أخبار عاجلة
الرئيسية » حكايات من سوريا » يوميات سورية: تدابير اقتصادية أم انصياعٌ كامل للفقر؟ تقرير سلوى زكزك

يوميات سورية: تدابير اقتصادية أم انصياعٌ كامل للفقر؟ تقرير سلوى زكزك

ثمة تدابير حياتية لا تحليل منطقي لها، يتم التسويق لها لتبدو حلولاً خارقة وتغلّف بغلاف العبقرية لكنها مجرّد تدابيرٍ إجرائيةٍ لا خيار بالعودة عنها، تفرض نفسها كنمطٍ حياتيٍ يوميٍ وتتسع معها حدة التغيرات الطارئة على كافة تفاصيل الحياة. يثبت الأفراد يوماً بيوم طقوس عيشهم فتصبح أعرافاً غير قابلة للخدش أو النقض. في كل بيتٍ سوريٍ خزانةٌ للزجاج (فيترينا أو درسوار)، ويوم العطلة يوم لدعوات الأهل على الغداء أو العشاء، ويوم الجمعة للفول والحمص، وأيام الأعياد عامرة بالحلويات والفواكه ولو بالدَين.

كل يوم أحد يلي العطلة الأسبوعية (الجمعة والسبت)، تحمل أمل معها دزينة أطباقٍ صغيرةٍ أو كبيرةٍ أو فناجين قهوة، طقم دلات للقهوة أو إبريق شاي ستانلس لتبيعه لزملاء العمل بعد أن انهارت منظومة التقليد الراسخ المتمثل بتخزين الزجاج وأدوات المطبخ استعداداً لكافة المناسبات التي يجتمع فيها عددٌ كبيرٌ من البشر في بيتٍ واحد، كتأثيث بيوت الأبناء المقبلين على الزواج. ومع حالة الغلاء المنفلت من عقاله والذي أدى إلى حرمانٍ قطعي لمكوناتٍ أساسيةٍ من كافة الاحتياجات الأساسية وصولاً للاحتياج الغذائي اليومي، هذا عدا عن التشييئ الذي غلّف كل المقتنيات، باتت كل المدخرات بلا قيمة في مواجهة الموت أو السرقة. تقول أمل: “أولادي سافروا، أنا بحاجة للمال، لمن سأترك غلالي للسارقين أم للغبار والعبث؟”

***

تطلب أم وسام لحمة بمائتي ليرة يُذهل اللحام، فماذا هو بفاعلٍ أمام هذه الطلبات، فأوقية لحم العجل بتسعمائة ليرة! كيف يقسم الأرباع والأخماس ليحدد وزنا معادلاً للمائتي ليرة؟ تشعر بحيرته فتقول له “مجرد نكهة لتطعيم الطبخة أحسن من الماجي!” وتبدأ بسرد قصةٍ لا طائل منها فقط لتبرّر عجزها عن شراء أوقية لحم.

في مكانٍ آخر تطلب سيدة قفصاً من بائع الفروج، أتساءل عن معنى القفص ومبرر وجوده هنا؟ يصرخ البائع بالصانع: “هات الأقفاص!” لأكتشف أنه ثمة كائن مشفّى من اللحم، مجرد هيكل على العظم، يشتريه الناس ليطبخوا ولائم البرغل، تقول لي السيدة “ماء العظام مسامير للركب وله نكهة زاكية.” تطبخ مقدار كيلوغرامين من البرغل فوق مرق الهيكل العظمي، فيصير للأقفاص مرق ونكهة وحضور غالٍ وعزيز.

***

في الولائم وما يسمى المناسبات العائلية بات الجميع يتقاسمون وجبات الطعام، كل عائلة تلتزم بإحضار تفصيل من تفصيلات الدعوة. بعد سنةٍ كاملةٍ قرّرت أم جميل تحضير الكبب. الكل دفع حصته، الكل شارك حتى في قيمة الملح وسائل الجلي، تبدو الحالة هنا مختلفة، فيها نوع من المشاركة كنا نفتقده وكان الجميع يتسابق لتقديم الأكثر والأعلى كلفة.

***

يتبادل السوريون الكتب المدرسية أو يبيعونها دونما تردد أو خجل كما كان سائداً فيما سبق. يبيعون قمصان الزي المدرسي والحقائب المدرسية المستعملة وما تبقى في الدفاتر كمسوداتٍ صالحةٍ للكتابة. يتبادلون محتويات سلة الإعانة وخاصة في ظل وجود حالات مرضية كالسكري أو في ظل وجود أعداد كبيرة من الأطفال تستهلك الأرز والمعكرونة بكميات كبيرة، في زيارات المرضى يأخذون ما يلزم، فاكهة، فروجاً، صابوناً، عبوة زيت، ولا مانع أيضا من مبلغٍ زهيدٍ يسند المريض وعائلته وقد تكون الهدية علبة دواء.

لدي رفيق يمتلك مكتبةً عظيمةً وكتبه نادرة ويمتلك أمهات الكتب، اليوم (12 نيسان) رأيته تحت جسر الرئيس وسط دمشق، يبيعُ أربع كتبٍ لعفيشة المكتبات وباعة الرصيف كي يأكل… ياحيف، ويالبؤسنا!

