أخبار عاجلة
الرئيسية » مجتمع » الفضفضة للغرباء: حين تبوحون لأفراد لا تعرفون أسماءهم أكبر أسرار حياتكم

الفضفضة للغرباء: حين تبوحون لأفراد لا تعرفون أسماءهم أكبر أسرار حياتكم

غريب عنكم تماماً، لا يعرف من أنتم، أين تعيشون، ماذا تعملون، ما مدى الاستقرار في علاقتكم العاطفية، أو الزوجية، رأيتموه لدقائق أو ساعات قليلة، فقررتم الافصاح له عما يحزنكم ويثير قلقكم وخوفكم. ربما قابلتموه في مقهى، أو في السوق، أو على إحدى صفحات التواصل الاجتماعي…

تعددت أشكال الالتقاء، ولكنها انتهت بالإفصاح عن كل ما تخشون أو تخجلون في إخبار الأقارب به، ثم تفرقتم.
الغرباء قد يكونون أفضل

يروي مجدي عبد الشافي، 31 عاماً: “ذات يوم وأنا أسهر مستخدماً موقع فيسبوك للتسلية والتواصل مع الأصدقاء، وكنت وقتذاك أمر بظروفٍ سيئة أثرت على نفسيتي كثيراً، مثل مشاجرات مع زوجتي، وضغط مادي جعلني لا ألبي حاجة أسرتي الصغيرة، ومرض والدتي، التي كنت أخشى فقدها. كنت أشعر وكأن حجراً يضغط على صدري، أرغب في الحديث والبوح دون خجل، لا أريد البوح للأصدقاء، حتى لا أرى نظرات شفقة في عيونهم، ولا لزوجتي لأن علاقتنا لم تكن على ما يرام،  ولا أدري ماذا أفعل”.

يتابع عبد الشافي: “ذات ليلة خطرت ببالي فكرة، نفذتها بعد تردد قانعاً نفسي بأنني لن أخسر شيئاً، دشنت حساباً وهمياً على فيسبوك، دون أي معلومات أو صور حقيقية، ثم بدأت البحث من خلال صفحات الأطباء النفسيين، لا أدري لماذا اخترت تلك الوجهة، ولكن هذا ما حدث.

وجدت بضعة أشخاص شعرت بارتياح لصفحاتهم، فأرسلت لهم طلبات صداقة، فمن وافق، رحت أتحدث إليه، وأحكي له كل ما يحزنني ولا أريد منه رداً أو تعاطفاً أو حتى مساعدة على حل تلك المشكلات، لا أرغب إلا في الاستماع لي”.

يضيف عبد الشافي: “هناك من كان يرفض ويلغيني من صفحته، وهناك من كان يستمع، ومع الوقت، أصبح هذا الحساب الوهمي ملجئي للبوح بكل ما أضمره، بل أنني أحتفظ بصداقة فتاة على هذا الحساب. لاحقاً، هي أيضاً قررت أن تبوح لي بكل ما يؤذيها نفسياً، دون أي محاولة من أحدنا تحميل الآخر عبء إيجاد حلول، كنت نتشارك في ما يحزننا فقط لا غير”.

تقول أمنية حليم، 26 سنة لرصيف22: “لم أخض تجربة البوح لغريب وجهاً لوجه، لكني أملك حساباً على فيسبوك لا يحمل اسمي الحقيقي، ولا يعرفه أصدقائي أو عائلتي أو زملائي في العمل، مشتركة به في كثير من المجموعات الخاصة بالفتيات والنساء فقط. كلما أقع في مشكلة، أفرغ ما في صدري لفتيات لا أعرفهن ولا يعرفن شيئاً عني، وأحياناً كثيرة لا أتابع الردود التي قد تحمل بعض الحلول من وجهة نظرهن، إذ ليس هدفي استطلاع الآراء، إنما مجرد فضفضة”.

وتتابع: “لم أتشجع يوماً على مشاركة مشاكلي أو أحزانني، مع أختي التوأم، أو مع والدتي، وذلك بعد تجارب عديدة فاشلة في الفضفضة لهما، إذ كانتا بعد أن أنتهي من حكي ما يغضبني، تعقدان محاكمة أخلاقية ودينية وتحملانني مسؤولية كل ما حدث رغم أنني أكون في أشد الحاجة للدعم وليس للوم”.

أما نانسي فؤاد، 19 عاماً، فقد أخذتنا لجانب آخر، تقول: “دوماً أبدو سعيدة وراضية وهادئة مهما تعرضت لضغوط في الدراسة أو العمل الإضافي، أو في المنزل. أصدقائي لم يشعروا يوماً أنني حزينة لأي سبب، أما الواقع الذي لا يعرفه أحد، فهو لدي إيميل من خلال الـHotmail، أستخدمه في الفضفضة.

أبحث عن الإيميلات الشخصية لبعض الحسابات على فيسبوك، وأرسل لأصحابها معاناتي، أحياناً أجد من يرد بسخافة أو بسباب من منطلق “وأنا مالي بتحكي لي ليه”، وأحياناً أجد ردوداً مشجعة وداعمة. أشعر أن هذه الحيلة هي الأكثر أماناً لي”.

وتتابع: “الأمر تحول بالنسبة لي كلعب الأحجية، أحاول اكتشاف ردود فعل بعض من أعرفهم من خلال فيسبوك، على مشاكل أتعرض لها، كالتحرش أو الابتزاز الجنسي، وأحياناً كثيرة تصدمني ردود الفعل، ولكنني في النهاية لا أفعل هذا من أجل الحكم على أحد أو تقييم أحد، إنما لأفرغ ما في قلبي لشخص لن يلومني، أو يحكم علي”.

