أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » بؤس مجتمعنا المدني يكتبها عمر قدور

بؤس مجتمعنا المدني يكتبها عمر قدور

واحدة من الوثائق التي اعتُمدت ضمن وثائق مؤتمر بروكسل الذي عُقد الثلاثاء الماضي للهيئات المانحة كانت رسالة باسم “المجتمع المدني السوري”، وأدى انكشاف هذه الرسالة إلى لغط شديد على وسائل التواصل الاجتماعي، لما تحمله من فهم “خاص” للصراع السوري يفترق عما هو موضع اتفاق بين غالبية معارضي الأسد. في التوضيحات التي تلت نشر الرسالة يتبين صدورها عن “غرفة المجتمع المدني” التابعة للمبعوث الدولي ديمستورا، إلا أن كواليس صياغة الرسالة على هذا النحو بقيت غامضة، مثلما بقي غامضاً دور المنظمات التي تساهم في تلك الغرفة عادة.

على سبيل المثال تشير الرسالة مرات عديدة إلى (( أطراف الصراع أو جميع الأطراف، فيما يبدو أنها لغة حيادية ترفض الانتهاكات من أية جهة أتت. ولا ذكر حتى لمرة واحدة لتنظيم الأسد، )) على الأقل لأنه الطرف الوحيد الذي يتمتع بشرعية دولية تامة من خلال تمثيله سوريا في الأمم المتحدة، وما يترتب على هذا التمثيل من مسؤولية إزاء الاتفاقيات الدولية الذي وقع عليها بصفته هذه. هنا مثلاً لا يستقيم تحت ادعاء الحيادية اعتبار تنظيم الأسد طرفاً مساوياً لداعش أو النصرة، فالتنظيمين الأخيرين مصنفين بقرارات دولية على لائحة الإرهاب، والتعاطي معهما أكثر جذرية من انتهاكات يرتكبانها في حق السوريين.

ضمن اللغة الحيادية المخادعة دائماً هناك مساحة للتنصل من هدفها الأساسي، إذ يسهل على واضعيها التساؤل: ألم ترتكب فصائل معارضة أخرى انتهاكات موصوفة في حق المدنيين أو في حق الأسرى؟ ولعدم إمكانية إنكار هذه الوقائع (( سنبدو كأننا أمام أطراف متساوية حقاً، لا يعني شيئاً ضمن تساويها المعيار الكمّي الذي يمتاز به تنظيم الأسد، مثلما لا تعني أي شيء أسبقية الأخير في ارتكاب الانتهاكات خلال عقود. )) بل على العكس تأتي الإشارة المضمرة الوحيدة إلى تنظيم الأسد من بوابة المطالبة برفع العقوبات الدولية، بدعوى إضرارها بـ”الاقتصاد الوطني السوري” وبخاصة قطاعي الصحة والتعليم كنوع من الابتزاز العاطفي. أيضاً تأتي ((الإشارة من بوابة المطالبة بإعادة العلاقات القنصلية مع تنظيم الأسد،)) تحت زعم تلبية حاجات السوريين في بلدان اللجوء، مع معرفة واضعي الوثيقة بأن إعادة العلاقات القنصلية هي شأن سياسي لا يمكن فصله عن إعادة تدوير الأسد.

أيضاً يبدي واضعو الوثيقة حرصهم على وقف “الهندسة الديمغرافية” من جميع الأطراف، وهكذا يَحِل تعبير “الهندسة” الملطّف بدل الحديث عن تهجير قسري، ولا شك في أنهم يعلمون الفرق جيداً، فاستخدام الوصف الواقعي الصحيح “التهجير القسري” يترتب عليه المطالبة بمحاكمة مرتكبيه على جريمة تُعد في القانون الدولي جريمة حرب وإبادة. بدلاً من ذلك يطالب واضعو الوثيقة بما يسمونه “عدالة انتقالية وطنية غير انتقامية وغير مسيّسة”، عطفاً على مطالبتهم بسلام مستدام عبر حوار سوري-سوري! هنا يجب ألا ننسى مواظبة تنظيم الأسد على المطالبة بحوار سوري-سوري، غايته الأساسية التملص من الضغوط الدولية والتملص أخيراً من أي حوار أو مساءلة جديين. ومن المستغرب لمن يدعو إلى عدالة انتقالية ألا يلحظ ربطها بعملية انتقال سياسي كاملة، مثلما من المستغرب لمن يطالب بعدالة غير انتقامية وغير مُسيّسة ألا يطالب بمحكمة دولية خاصة بالملف السوري من شأنها أن تضمن عدم تسييسها وعدم ثأريتها.

القول بأن غرفة ديمستورا للمجتمع المدني السوري مفصّلة على مزاج المبعوث الدولي وداعميه صائب، بقدر عدم مغادرتنا الصواب إذا تحدثنا عن سوريين يقبلون بذلك المزاج لاعتبارات شتى، لا يُستبعد أن تكون السياسة في ذيلها بالنسبة لبعضهم. غرفة ديمستورا “من حيث الشكل” تضم من يُفترض أنهم ممثلو المجتمع المدني في مناطق سيطرة الأسد، ومن يُفترض أنهم ممثلو المجتمع المدني في المناطق الخارجة عن سيطرته أو في مناطق النزوح الخارجي، وهذه القسمة تعني “شكلياً أيضاً” فتح قنوات تواصل وتفاهم بين الطرفين خارج السياسة المباشرة، أما في أصل تشكيل الغرفة فيفترض بالطرفين العمل على عدم تهميش قضايا المجتمع السوري في أية تسوية قادمة يتوسط فيها المبعوث الدولي.

إذا غادرنا ما هو شكلاني، نعلم جميعاً استحالة وجود منظمات مجتمع مدني لا تخضع مباشرة لسلطة تنظيم الأسد، ومعروف على نطاق واسع أن القسم المعوَّم منها يخضع لإشراف أسماء الأسد تحديداً. أما منظمات المجتمع المدني السوري التي أنشئت بعد الثورة فهي تثير التباساً من نوع آخر، إذ أن قسماً كبيراً منها يتموّل من جهات حكومية غربية، وهذا التمويل يأتي غالباً ضمن سياسات خارجية ومن وزارات الخارجية أيضاً، وتأسيس قسم كبير من المنظمات أتى بمبادرات فردية لم تتمأسس في ما بعد، وبقيت هذه المنظمات أقرب إلى إقطاعات شخصية حتى إذا لعب بعضها دوراً إغاثياً أو تنموياً بسيطاً هنا أو هناك.

أصلاً لا يعترف تنظيم الأسد بالمجتمع السوري، ولا تسمح بنيته القمعية بتوزيع السلطة، كي يسمح بمؤسسات مجتمع مدني حقيقية. وفي الشتات نجافي الواقع إذا تحدثنا عن مجتمعات سورية تنتظم وتشكل مؤسساتها الخاصة، وكما نعلم فإن منظمات المجتمع المدني في لبنان والأردن وتركيا هي عملياً خارج المخيمات، وهي بمثابة زائر غير مقيم للأخيرة، بصرف النظر عن تقييم الخدمات التي تقدّمها. العلة الأساسية في الحالتين، قمع المجتمع في الحالة الأولى، وعدم وجود مجتمع في الحالة الثانية، إذ سيكون من التجني وصف تجمعات النزوح القسري بالمجتمع.

لفهم أفضل ينبغي ربط “غرفة ديمستورا للمجتمع المدني” وما يشبهها بالنظرة التي تنص على أن ما يحدث في سوريا حرب أهلية، ضمن هذه النظرة يصبح التحدث عن “جميع الأطراف” بالتساوي منطقياً. وإذا غادرنا وصف كل ثورة بأنها حرب أهلية فإن العيب الأساسي في التوصيف الدولي المشار إليه عدم ملاحظة وجود طرف واحد يستولي على مقدرات الدولة السورية ويستخدمها لإبادة الطرف الآخر أو التضييق الشديد عليه، ويحظى بشرعية تمثيل سوريا في المحافل الدولية، بل إن المجتمع الدولي لم يقترب يوماً من القول بأن استجلابه الميليشيات ودول الاحتلال للمشاركة في قتل سوريين آخرين هو سلوك غير شرعي. هذه الوضعية القانونية لا تستقيم مع اعتبار تنظيم الأسد طرفاً في الصراع فحسب، ولاعتباره طرفاً يتوجب على منظمات المجتمع المدني الحقوقية خوض معركة من نوع آخر، هي معركة تجريده من الشرعية الدولية.

ليست القضية في رسالة ينسب أصحابها إلى أنفسهم تمثيل المجتمع المدني السوري بغير حق، هي في اندراج الرسالة نفسها في عملية تدليس أكبر وأوسع. وإذ لا ينسى أصحابها اختتامها بإنشاء بليد وسخيف، من نوع الإشارة إلى سبعة آلاف سنة من الحضارة السورية، لا يتورعون خلف الإنشاء عن اعتبار أبناء تلك الحضارة غير جديرين سوى بفتات الحقوق التي يمنّ بها عليهم صاحب مفتاح غرفتهم؛ السيد ديمستورا.

يكتبها عمر قدور لموقع المدن



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع