أخبار عاجلة
الرئيسية » كتب » عندما تفشل الرقابة ويصبح المنع سبيلاً للترويج: قائمة بـ8 نماذج من الكتب العربية التي تعرضت للمنع

عندما تفشل الرقابة ويصبح المنع سبيلاً للترويج: قائمة بـ8 نماذج من الكتب العربية التي تعرضت للمنع

يتعرض الكاتب المصري علاء الأسواني لمضايقات أمنية.

كان قد انتهى صاحب رواية “عمارة يعقوبيان” من رواية جديدة معنونة بـ”جمهورية كأن”، غير أنّ خوف دور النشر من ردة فعل السلطة الحالية دفعه لأن ينشر عمله بدار الآداب اللبنانية.

من الجدير بالذكر أنه منذ عدة أشهر كانت هناك ندوة ستعقد للكاتب في دار ميريت للنشر ولكن الأمن حاصر المكان، واصطحب شرطة المصنفات التي ألقت حينها القبض على زين، شاب متطوع للعمل بميريت، وقامت بزجه في الحجز إلى أن أفرجت عنه النيابة.

ثم جاءت رواية الأسواني الأحدث لتؤكد أن تلك الممارسات القمعية من قبل السلطة ليست وليدة المصادفة بل إنها متعمدة وممنهجة أيضاً.

ورغم نشر الرواية بدار غير مصرية إلا أن المضايقات الأمنية لم تتوقف عند هذا الحد فتم حجزه بمطار القاهرة ومصادر أوراقه وجهاز اللا بتوب الخاص به.

يعد ما تفعله الحكومة المصرية اليوم محاولة لحجب إبداع وملاحقة مبدع تعتبره خصيماً سياسياً لها أمر يستحق التوقف والتأمل. وهو ما يدفعنا للتساؤل: هل يمكن حجب الإبداع فعلاً؟ وما جدوى ما تفعله السلطة في هذا الشأن؟

هنا سنعرض عدة نماذج من الكتب العربية التي تعرضت للمنع، فكان المنع وسيلة لترويجها، حيث فشلت الرقابة في التحكم بـ”حياة” هذه الأعمال التي وصلت إلى أيدي المئات والآلاف من القراء.

“الشعر الجاهلي” لطه حسين: أن يكون الحكم قاضٍ تنويري

في عام 1926 أصدر طه حسين كتابه “عن الشعر الجاهلي”، وفي العام نفسه تقدمت مؤسسة الأزهر بخطاب للنائب العمومي على أن هذا الكتاب طعنٌ صريحٌ في القرآن، بعدها قدم النائب عبد الحميد البنان بلاغاً ضد العمل متهماً بأنّ ما جاء فيه يعدُّ تعدياً على الدين الإسلامي. ونتيجة لذلك، تحول طه حسين إلى التحقيقات.

صادف أنْ أجرى التحقيق المستشار محمد نور رئيس نيابة مصر في 30 مارس 1927 ومن خلال التحقيقات تبين للمحقق براءة الكاتب من التهم المنسوبة إليه، ورغم ذلك تمّ عزل طه من منصبه كعميد لكلية الآداب.

ترجع الضجة التي حدثت في مطلع القرن الفائت إلى نقد العميد لتاريخ الأدب، وبالأخص الشعر الجاهلي، موضحاً أن الكثير من شعر الجاهلية منحول، حيث يؤكد أن ما وصل إلينا من شعراء الجاهلية مغلوط ولا يمثل العصر المنتسب إليه بالإضافة لطعنه في العديد من الشعراء كـ أمرئ القيس، وطرفة بن العبد.

ويعتبر الكتاب في مجمله محاولة لإعادة النظر في تاريخ الأدب العربي ولكن مؤسسة الأزهر شعرت بأن هذا الكتاب يهدد الثوابت التي تعمل على حمايتها فتحركت أقلام رجالها للرد على الكتاب، فكتب شيخ الأزهر محمد الخضر حسين “نقض كتاب الشعر الجاهلي” وكتب مصطفي صادق “راية القرآن”، ومحمد لطفي جمعة “الشهاب الراصد”.

ربما يكون نقد الكتاب بكتاب آخر أمر إيجابي تماماً فهو يساعد على تشارك المعرفة وعرض وجهات النظر المختلفة أمام القارئ ليختار ما يشاء.

ولكن ما فعله المستشار محمد نور كان أكثر إيجابية، حين وثق التحقيقات، التي وصفها خيري شلبي بكونها وثيقة نقدية يجب أن تُدرس، إلا أنها اختفت، ولم تظهر غير مصادفة عند بائع كتب مجهول، وتحديداً في أوائل التسعينيات حين سقطت الوثيقة في يد الكاتب خيري فاكتشف أنه أمام كتاب نقدي عظيم ووثيقة تاريخية تعبر عن مدى وعي وثقافة المحقق.

كتب شلبي مقدمة للكتاب الذي حمل اسم “محاكمة طه حسين”، وأصبح بعد طرحه واحداً من أكثر الكتب مبيعاً، وبه، وجد شبلي طريقه للشهرة.

يصف خيري شلبي هذا الكتاب في مقدمة الطبعة الثانية، فيقول: “لا أظن أنني أحببت كتاباً من كتبي قدر هذا الكتاب الحميم”. ثم قامت جريدة القاهرة بطبعه مرة أخرى في 2016، وأعيد طرح قضيته على الجيل المعاصر.

“أولاد حارتنا”: المنع الطريق إلى نوبل

عام 1962 كتب نجيب محفوظ روايته الشهيرة “أولاد حارتنا”، ولم يكن يظن أن مؤسسة دينية مثل الأزهر ستتحرك ضد تلك الرواية، وربما يكون قد اندهش حين طلب منه طه حسين نشرها في الأهرام مسلسلة، وكان لعميد الأدب العربي رؤية مستقبلية، فبخبرته أدرك على الفور أن هذا العمل سيتحرك ضده الأزهر، فأراد أن يضعه أمام الأمر الواقع، وبالفعل نُشرت الرواية في جريدة الأهرام وتحرك الأزهر لمنع النشر غير أن محمد حسنين هيكل—ئيس تحرير الأهرام وقتها—رفض وساند نجيب للنهاية.

وفي اتفاق ضمني بين نجيب وحسن صبري الخولي، تمّ منع نشر الرواية في مصر، ونُشرت بدار الآداب المصرية. على أثر تلك الضجة التفت العالم الغربي لرواية صاحبة الأزمة فكانت واحدة من أسباب حصوله على نوبل عام 1988م وأصبحت الرواية في متناول قراء العالم بمختلف لغاته.

“سقوط الإمام”: محاولة طمس تحولت إلى دعاية لأفكار مجددة

في عام 2008 اضطر الناشر المصري الحاج مدبولي أن يعيد النظر برواية “سقوط الإمام” ومسرحية “الإله يقدم استقالته” للكاتبة نوال السعداوي بعد فتوى من مركز البحوث الإسلامية بالمنع والمصادرة من معرض القاهرة.

تدور أحداث الرواية حول الإمام الزعيم/ الرئيس الذي يجمع بين المقدس والمندس ويعمل على قهر الجميع ومنهم بنت الله، الشخصية الرئيسية في النص حيث أشار البعض أن شخصية الإمام تتقاطع مع شخصية الرئيس الراحل أنور السادات ومنهم من رجحوا أن الإمام هنا يقصد به الله.

أما المسرحية فتحكي عن الإله في مشهد المحاكمة حيث يعرض عليه الأنبياء موسى، وعيسى، ومحمد وكذلك إبليس حججهم للفوز برضاه والغفران لأتباعهم.

وعليه أصدر مركز البحوث الإسلامية فتوى بالمنع والمصادرة من معرض القاهرة. وكانت الفتوى صادرة من شيخ الأزهر عمر هاشم، مما دفع الناشر لوقف الكتاب وتكبد الخسائر المالية. غير أن الكتاب أعيد طبعه بدار الساقي واحتل صدارة الكتب الأكثر مبيعاً كعادة كتب نوال السعدواي، ثم أعيد طرحه على شبكات الأنترنت وأصبح متاحاً للجميع. 

“الخطاب والتأويل”: معركة جديدة بين الشيخ والمفكر سمع العالم صداها

صدر حكم قضائي في عام 1995 ضد المفكر نصر حامد أبو زيد بتكفيره والتعامل معه على أنه مرتد عن الدين، وعزله من هيئة التدريس بالجامعة، ورغم ذلك واصل حامد مشروعه الفكري بعدة أعمال منها كتاب “الخطاب والتأويل” الذي أصدره في عام 2000 عن المركز الثقافي العربي.

وتحرك الأزهر ضده مجدداً مصدراً فتوى من مجمع البحوث الإسلامية بمنع الكتاب داخل وخارج مصر، ولكن الفتوى ضد الكتاب لم تمنع نشره عبر شبكة جوجل التي أعادت إصداره عبر أكثر من موقع ومكتبة إلكترونية.

“وليمة لأعشاب البحر”: شهرة للرواية ولناشريها قبل أن تُقرأ

أما رواية “وليمة لأعشاب البحر” لحيدر حيدر فقد أصدرتها وزارة الثقافة في سلسلة كان يشرف عليها الكاتب إبراهيم أصلان والروائي حمدي أبو جُليل، هاجمها الأزهر بضراوة شديدة، تمّ على أثرها استدعاء إبراهيم أصلان وحمدي أبو جليل للتحقيق معهما.

كان السبب الأساسي لتحرك القضية أن الرواية صدرت عن هيئة الكتاب، وهي جهة حكومية تمولها ضرائب المواطن، وعليه تم استدعاء إبراهيم أصلان رئيس السلسلة، وحمدي أبو جليل كمسؤول عن موافقات النشر، للتحقيق معهما بتهمة نشر أفكار إلحادية في جهات حكومية بشكل معتمد.

يصرح أبو جليل لرصيف22: “بعد فتوى الأزهر انقلبت الدنيا وخرج طلاب جامعة الأزهر غاضبين، عرفت وقتها أنني في خطر، حضرت شنطة ملابسي وانتظرت القبض عليّ”.

يضيف: “هناك، تمّ فصلي عن أصلان، واصطحبوني إلى غرفة مغلقة، أذكرُ أن المحقق سألني وقتها: يعني إيه رواية؟ ظللنا نتحدث طوال الليل تقريباً وفي النهاية أطلق سراحنا”.

كتب هشام البواردي في روايته الثانية “الرجل النملة” الصادرة عن دار العين، والتي جاءت على شكل سيرة ذاتية للراوي، وهو أيضاً خريج جامعة الأزهر، حيث وصف بدقّة غضب الطلاب وإضرابهم عن الطعام حتى جاءت المذيعة جميلة إسماعيل وسألتهم: “أنتوا قريتوا الرواية؟” ولم يكن أحد قد قرأها أصلاً.

من الجدير بالذكر أن قاضي التحقيقات أشرف العشماوي أصبح اليوم واحداً من الروائيين المصريين وكذلك هشام البواردي الذي وصلت روايته الثانية للقائمة القصيرة بساويرس هذا العام بينما فازت روايته الأولى بجائزة إحسان عبد القدوس، فهل كان بعض الفضل في ذلك يعود للرواية المغضوب عليها؟ 

أكمل القراءة

“بنات الرياض”: الكشف عن خبايا المستور

كتبت رجاء الصانع الروائية والطبيبة السعودية روايتها الشهيرة “بنات الرياض” التي صدرت عن دار الساقي اللبنانية في عام 2005، والرواية تدور حول خبايا الفتيات في المجتمع السعودي من خلال أربع شخصيات رئيسية: قمرة، ولميس، وسديم، ومشاعل.

ورغم أنها كانت العمل الأول للكاتبة إلا أنها جاءت في أسلوب سرد سلسل وممتع يجمع بين الفصحي والعامية الخليجية ولا يخلو من نبرة ساخرة أضافت للنقد.

أحدثت الرواية ضجة كبيرة جداً، وصدرت ضدها الفتاوى والاستهجانات، ومع ذلك حصلت الكاتبة على جائزة دبلن الأدبية العالمية، وترجمت روايتها لأربعين لغة، وتجاوز عدد مبيعات الكتاب 3 ملايين نسخة حول العالم، ليقرأ العالم كله ما حاول المنع والرقابة ستره.
“مترو”: أول رواية مصورة في ملف شرطة الآداب

لمجدي الشافعي القصاص والرسام تجربة فريدة في عالم الرواية العربية، حيث أصدر في عام 2008 روايته المصورة الأولى “مترو” وهي رواية كوميكس، صادرة عن دار ملامح.

تحركت مباحث الآداب بالقاهرة بالقبض على الكاتب ومصادرة الرواية والتعامل معها على أنها مجلة جنسية تُباع دون ترخيص، مما اضطر الكاتب الشهير صنع الله إبراهيم، وكذلك الفنان أحمد اللباد للشهادة أمام المحاكم المصرية لتوضيح سوء الفهم وإقناع المحكمة أن الرواية عمل فني في الأساس ويمكن أن يحتوى على صور.

الرواية تدور حول شهاب، مهندس الإلكترونيات، الذي يعاني من قلة المال فيجبر على سرقة أحد البنوك. ولأن حبكتها تتقاطع مع الحالة السياسية والاجتماعية بالقاهرة، تمّ منعها من مصر بأمر من المحكمة. غير أنها، بسبب ذلك، وجدت مترجماً لها بالإيطالية ثم الإنجليزية، وبذلك عرفت طريقها نحو بقية أرجاء العالم.
لا يجوز “استخدام الحياة” بأمر مخدوش الحياء

“عندما قرأت هذا الكلام شعرت باضطراب في قلبي، وانخفاض حاد في الضغط… هذا الكلام خدش حيائي وحياء المجتمع” هكذا تقدم المواطن هاني صلاح توفيق ببلاغ ضد ما نشره أحمد ناجي في أخبار الأدب.

 كان ناجي قد أصدر روايته “استخدام الحياة” الصادرة في آب/أغسطس 2014، ونشر فصلاً منها في أخبار الأدب، وكان من نتاج الفصل ما حدث مع المواطن هاني، وعليه تحركت مؤسسات الدولة لترفع القضية رقم 1954 لسنة 2015 فاز بها المواطن مخدوش الحياء على المبدع وقضى أحمد ناجي عقوبته في السجن لمدة عامين.

شغلت القضية الرأي العام، وتضامنت الصحف مع ناجي، وأصبحت صورته الشخصية غلافاً على كافة الجرائد المصرية، وأعادت الصحف الإلكترونية نشر الفصل سبب الأزمة مما دفع بالرواية إلى قائمة أكثر الكتب مبيعاً.

ختاماً، لا بد من السؤال: هل يمكن أن يتشكل نوع مستقل للرقابة على الفنون والأدب في العالم العربي، يقوم بدور فعّال إيجابي، دون أن يصبح أداة قمع في يد السلطات؟

المصدر: رصيف 22