي في سورية متطابقاً مع المسار الروسي الذي يعيد تأهيل منظومة الأسد ومجرمي الحرب ويقوّض الحل السياسي الفعلي والجوهري، فيحيله إلى تقاسم سلطات ومنافع لقوى وشخصيات ودول”، وفق ما جاء في بيان الانسحاب. وأوضحت الأتاسي أن “الاستقالة ليست مفاجئة”، مضيفةً: “جنّدنا عملنا داخل المؤسسات الرسمية ضد المسار الروسي المطروح والمبني على المشاركة مع منصات موسكو وقدري جميل، وأصبح الحل وفقاً لهذا المسار هو الحديث عن دستور وانتخابات”. ولفتت إلى أن “المسار الروسي هو المطروح حالياً في جنيف، وهو مشروع إعلان الهزيمة”، مشيرة إلى أنه “لا يمكن اعتبار الاستقالات التي حدثت بأنّها تعبّر عن توجّه جماعي، وإنما هو توجّه يضم الكثير من السوريين في الداخل والخارج، ممن يشعرون بأن المسار المفروض في جنيف هو مسار إعلان هزيمة واستسلام، ويدعون إلى مسار آخر هو مسار استقلال القرار، ورفض إعلان الهزيمة”. وأوضحت أن “التحدي الذي واجهناه هو إما الاستسلام لهذا الطرح الروسي، والانخراط به، أو الزوال من المشهد كمؤسسات أو شخصيات، لذلك هناك مجموعة من الشخصيات رأت أن هذا الطرح غير وطني وثوري وفضلت عدم الانخراط فيه”، مشيرة إلى أن “هناك من فضّل البقاء تحت الابتزاز الذي تعرض له وفي واجهة المشهد السياسي الموجود وانخرط في هذا المسار”.

كما أعلن خالد خوجة، وهو رئيس سابق للائتلاف، استقالته، مشيراً إلى إيمانه “بضرورة استقلالية القرار الثوري، وضرورة استمرارية العمل الوطني خارج إطار الائتلاف”، مؤكداً تأييده ما ورد في بياني صبرا والأتاسي. كذلك أعلن فصيل “لواء المعتصم” المقاتل ضمن فصائل “درع الفرات” التابعة للجيش السوري الحر، سحب اعترافه بالائتلاف الوطني. وقال المتحدث باسمه مصطفى سيجري، في تغريدة على موقع “تويتر”: “مع استمرار الموت السريري للائتلاف الوطني وعجز القلة الصادقة من أعضائه في النهوض بواقعه المتردي وعدم القدرة على استرداد قراره الوطني، وفشل المصلحين في إبعاد العصابة المسيطرة على “الجسم” الذي يفترض أن يكون مثالاً للعملية الديمقراطية التي ينشدها الشعب السوري، نعلن سحب الاعتراف به”.

واستغرب المتحدث باسم هيئة التفاوض، يحيى العريضي، هذه الاستقالات، مشيراً إلى أنه “كان ينبغي على المستقيلين عرض ملاحظاتهم في اجتماع للهيئة العامة للائتلاف واتخاذ القرارات اللازمة لتصحيح المسار، بدل اللجوء إلى إجراءات ذاتية تُعدّ بمثابة هروب من تحمّل المسؤولية”. وأشار العريضي إلى أن الائتلاف يمتلك الصفة التمثيلية للشعب السوري، مضيفاً: “اعترفت أكثر من مائة دولة بالائتلاف ممثلاً للسوريين، لذا من الأولى إصلاحه، وإصلاح كل مؤسسات الثورة والمعارضة السورية وليس العمل على تقويضها”.

وفي السياق، قلّلت مصادر في الائتلاف الوطني من أهمية الاستقالات، مشيرة إلى أن المستقيلين “هم خارج الهيئة السياسية للائتلاف”، معتبرة أن فرص هؤلاء في الانتخابات المقبلة “قليلة”، مضيفة: “ليست المرة الأولى التي يعلن فيها أعضاء في الائتلاف استقالتهم منه”. ومن المقرر أن تجرى في الخامس والسادس من الشهر المقبل انتخابات داخل الائتلاف لاختيار رئيس جديد ونواب له، إضافة إلى انتخاب أعضاء الهيئة السياسية، وأمين عام جديد. ويرأس الائتلاف حالياً بالوكالة عبدالرحمن مصطفى إثر استقالة رئيسه المنتخب رياض سيف أخيراً لأسباب صحية.

ويحمّل جانب من الشارع السوري المعارض، الائتلاف مسؤولية الفشل السياسي للثورة والمعارضة السورية، إذ لم يستطع النهوض بمهامه، بل بقي أسير التجاذبات الإقليمية والدولية، وتحوّل إلى عبء سياسي إضافي على الثورة، خصوصاً أنه لم يقم بمبادرات وطنية من شأنها توحيد جهود المعارضين السوريين للنظام الذي استفاد كثيراً من تشظّي المعارضة السورية وتعدد منصاتها. كما يرى كثيرون أن ارتهان الائتلاف لإرادة دول مؤثرة في الملف السوري، أفقده الكثير من مصداقيته، وهو ما ظهر جلياً في الفترة الأخيرة، في ظل أداء ضعيف إزاء أحداث كبيرة جداً ضربت الداخل السوري.

وتناوب على رئاسة الائتلاف الكثير من الشخصيات السورية الثورية والمعارضة منذ تأسيسه في الدوحة أواخر عام 2012، وضم عدداً من المكوّنات الثورية والمعارضة بما فيها الفصائل المقاتلة. كما ضم المجلس الوطني الكردي، والمجلس التركماني، وحاول أن يكون ممثلاً لجميع القوميات السورية. وما يُحسب للائتلاف بحسب المصرّين اليوم على بقائه إطاراً معارضاً أوسع، أنه لم ينجر إلى المحاولات الروسية والإيرانية للتوصل إلى حل سياسي يبقي بشار الأسد في السلطة، إذ يُعد أعضاء الائتلاف من “صقور” المعارضة السورية، فيما تعد هيئات ومنصات سياسية أخرى من “الحمائم”، أبرزها هيئة التنسيق، ومنصتا القاهرة، وموسكو. وكان إدخال الأخيرة إلى هيئة التفاوض سبباً لخلاف كبير في المعارضة التي تعتبرها صنيعة الروس وتسوّق لرؤيتهم في سورية التي تقوم على تثبيت النظام وتكريس الاحتلال الروسي للبلاد.

وردّ عضو بارز في الائتلاف الوطني، على المستقيلين، معتبراً أن عدداً من أعضاء الائتلاف الذين تم استبعادهم من مؤتمر الرياض 2 الذي عُقد أواخر العام الماضي، وأبرزهم الأعضاء المستقيلون، “عملوا على تقويض الائتلاف بطريقة ناعمة”، مشيراً إلى أن رئاسة الائتلاف فتحت حواراً معهم في الفترة الماضية من أجل رأب الصدع بالمواقف “ولكن من دون جدوى”.

ولفت إلى أن المستقيلين ومن تُتوقع استقالته، يرون أن مؤتمر الرياض 2 تمخّض عن فريق مفاوض “رخو” يمكن أن يتنازل عن ثوابت الثورة، وأن يوافق على حل سياسي يبقي الأسد في السلطة، وهو ما يتماهى مع الرؤية الروسية للحل في سورية، مستشهدين بقبول إدخال منصة موسكو إلى الهيئة العليا للمفاوضات. واعترف المصدر بأن الاستقالات جاءت في توقيت “بالغ السوء، وفي المرحلة الأصعب في مسار الثورة السورية”، مضيفاً: “بالتأكيد ستضر بمشهد المعارضة السورية، ولكنها لن تؤدي إلى تقويض الائتلاف الوطني الذي يعد الضمانة الحقيقية للثورة والمعارضة”. ولفت المصدر إلى أن الائتلاف خسر جهود الكثير من أعضائه مرات عدة، مشيراً إلى أن الائتلاف تأثر بعد خروج ميشال كيلو مثلاً وأعضاء آخرين في كتلته منه، مرجحاً أن يتقدّم أعضاء آخرون باستقالتهم من الائتلاف، “ربما منهم رياض حجاب وفاروق طيفور”.

وحول نيّة الأعضاء المستقيلين تشكيل جسم سياسي جديد يكون منافساً للائتلاف في المرحلة المقبلة، أكد المصدر أن هناك توجهاً لدى معارضين سوريين لتشكيل هذا الجسم “ولكن الظرف الإقليمي غير مناسب”، مشيراً إلى أن الأعضاء المستقيلين عقدوا اجتماعاً في اسطنبول منذ أيام، وقرروا تقديم الاستقالات قبيل أيام من اجتماع الهيئة العامة للائتلاف وبطريقة كان المقصود منها إحداث إرباك شديد. ورجح وجود دفع من قوى إقليمية لتشكيل جسم منافس للائتلاف، مقراً بأن الاستقالات “ستلقي بظلالها على اجتماع الهيئة العامة للائتلاف بعد أيام”، مرجحاً اختيار عبدالرحمن مصطفى أو هادي البحرة لرئاسة الائتلاف في المرحلة المقبلة.