أخبار عاجلة
الرئيسية » كتاباتكم » لو أنني كنت يهودية

لو أنني كنت يهودية

في مناسباتٍ تتكاثر يوما بعد آخر، يحدث لي أن أتمنى لو أنني كنتُ يهودية. لا لغوايةٍ يمارسها عليّ الدين، أو لرغبةٍ جامحةٍ لديّ في فهمه واستكشافه من الداخل، وإنما لسببٍ آخر تماما هو أن أحوز على ما يعادل “جواز مرور” أو “بطاقة خضراء”، يُجيزان لي مخاطبة إسرائيل بسهولةٍ وانسيابيةٍ، من دون وجود العوائق التعجيزية المعتادة التي تمنع قيامَ أي حوار، كونها ستضعني سلفا ومباشرة، كوني عربية (مسلمةً كنت أم مسيحية) في خانة العدوّ الذي لا يريد لها أي خير.

والحق يقال إني على عكس ما يظنّه الإسرائيليون، أريد لهم خيراً، هو ردّهم عن سياسة الانتحار التي يمارسونها بحق أنفسهم، فيما هم ينحرون من حولهم، من دون هوادة، ظنّا منهم أنهم، عبر دفن القتيل والتخلّص من الشهود، سيتمكّنون من إخفاء الجريمة. والحال أنهم لم ينجوا من “الجريمة الأصلية” التي ارتكبت بحق الفلسطينيين، وإن اعتقدنا واعتقدوا العكس، إذ تحوّلوا إلى قتلةٍ وهذا، برأيي (كيهودية) هو أقسى العقاب لمن كان يوما في مكان الضحية وعرَف، بأبشع الأشكال وأقساها، معنى التعرّض للإبادة والاضطهاد.

ولو أنني كنتُ يهودية، كان سيكون لديّ، صوتٌ لديهم، ولكنت حدّثتهم بهذا كلّه، وبأن الفلسطينيين لا يكرهوننا مجانا. وهكذا بعدوانيةٍ وحشيةٍ غير مبرّرة، كما فعل غيرُهم من قبل، بل إنهم لن يكرهوننا ألبتة، إن نحن اعترفنا بما ارتكبنا بحقّهم من ذنب، وهو كثير، ومتواصل، ومتزايد، ولا يُغتفر. ومع ذلك، إني على يقينٍ من كونهم مستعدين للغفران، إن نحن اعتذرنا وتراجعنا وتشاركنا الحقوق وكففنا عن القتل. وإن فهمنا أخيرا أن جبروتنا وقوّتنا وطغياننا وانتصاراتنا العسكرية تعود علينا بالويل، لأنها تحجّر عقولنا، وتقسّي قلوبنا، وتعيث في أرواحنا خرابا ليس بعده خراب. فهي تصنع منّا قتَلة، وهل بعد هذا عقابٌ أشدّ عنفا وقسوة؟ أن تفقد الضحية ضميرها الإنسانيّ، فتصير أكثر شرّا من الشرّ نفسه؟ هذا ما أصابنا، نحن يهود إسرائيل، وقد بتنا قتلةً يتلذّذون بالقتل، ومجرمين يسوّغون فعل القتل، وجلادين يهذرون بما توحيه لهم الضحية من قلقٍ وخوف. نحن لم نفقد حكمتنا وضمائرنا فحسب، بل فقدنا الرحمة والشفقة، وبتنا وحوشا كاسرة لا تلوي على شيء.

لو أنني كنتُ يهودية، ولا أريد أن أكون إسرائيلية خشية أن يصيبني ذلك بلوثة الشراسة والتعصّب والعنف والاستناد إلى أساطير كاذبة، لوضعها في موضع الحقّ، لجعلتُني مثالا يُحتذى في الرأفة والسماح والسّعة، ولكنتُ أنهيتُ حروبي كلّها، ورأيتُ في قوّتي طاقةً هائلةً للمصالحة والتآخي وإعطاء كل ذي حقٍ حقّه. أنا بالطبع لن أستطيع محو “خطيئتي الأصلية”، حينما استوليتُ على ما ليس لي، لكني على الأقل، أستطيع التكفير عن ذنبي، بإصلاح بعض ما كُسر وبالتعويض عنه. وإن كنتُ حقا مثالا في الديمقراطية والتقدّم والانفتاح كما أدّعي، فلأكُن إذاً على يقينٍ من أني سأؤثّر في الآخر الذي آخذ عليه تخلّفَه، أكثر مما سيؤثّر هو بي، ولي أن أفاخر حينها في ما جلبتُه إلى المنطقة من تطوّر، ومن درسٍ حضاريّ.

لكنّي، وبعد التفكير، لو أنني كنتُ يهودية، قد لا أفعل هذا كلّه، إذ ستلزمني قوّةٌ جبّارةٌ لا أدري من أين سآتي بها. فالعالم كلّه تقريباً مع “جماعتي”. أقوياء العالم كلّهم يصفّقون لها. جهاز البروباغندا الذي تملك ويروّجها هائل، وأشبه بأخطبوطٍ عملاق تطاول أطرافُه كلَّ وسائل الإعلام والضغط، لا لتنصف قضيتها، بل لتقضي على قضايا الآخرين الذين يحاولون ردعها. أخيرا فقط، قد جعلت 300 اسم فرنسي شهير، من بينهم رؤساء جمهورية أسبقون وكتّاب ومثقفون معروفون، يوقّعون بيانا بشأن المعاداة للسامية، وهو في الواقع بيانُ حقّ يُراد به باطل، والباطلُ هو تأليب الفرنسيين على جاليتهم العربية والمسلمة. وأيضا، في الفترة نفسها، جعلت “يوتيوب” يحذف شريط فيديو يصوّر قتل أطفال فلسطينيين في غزّة على يد جنود إسرائيليين، وحين أجبر الكاتب والناشط الأميركي اليهودي، نورمان فنكلشتاين، “يوتيوب” على إعادة بثّه، تمّ وضعه في خانة الأفلام البورنوغرافية!

أجل، هذا غيضٌ من فيض. لذا، لو أني كنتُ بالفعل يهودية، لكان خجلي ممّا تفعله إسرائيلُ بنفسها وبي، عظيم.

نجوى بركات



تنويه : ماينشر على صفحة كتاباتكم تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع