أخبار عاجلة
الرئيسية » ثقافة وفن » مارس سخريته في السجون… دفتر يوميات محمود السعدني داخل معتقلات عبد الناصر

مارس سخريته في السجون… دفتر يوميات محمود السعدني داخل معتقلات عبد الناصر

كان رجلاً ساخراً. عاش حياته متهكماً من كل شيء، محوّلاً لحظات الحزن إلى ابتسامة، ولحظات العذاب إلى نكتة. أطلق على نفسه لقب “الولد الشقي”، فمات وهو طفل رغم عمره الطويل الذي امتد من 20 نوفمبر 1928 حتى 4 مايو 2010. وحتى حين دخل المعتقل، حوّل سنوات حبسه إلى مواقف ساخرة رسخت في ذهن مَن عاشروه وكتب هو بعضها. إنه الكاتب المصري الساخر محمود السعدني.

“تخيّل أكثر من 150 معتقلاً على أبواب سجن القلعة، الجميع خائفون، يدركون أن الاعتقال لن يكون سهلاً، شواهد الأيام الماضية تدل على ذلك، وفجأة ونحن جالسين القرفصاء تسمع صوتاً عالياً يقول ‘أنا دلوقتي عرفت سر تمثال الكاتب الجالس القرفصاء عند قدماء المصريين، شكله كان مسجون زينا’، ليضحك هو وبعض الأفراد، وكنت منهم، بل وبعض حراس المعتقل”.

هذا ما يرويه نائب رئيس حزب التجمع حسين عبد الرازق، في بداية حديثه عن محمود السعدني الذي زامله في المعتقل، بعد حملة اعتقال الشيوعيين في عام 1959 والتي أُطلق عليها في الأدبيات الشيوعية اسم “التغريبة”، واستمرت خمس سنوات كانت الأقسى على الحركة الشيوعية، كما يوضح عبد الرازق.

ويقول لرصيف22: “عرفت أنه محمود السعدني، الكاتب في جريدة الجمهورية وكنت قد قرأت له أكثر من مقال، وكان لدي تصور أن الإنسان الساخر دائماً يحمل أحزاناً كبيرة، لكن هذه النظرة لم تكن تنطبق على السعدني، فقد كان أولنا سخرية من كل شيء بداية من تعليمات إدارة معتقل القلعة ووصولاً إلى النكات التي كان يحكيها طوال الليل”.
محمود السعدني ونجيب محفوظ
الصول شاهين

ورغم كثرة الحكايات، إلا أن “واقعة الصول شاهين” تُعَدّ أبرز ما يرويه حسين عن عالم “الولد الشقي” الذي بدأ حياته الصحافية في مجلة الكشكول.

“الصول شاهين” هو أحد عناصر الأمن الذين كانوا مكلفين بمراقبة الشيوعيين داخل معتقل القلعة. ويقول نائب رئيس حزب التجمع: “كان دائم الضرب فينا حتى وجدناه ذات يوم يتحدث مع محمود السعدني وأثار الأمر فضول الكثيرين، فالصول لم يكن يتكلم إلا بالعصا. وبعد أيام عرفنا أن السعدني كان يحكي للرجل عن البلاد التي زارها ويخترع أسماء دول يتحدث عن نسائها العرايا وأحوالهم، ما ولّد ألفة بينهما، واستطاع بتلك الحكايات أن يحصل على امتيازات مثل زيادة وقت راحته والحصول على سجائر بطرق غير شرعية”.

ولكن الحيلة انكشفت لاحقاً كما يروي عبد الرازق. قال: “سألني الصول شاهين ‘هل صحيح أن يأجوج ومأجوج مبيقبلوش شيوعيين’، ولم أفهم قصده فأخبرني أنه سأل السعدني لماذا لم يسافر إلى بلاد يأجوج ومأجوج حتى يروي له عنها، وأجابه بأنه قدّم طلب فيزا لكنهم لا يقبلون شيوعيين كفرة، وحين أخبرته أن ذلك غير صحيح جاءني السعدني بعد أن تلقى ضربة من الصول الشاهين قائلاً ‘ضيعت المصلحة’. وحتى بعد انتهاء فترة الحبس كان كلما التقيته يقول ضاحكاً ‘أنت توقف المراكب السايرة’”.
اعتقاله كان نكتة

تلك الواقعة هي قطرة من بحر محمود السعدني الذي أيّد ثورة يوليو وبزغ نجمه بعدها. فاعتقاله أصلاً كان نكتة، يرويها هو في كتابه “الطريق إلى زمش”.

يقول: “في عام 1958، قمت بجولة في سوريا مع فؤاد جلال، أول وزير إرشاد لثورة يوليو، ومن خلال تلك الجولة ظن زعماء الحزب الشيوعي العراقي الفارين في ذلك الوقت من بطش نوري السعيد أني وثيق الصلة بجمال عبد الناصر، ودعوني إلى جلسة وحملوني جواباً خاصاً لـ’ناصر’. وحين قلت لا أعرفه ضحكوا ظناً منهم أني أنكر، فضحكت وحملت الجواب، وما هي إلا أيام حتى تم استدعائي إلى القاهرة، وكما ظن أعضاء الحزب الشيوعي العراقي أني قريب من عبد الناصر ظنت السلطات المصرية أني قيادي شيوعي وإلا لماذا حملوني جواباً شخصياً؟ وحين بدأت حملة الاعتقالات تم القبض عليّ في 27 مارس 1959 وقال لي الضابط ‘5 دقائق’ فاستمرت 4 سنوات”.

هابيوس كوربوس

“كنت أظن أنها 5 دقائق”، يقول السعدني في كتابه، و”بعد مرور أول يوم في المعتقل، شاهدت لويس عوض وهو يتمشى في ساحة السجن فسألته ‘متى سنخرج؟’ فقال غداً أو بعد غد، فسألته ‘متأكد؟’ فقال ‘طبعاً هابيوس كوربوس بيقول كده’”.

ويتابع القصة: “عدت إلى الزنزانة وكلي فرح ولكني أردت أن أعرف من أي مكان سنخرج فذهبت للويس مرة أخرى وسألته ‘قريبك اللي في المباحث ميعرفش هنخرج منين’، فرد علي بعصبية ‘قريبي مين؟’، قلتله هابيوس كوربوس، فرد ‘ده قانون روماني قديم بيقول إن محدش يتحبس أكتر من 3 أيام بدون سبب، واحنا مش عارفين حاجة فهنخرج بعد يومين’، فرددت عليه ‘نعم، دي هابيوس بتاعك لو جيه هنا يتحبس سنة’ ورجعت بخيبة طويلة”.
حبس بقرار جمهوري

تحتفظ القيادية الاشتراكية في حقبتي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي فريدة النقاش في ذاكرتها بقصص عن مثول “الولد الشقي” أمام النيابة.

تروي لرصيف22: “كنت ذاهبة لأعطي زوجي صلاح عيسى المعتقل ضمن تلك الحملة بعض الطعام أثناء التحقيق معه، وفوجئت بالسعدني وأمرني القاضي بانتظار زوجي فشاهدت التحقيق مع محمود كاملاً. كانت كل أجوبته ساذجة حتى أنك تظن أنه يتعمد ذلك. وللمرة الأولى، رأيت وكيل نيابة يضحك من الأجوبة وفي النهاية قال له ‘انت بريء لكن حبسك بقرار جمهوري’، فرد السعدني ‘صبرت ونلت يا واد الريس مهتم بأمرك’ ثم ضحك وغادر وبعد التحقيق أخبرت زوجي بما حدث فضحك وقال ‘هو ده السعدني’”.

تنظيم زمش

ومن “القلعة” إلى الواحات… يقول محمود الورداني في كتابه “حدتو” إنه أثناء اعتقاله في معتقل الواحات، فوجئ بمجموعة من معتقلي القلعة يفدون، ونتيجة لأنه كانت هناك خلافات بين الأحزاب الشيوعية وقتها، كان يتم وضع كل تنظيم في عنبر فكان هناك ‘حدتو’ وتنظيم ‘و ش’ أي الطليعة الشيوعية وحين سألوا محمود السعدني إلى أي تنظيم تنتمي وكان الرجل بلا أي تنظيم قال ‘زمش’ ولم يناقشه أحد بل إن صنع الله إبراهيم عضو ‘حدتو’ والمتمرد عليها في ذاك الوقت قال إنه يتبع نفس التنظيم فتم وضعهم في عنبر وحدهم مع آخرين أكدوا انتماءهم إلى نفس التنظيم”.

يضحك الروائي صنع الله إبراهيم حين يتذكر ذلك. يروي لرصيف22: “بعد وضعنا في العنبر سألت محمود السعدني عن ‘زمش’ وما يرمز إليه هذا الاختصار فقال ‘زي ما انت شايف’، مضيفاً ‘أنا مليش ولا تنظيم وكل تنظيم واخدلي حرفين وعاملي كلمة فلما سألني الضابط انتوا تبع مين كنت عاوز اقله ‘زي ما انت شايف’ فطلعت ‘زمش’”.

ويضيف: “كُتبت هذه القصة أكثر من مرة وكان هناك مشروع فيلم سينمائي عنها لكن لم يتحمس الكثيرون لإنتاجه رغم أن شخصية السعدني تذكرني بشخصية الشيخ حسني في فيلم ‘الكيت كات’: رجل لا يحزن ويتعامل بسخرية”، مؤكداً أنه طوال مدة اعتقاله لم يكن ينام إلا وهو ضاحك بسبب رفقة السعدني.

المثير أن “زمش”، ذلك التنظيم الوهمي، بات له ملف في وزارة الداخلية كما يخبرنا محمود السعدني في كتابه. ففي نهاية اعتقاله سأله رئيس النيابة عن التنظيم وحين أخبره بالقصة ضحك وقال: “عموماً تنظيمك بقى ليه ملف بكل أعضائه”.
“الكميونة”

بعد الاحتجاز، كما يقول صنع الله إبراهيم، تولى السعدني ما يُطلَق عليه “الكميونة”، أي أنه كان الشخص المسؤول عن إيصال التموين للمعتقلين في العنبر، فكانت توضَع السجائر معه لتقسيمها بالعدل، وكان كلما طلب منه أحد أن يخصّه بسيجارة يعلن ذلك على الملأ ما جعل الجميع يتجنب تلك الطلبات تجنباً للفضيحة، لكن لم يكن هناك أي كره له.

أما الموقف الأبرز الذي يرويه صنع الله إبراهيم فهو حين طلبت إدارة السجن من كل مسجون أن يكتب جواباً لأي مسؤول في الدولة يعرفه لعل ذلك يتسبب في الإفراج عنه، “فاختار الجميع شخصيات كبيرة، منهم مَن كتب لجمال عبد الناصر وكتبت أنا لزكريا محي الدين وكتب محمود السعدني للسياسي السوري أكرم الحوراني، أما أحمد رشدي صالح، أقدمنا في تجربة الاعتقال، فكتب لرئيس مباحث أمن الدولة فما كان من السعدني إلا التهكم عليه والتباهي بأن صديقه أكرم الحوراني سيخرجه من المعتقل لكن الغريب أن الوحيد الذي خرج كان أحمد رشدي وكان العنبر كله يضحك على السعدني”.
ستالين الواحات

ونعود إلى كتاب محمود الورداني “حدتو” الذي يروي فيه كيف أطلق السعدني لقب “ستالين الواحات” على أحد أعضاء الحزب الشيوعي واسمه “صالح” ويحب الحديث عن النظريات العالمية وكيف يمكن أن يكون الوضع لو حكمت الشيوعية العالم. ورغم غباء تلك الأفكار بحسب الورداني، فإن محمود السعدني لقبه بستالين الواحات وأقنعه بأنه لقب تشريف لا سخرية ما دفع الرفيق إلى تصديق ذلك.

لم يحزن السعدني في المعتقل إلا آخر شهرين، رغم تعرض المعتقلين للتعذيب. وكشف الورداني أنه علم قبل خروجه بشهرين أن ابنته أجرت عملية وتعاني من مشاكل في النمو ما جعله مهموماً طوال الوقت ولكن حتى في ذلك لم يكن يطلق إلا نكاتاً ولم يكن يتكلم إلا ساخراً.

مضت الأيام وتم الإفراج عن السعدني في عام 1964، كما يؤكد في كتابه، لينطلق بعدها في مسيرة صحافية طويلة حتى وفاته في 4 مايو 2010، ليرحل “شيخ الساخرين”، كما لقّبه بعض تلاميذه.

المصدر: رصيف 22