وتقول كريمة ذاكر، 45 عاماً: “لا أتذكر آخر مرة جلست لأحكي لزوجي أو لابنتي الكبرى أو لأختي، عما يحزنني، ولكنني أتذكر كيف تنتهي كل محاولة للفضفضة إلى مشادة كلامية ربما تؤدي للخصام عدة أيام، بسبب غضبهم من رد فعلي على موقف أو أي سبب آخر.

لذا بدأت أتجنب الحديث معهم عن مشكلاتي وهمومي، ورحت أحكي لإحدى الراكبات التي تشاركني في أحد المواصلات العامة بعد انتهاء عملي، خاصة أن رحلة عودتي من العمل للمنزل تدوم نحو ساعة. أحكي لها دون خجل أو خوف من أي لوم”.

تطبيقات الفضفضة

لا تتوقف الفضفضة للغرباء على النمط السابق ذكره فقط، وإنما أصبح هناك وسائل أكثر حداثة للغاية نفسها، منها تطبيقات مصممة للهواتف الذكية. أبرزها:
Talk space:

يمنحكم التطبيق فرصة الدخول إلى غرفة محادثة تجمع الكثير من المستخدمين من مختلف الجنسيات والأعمار، ويشرف على المحادثة أحد الأطباء النفسيين، إلا أن تكلفة التطبيق تراوح بين 50 دولاراً أمريكياً و80 شهرياً.
7Cups of tea:

يتميز هذا التطبيق بأنه لا يوفر لك فرصة التحدث والفضفضة والبوح فقط، بل كذلك فرصة الاستماع للآخرين، ليتيح نوعاً جديداً من الخدمة، هو إمكانية التحدث مع أشخاص مجهولين، ويمكنكم أيضاً الاشتراك كمستمعين من خلال اجتياز بعض الاختيارات البسيطة، للتأكد من كونكم مستمعين للطرف الآخر، وليس لديكم أي نية لحل المشكلة أو التدخل.

أما علم النفس فيرى دلالات كبرى لهذا السلوك البشري الذي أصبح منتشراً ومكرراً. قال أستاذ الطب النفسي والاستشاري التربوي، دكتور أحمد عبدلله، لرصيف 22 إن الرغبة في الفضفضة أو الافصاح عن الأحزان للغرباء، ترجع لعدة أسباب، على رأسها أن المجتمع العربي تحول لمجتمع ضاغط نفسياً، فالناس تنامت لديها القدرة على الحكم على الآخرين والمزايدة الدينية والأخلاقية وفرض الوصاية الأخلاقية بعضهم على بعض.

وصرّح: “هذا الأمر حول الحديث مع الأقارب أمراً ضاغطاً نفسياً على عكس الحديث مع الغرباء، الذين ليست لديهم رغبة في الإيذاء ولا حتى القدرة عليه”.
العلاج بالفضفضة

كذلك أكدت المعالجة النفسية المعتمدة لدى وزارة الصحة المصرية، الدكتورة وفاء شلبي، أن السعي إلى الفضفضة للغرباء ليس أمراً مستحدثاً إنما هو سلوك قديم جداً، لكن أساليبه مختلفة. وتقول “كان لدي صديقة اتصلت هاتفياً بشخص غريب في وقت متأخر من الليل، وطلبت منه أن يستمع إليها فقط، وبالفعل حكت له كل مشاكلها ثم أنهت المكالمة.

هذا الأمر مثير وله إيجابيات عدة، من بينها شعور أكبر بالأمان وضمان عدم تناقل الأسرار مع أشخاص يعرفون صاحب الفضفضة، وفي بعض الحالات، لن يلتقي الطرفان وجهاً لوجه ولن يحكم أحدهما على الآخر”.

وتقول شلبي “الأحكام تطلق في أغلب الأوقات، وليس من بين شروطها المعروفة بين الطرفين، فأحياناً كثيرة نحكم على أشخاص لا نعرفهم، ولكن الأمر متعلق بعدم تأثير تلك الأحكام في علاقة الطرفين، أو في حياة أحدهما، لأنها قد تؤدي لتفاقم المشاكل، كما هو الحال لدى الفضفضة مع الأقارب.

وتضيف أن ذلك ليس دليلاً على الانطواء بل على العكس تماماً، فالمنطوي شخص لا يرغب في الحديث من الأساس مع غرباء أو أقارب، أما الحالة التي تهمنا الآن، فصاحبها شخص من المحتمل أن يكون اجتماعياً، وسريع الاندماج.

وتواصل المعالجة النفسية “العلاقات الأسرية عامل مؤثر في أغلب سلوكيات الانسان، ولكن ليس شرطاً عدم وجود روابط أسرية حتى يلجأ أحدهم للحديث مع الغرباء، فقد تكون الأسرة متحابة جداً ومستقرة، ولكن أفرادها ليسوا مستمعين جيدين. علماً أن التغيرات الاجتماعية التي طرأت على المجتمع المصري، لم تكن عاملاً مؤثراً بشكل كبير في تلك الحالة”.

وتختم شلبي “الناس منذ زمن بعيد يفضلون الفضفضة للغرباء، ربما أصبح ذلك أسهل بفعل وجود مواقع التواصل الاجتماعي، ولكنه ليس سلوكاً جديداً بالضرورة. فأنا وكثير من المعالجين والأطباء النفسيين، نواجه عشرات الحالات، التي تأتي لجلسة واحدة فقط، بهدف الفضفضة من دون طلب علاج أو حل للمشاكل، إذ لا يريدون سوى مستمع لا يفضح أسرارهم”.

المصدر: رصيف 22