***

تنتظر النسوة ربّات البيوت وخاصةً غير العاملات منهن وقت الظهيرة ليذهبن إلى السوق لشراء طبخة اليوم. حينها تهبط الأسعار ولو خمس ليرات لكل كيلو غرام، ويمكن وقتها مفاوضة بائعٍ متعبٍ أو بردان أو يعاني من حرّ الشمس على بيعةٍ ناجحة: خمسة كيلو غرامات بندورة شبه ممعوسة بمائتي ليرة، كومة سبانخ بثلاثمائة ليرة، بطاطا مشقوقة ومقشرة ومكسورة بمائة ليرة للكيلو الواحد، تدور الصفقات وتدور الأمنيات علّها تخصب وتشبع البطون وتهدأ النفوس.

***

أصبح تقليد التكسي السرفيس معمماً لتخفيف عبء نفقات التنقل، توقّف السوريون بشكلٍ عام عن إبراز مظاهر الواجب المتعارف عليها قبل الحرب، كأن يدفع الرجل عن المرأة أو يدفع الأكبر سناً عن الأصغر، كلٌ يدفع عن نفسه وقد يلجأ ستة طلاب دفعة واحدة لاستئجار تكسي واحدة لتقلهم إلى الجامعة.

***

في الحرب تهتز العادات الثابتة، تنظم نفسها بتوافقٍ شبه غريزي موائمٍ لضغط الحاجة، ثمة من يقترض أسطوانة الغاز لأنه لا يملك ترف شراء واحدة، وثمة من يضع قوالب للثلج في ثلاجة جاره لتبريد الماء لأنه لا يملك ثلاجة أصلاً. يشتري السوريون السجّاد المستعمل وإن كان مسروقاً لأنهم لا يملكون مالاً لشراء الجديد. طناجر الألمنيوم الكبيرة باتت حاجة ماسة تشترى من أي مكان، من جارةٍ تقلصت عائلتها وباتت لا تحتاج الطناجر الكبيرة، من محال بيع المسروق، من صديقةٍ حصلت عليها كهديةٍ مجانيةٍ ولا تحتاجها فتبيعها لشراء ما تحتاجه.

ذات يوم بادلت سيدة أربع عبواتٍ من الزيت النباتي بتفريعة، قالت للبائع
“لم يتبقَ لنا أي شيء إلا الزوج وكثيراتٍ تنتظرن خطفه منا!”

ولدٌ بيده علبة أقلام ملونة دخل المكتبة وسأل صاحبتها: “هل تشتريها مني؟” رفضت في البداية فلديها الكثير والبيع قليل، لكنها حين عرفت حاجته أخذتها منه مقابل تفاحتين وسندويشتين من الجبنة الكريمية له ولأخته.

اللافت في تغير أنماط الاستهلاك هو تراجع حجم الكميات المشتراة والمباعة، الكيلو تحول لقطعة، أو لأوقية، والغالب هو بمائة، بمائتين، أي أنّ الحاجة تحدّدها الكتلة النقدية المعروضة للتداول وليس الحاجة الحقيقية. حتى الباعة باتوا يعرضون بضائعهم بأكياس موزونة سابقاً وبكمياتٍ قليلة جداً. ولابدّ من الإشارة هنا إلى تراجع النوعية وغياب الرقابة على كافة المنتجات وخاصة الشعبية منها والتي باتت الأكثر مبيعاً والأكثر طلباً، مثل المنظفات والتي تحضر بطرق بدائية تفتقد مكوناتٍ أساسيةٍ في تركيبتها مثل نسبة التعقيم المطلوبة كحدٍّ أدنى والمرطبات، خاصة إذا ما عرفنا بأنّ أكثر العائلات الفقيرة تستعمل سائل الجلي لغسل الملابس وكبديلٍ عن الصابون لغسل الوجه واليدين، مما يسبب آثاراً غير صحية تضيف للفقر وضيق ذات اليد بعداً جديداً وهوانخفاض مستويات الحماية لكل شيء. كما أنّ البضائع المعروضة بطريقة الفرط والمعبأة بأكياس شفافة لا تسمح للمشتري بالتعرف إلى حقيقة المكونات ولا إلى تاريخ الصنع أو تاريخ انتهاء الصلاحية.

***

إنّ كل ما سبق وإن بدا وكأنه ليس بذي قيمة مقابل شبح الموت والعنف المخيمين إلا أنه مرآةٌ لواقعٍ قاس ٍوشبه ميت، متناقضٍ في جوهره ومتناحر في سيرورته. تبدو الأشياء في عفوية العيش القسري وبساطة استعراضها وكأنها تسهيلات للعيش بخسائر أقل، لكنها شروخ عميقة في البنية المجتمعية، نقصٌ أصيلٌ ويحتاج الحلول فيما يخص مستقبل الأفراد صحة وتعليماً وعملاً. بداهة العيش في ظل القهر الذي تفرضه الحرب ليس مدعاة للاحتفال بانتصار الحياة، بل هو توقف ضروري لبناء بدائلٍ أكثر عدلا ًواكتفاءً وإنسانيةً.

تقرير سلوى زكزك

المصدر: salonsyria



تنويه : ماينشر على صفحة حكايات من سوريا تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع